مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات: يكتب إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (4)

كما كانت الصدفة هناك في سراييفو، كانت الصدفة أيضًا هنا في محطة قطارات طنطا، ليتأخر القطار، فيقرر الهلباوي عدم الانتظار؛ صدفة أيضًا، ولكنها كذلك حيلة عقلية.

مشاركة:
حجم الخط:

الصدفة… أم الاسم المستعار للأسباب الخفية؟

هل هي الصدفة حقًّا، أم أنه لا صدفة على الحقيقة؟

فيلجأ العقل إلى القول بها حين تغيب عنه أنساق الأحداث من مقدماتٍ وما يتلوها من نتائج.

هل قامت الحرب العالمية الأولى لمجرد مصادفة اغتيال ولي عهد النمسا، الأرشيدوق، مع زوجته على يد طالبٍ صربي؟

أم لأن سراييفو كانت مشتعلة بدعاوى القومية السلافية المناهضة للقومية الجرمانية، ثم بدعم القيصرية الروسية لتلك الدعاوى في مواجهة الأطماع الجرمانية التوسعية، ثم بصراع أقطاب الرأسمالية العالمية على المستعمرات ومخارج أزمات الركود الاقتصادي؟

كان الظاهر صدفة، ولكن وراء الصدفة الكثير والكثير من الأسباب المعلنة والمخفاة.

من رصاص سراييفو إلى محطة طنطا

وكما كانت الصدفة هناك في سراييفو، كانت الصدفة أيضًا هنا في محطة قطارات طنطا، ليتأخر القطار، فيقرر الهلباوي عدم الانتظار؛ صدفة أيضًا، ولكنها كذلك حيلة عقلية.

تصرف الهلباوي لم يكن نابعًا إلا من خلفية نفسية وفكرية وقائمة أولويات، كان البند الأول فيها تحقيق المصلحة والمنفعة الشخصية وفقط.

وعليه، فتستوي لديه المتناقضات كلها ما دامت المصلحة حاضرة.

فلعل دافع الهلباوي إلى التصدي للدفاع عن الفلاحين في البداية أنه شيخٌ للمحامين، فيتحتم عليه الظهور على ساحة الأحداث في قضية ملتهبة كتلك؛ الظهور وفقط.

والظهور سيحدث سواء دافع عن الفلاحين أو كان مدعيًا عموميًا لصالح الإنجليز. أم تراه الاحتراف والنظر في الأوراق ولا شيء غير ذلك؟ وعلامَ نستبق الأحداث؟

حادثة دانشوي التي ترافع فيها الهلباوي ضد الفلاحين المصريين
حادثة دانشوي التي ترافع فيها الهلباوي ضد الفلاحين المصريين

القطار المتأخر الذي لم يكن بريئًا

ينظر الهلباوي إلى وكيله ويأمره بحجز تذكرة إياب إلى القاهرة، ويردد لنفسه: “فلنرسل أحد المحامين العاملين في مكتبي، وهم بالعشرات، فحضور تحقيق لا يتطلب حضوري الشخصي.

ما زالت التحقيقات قائمة، والذهاب إلى البتانون أمر شاق وعسير.”

العرض الذي لم يكن سهل الرفض

ما إن يستقر الهلباوي بمكتبه في القاهرة حتى يُطلب إليه مقابلة مصطفى فهمي باشا بمقر رئاسة الوزراء.

يصارحه الباشا برغبة الإنجليز في أن يتولى الهلباوي دور المدعي العمومي ضد فلاحي دنشواي، وسيكون مقر المحكمة في مدينة شبين الكوم، لا في قرية البتانون بطرقها الترابية ومواصلاتها الشحيحة.

بحسبة موازين القوى والمصلحة، ومع اعتبار أن دولة الباشا، رئيس الوزراء، قد اختاره هو ولم يختر صهره سعد زغلول، كان في الأمر الكثير من مغازلة الغرور وإيقاظ الكيد القديم لغريمه اللدود.

بين الجماهير والسلطة… اختار الكفة الراجحة

قد عاهد الهلباوي نفسه، بعد انكسار ثورة عرابي، منذ زمن على عدم الانحياز للجماهير بعواطفها الفوارة التي تنتهي دائمًا إلى العدم.

فليقف حيث الكفة الراجحة؛ حيث المزيد من الشهرة والسطوة، ومنصب وزير حقانية، أو حتى رئيس وزراء، وليس ذلك ببعيد.

فالإنجليز لن ينسوا من وقف بجانبهم، والجماهير ستنسى عاجلًا أم آجلًا؛ مجرد شعارات وحيل.
يوافق الهلباوي، بل ويخفض أتعابه من خمسمائة إلى ثلاثمائة جنيه.

محكمة تبحث عن حكم لا عن عدالة

شُكِّلت محكمة مخصوصة بموجب مرسوم صادر عام 1895 يقضي بتشكيل مجالس عسكرية استثنائية لمحاكمة من يعتدي على جيش الإنجليز، ويحتم المرسوم على البوليس، عند تقديم المتهمين إلى القضاء، أن يختار محاميًا لإثبات التهمة، أي “مدعيًا عموميًا”.

المرافعة التي أغلقت أبواب النجاة

يترافع الهلباوي، ولأول مرة يطالب محامي الظروف المخففة بتطبيق أقصى عقوبة ممكنة.

يدعي الفلاحون أن الإنجليز جاءوا لصيد الحمام الذي يعد ملكية خاصة لهم، وأشعلوا النار في جرن القمح فضاع مجهود زراعته، ثم قُتلت “أم محمد”.

فضربوهم بالشوم، ففر الكابتن بول، وأصيب بضربة شمس مات على إثرها، بعد محاولات من الفلاحين أنفسهم لإسعافه وتقديم الماء له وهو يحتضر.

فأين الجريمة؟
وتزعم بعض الروايات أن الكابتن أخذ يعدو بضعة كيلومترات في أجواء شديدة الحرارة حتى سقط صريعًا بقرية سرسنا المجاورة لدنشواي.

يترافع الهلباوي ليصف الفلاحين بالعصابة الهمجية، ويطالب المحكمة بأن تحكم “بأشد عقوبة.

ليس فقط لمصلحة الروح التي ذهبت وأصابها من الآلام قبل إزهاقها ما أصابها، ولا لمصلحة الضباط الآخرين الذين جُرحوا، ولكن في مصلحة الشعب المصري”

وطالب القضاة “بأن يرفعوا من قلوبهم كل رحمة، وذلك للظروف السيئة التي وقعت فيها هذه الحادثة”

الفلاح الهمجي والضابط النبيل

أسدى الشكر للاحتلال وما يقدمه لمصر، فقد “حرر المصري، فترقى وعرف مبادئ الواجبات الاجتماعية والحقوق المدنية”

ثم قنن موقف الضباط الإنجليز، فهم قد “سلكوا مسلكًا شرعيًّا في كل شيء.

فأخطروا الجهات الإدارية بأنهم ذاهبون للصيد، ودلهم أهالي الناحية أنفسهم على دنشواي، وأخذوا الإذن بالصيد لهم من الأهالي”

يصف الهلباوي الميجور كوفين، الضابط الثاني الذي جُرح، بأنه

“الشهم الذي أقام ثلاثين شهرًا يحارب بشهامة، ويقابل المصاعب فينتصر من واقعة إلى أخرى، من بريتوريا إلى غيرها”

وأن هذا البطل قد سلم سلاحه

“راضيًا بالهزيمة أمام أولئك الفلاحين الهمج الذين لا يعرفون للشهامة معنى، أمام أناس كان يظن أن للشر حدودًا تنتهي عندها فخابت آماله، كما خابت آمالنا فيهم”

فاتهم الهلباوي الفلاحين بأنهم سلبوا ساعة الضابط، وأنهم ما اعتدوا عليه إلا بغرض السلب والنهب.

وكان دفاعه قائمًا على أن الضباط الإنجليز صادقون بالفطرة، أما الأهالي فكاذبون بالفطرة، “فلا غرابة إذا أخذنا بشهادتهم، وقد كانت كل كلمة من أقوالهم أمامكم في الجلسة شاهدة على أنهم نسوا كل شيء إلا العبودية للحقيقة”

“تعرفوا شغلكوا” كلمة تقود إلى المشنقة

ثم استخدم كل مهارته وبلاغته ليثبت توفر ركن “سبق الإصرار والترصد”، معتمدًا على واقعة أثبتها أحد الشهود، وهي أن “حسن محفوظ” أحد المتهمين قال للضابط: “موش لازم تصطادوا… وإلا تعرفوا شغلكوا”

ذلك أن نتيجة التعدي فسرت معنى عبارة “تعرفوا شغلكم” وأن خبر وصول الإنجليز كان معروفًا للفلاحين.

وهذا يعني أنهم خططوا للترصد بالجنود، وأن التعدي على الضباط لم يكن نتيجة لاستفزاز الموقف.

إن “أم محمد” لم تُصب برصاصة طائشة، وإنما أُصيبت نتيجة للصراع الذي وقع بين الضباط والفلاحين حول البندقية، فانطلقت الرصاصة وأصابتها، وليس من المعقول أن يترك الضابط الرجال ويطلق النار على امرأة.

أما ادعاء الفلاحