مقال بوك

الصحة في مصر.. كم يدفع المواطن من جيبه؟

بلغت حصة الإنفاق الصحي من جيوب الأسر في مصر 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري عام 2023. وتستهدف منظومة التأمين الصحي الشامل خفض هذه النسبة إلى أقل من 28% بحلول 2030 في المحافظات المستهدفة.

مشاركة:
حجم الخط:

لا تتوقف تكلفة العلاج بالنسبة إلى الأسرة المصرية عند سعر الكشف الطبي أو الدواء. فالفحوصات والعلاجات والأدوية والخدمات الطبية قد تتحول إلى عبء مالي متكرر، خصوصًا عندما يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى رعاية طويلة الأجل.

وتشير أحدث البيانات الدولية الواردة في التقرير إلى أن الإنفاق الصحي من جيوب الأسر المصرية بلغ 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري في 2023.

ورغم تراجع هذه النسبة عن مستويات سابقة، فإنها تعني أن المدفوعات المباشرة للأسر لا تزال تمثل الجزء الأكبر من تمويل الإنفاق الصحي الجاري.

جرائم القتل في مصر 2026.. هل زادت فعلًا؟ الأرقام والأسباب والحلول

ماذا يعني الإنفاق الصحي من الجيب؟

يقصد بالإنفاق الصحي من الجيب الأموال التي تدفعها الأسر مباشرة للحصول على الرعاية الصحية، بما يشمل الأدوية والخدمات الطبية ومقدمي الرعاية والفحوصات وغيرها من الاحتياجات العلاجية.

وهنا يجب التمييز بين حصة الإنفاق من الجيب من إجمالي الإنفاق الصحي وبين النسبة التي يخصصها المواطن من دخله للعلاج.

فالنسبة البالغة 57.2% لا تعني أن المواطن ينفق 57.2% من راتبه على الصحة، وإنما تعني أن المدفوعات المباشرة للأسر تمثل هذه الحصة من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري.

الإنفاق من الجيب يتراجع.. لكنه لا يزال مرتفعًا

أعلنت وزارة الصحة والسكان في يونيو/حزيران 2023 أن الإنفاق الشخصي على الصحة تراجع من 62.7% إلى 59.3%، بالتزامن مع ارتفاع حصة الإنفاق الحكومي على الصحة من 28% إلى 33%.

وتشير البيانات الدولية الواردة في التقرير إلى استمرار التراجع، إذ وصلت حصة الإنفاق من الجيب إلى 57.2% في 2023.

لكن انخفاض النسبة لا يعني بالضرورة انخفاض قيمة ما تدفعه الأسر فعليًا، إذ يمكن أن تتغير قيمة الإنفاق الصحي الإجمالي في الوقت نفسه.

لماذا تتحمل الأسر جزءًا كبيرًا من الفاتورة؟

تتداخل عدة عوامل في تحديد حجم الإنفاق الذي تتحمله الأسرة.

وتشمل هذه العوامل تكلفة الأدوية، والكشف الطبي، والفحوصات، والخدمات العلاجية، إضافة إلى اللجوء إلى القطاع الخاص عندما لا تتوافر الخدمة المطلوبة أو لا تكون متاحة بالقدر الكافي داخل النظام الذي تغطيه الأسرة.

كما تختلف الأعباء بين الأسر بحسب الدخل وعدد أفراد الأسرة وطبيعة الاحتياجات الصحية.

ولهذا فإن تكلفة العلاج لا تكون واحدة لجميع المواطنين.

الدواء.. نفقات لا يمكن تأجيلها

يمثل الدواء أحد البنود المتكررة في الإنفاق الصحي، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي لديها أفراد يحتاجون إلى علاج مستمر.

وفي هذه الحالات لا تكون النفقات الصحية مرتبطة بحدث طارئ فقط، وإنما تتحول إلى مصروف دوري قد يستمر لفترات طويلة.

وهذا يجعل ارتفاع تكلفة العلاج أكثر تأثيرًا على ميزانية الأسر محدودة الدخل.

الأسر الأقل دخلًا تواجه ضغطًا أكبر

لا تتوزع النفقات الصحية بالتساوي بين شرائح المجتمع.

وتشير بيانات سابقة للبنك الدولي الواردة في التقرير إلى أن الأسر الواقعة في أدنى خُمس دخل كانت تنفق نحو 21% من دخلها على الصحة، مقابل 13.5% لدى الأسر في أعلى خُمس.

وتكشف هذه الأرقام عن تفاوت مهم في العبء المالي.

فالنفقات الصحية نفسها يمكن أن تكون أكثر وطأة على الأسرة منخفضة الدخل، لأنها تستحوذ على نسبة أكبر من مواردها.

متى يتحول المرض إلى أزمة مالية؟

لا يرتبط العبء المالي بسعر الخدمة الصحية وحده، وإنما بحجم ما تستنزفه النفقات الطبية من موارد الأسرة.

ولهذا تستخدم المؤسسات الدولية مفهوم الإنفاق الصحي الكارثي لقياس الحالات التي تصبح فيها المدفوعات الصحية المباشرة عبئًا كبيرًا على الأسرة.

وعندما ترتفع هذه النفقات بصورة كبيرة، قد تضطر الأسرة إلى تقليص الإنفاق على احتياجات أخرى أو البحث عن مصادر إضافية لتمويل العلاج.

وهنا يتحول المرض من مشكلة صحية إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية.

التأمين الصحي الشامل.. هل يخفف العبء؟

تستهدف منظومة التأمين الصحي الشامل تقليل اعتماد المواطنين على الدفع المباشر مقابل الخدمات الصحية، وتوفير حماية مالية أكبر للأسر.

ووفق الهدف الوارد في التقرير، يسعى برنامج التأمين الصحي الشامل إلى خفض الإنفاق الصحي من الجيب إلى أقل من 28% من إجمالي الإنفاق الصحي بحلول 2030 في المحافظات المستهدفة، مقارنة بخط أساس يقارب 60% في 2019/2020.

ويعني تحقيق هذا الهدف انتقال جزء أكبر من تكلفة الرعاية الصحية من المدفوعات المباشرة للأسر إلى آليات التمويل والتغطية الصحية.

بورسعيد.. تجربة لخفض الإنفاق المباشر

بحسب وزارة الصحة والسكان، انخفض معدل الإنفاق الشخصي على الصحة في بورسعيد بنسبة 47.9% خلال أول عام من تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل.

لكن هذا المؤشر لا يعني بالضرورة تكرار النتيجة نفسها في جميع المحافظات، إذ تختلف الظروف الاقتصادية والسكانية ومستويات الخدمات من منطقة إلى أخرى.

مع ذلك، تشير التجربة إلى إمكانية تأثير التغطية التأمينية في حجم ما تدفعه الأسر مباشرة للحصول على الرعاية الصحية.

مصر مقارنة بدول عربية

تظهر المقارنة الواردة في التقرير ارتفاع حصة الإنفاق الصحي من الجيب في مصر مقارنة بعدد من دول المنطقة.

ففي عام 2021 بلغت الحصة في مصر 59%، مقابل:

  • 42% في المغرب

  • 36% في الجزائر

  • 36% في تونس

  • 16% في السعودية

  • 12% في الإمارات

ولا تعني هذه المقارنة أن النظم الصحية في هذه الدول متطابقة، لكنها توضح اختلاف درجة اعتمادها على المدفوعات المباشرة للأسر.

زيادة الإنفاق الحكومي لا تكفي وحدها

ارتفاع الإنفاق الحكومي على الصحة يمكن أن يساعد في تقليل العبء المباشر على المواطنين، لكنه لا يمثل الحل الوحيد.

فالنتيجة تعتمد أيضًا على كفاءة الإنفاق، وتوافر الخدمات، والأدوية، واتساع نطاق التغطية التأمينية، وسهولة الوصول إلى مقدمي الرعاية الصحية.

ولهذا فإن تخفيف فاتورة العلاج يحتاج إلى الجمع بين زيادة الحماية المالية وتحسين جودة الخدمات الصحية.

الاختبار الحقيقي.. فاتورة الأسرة

بالنسبة إلى المواطن، لا يظهر نجاح النظام الصحي في الأرقام الرسمية فقط.

يظهر عندما يحتاج أحد أفراد الأسرة إلى طبيب أو فحص أو دواء أو عملية.

وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية:

عندما يصبح الوطن الاحتياطي مؤشرًا على أزمة الثقة في مصر (2-2)

كم ستدفع الأسرة من جيبها؟

هذا السؤال يختبر بصورة مباشرة مستوى الحماية المالية التي يوفرها النظام الصحي للمواطن.

من 57.2% إلى أقل من 28%

تمثل الفجوة بين النسبة الحالية والهدف المعلن أحد أبرز تحديات إصلاح تمويل الصحة في مصر.

فبينما بلغ الإنفاق الصحي من الجيب 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحي الجاري في 2023، يستهدف برنامج التأمين الصحي الشامل خفضه إلى أقل من 28% بحلول 2030 في نطاق المحافظات المستهدفة.

والتحدي لا يتعلق فقط بخفض النسبة، وإنما بتحقيق ذلك مع الحفاظ على جودة الخدمات وتوافرها وسهولة حصول المواطنين عليها.

الخلاصة

رغم التراجع التدريجي في حصة الإنفاق الصحي من جيوب الأسر، لا تزال المدفوعات المباشرة تمثل الجزء الأكبر من تمويل الإنفاق الصحي الجاري في مصر.

وتبقى منظومة التأمين الصحي الشامل أمام اختبار رئيسي: هل تستطيع تقليل ما تدفعه الأسرة من جيبها عند المرض، مع ضمان حصولها على خدمة صحية جيدة؟

شارك المقال: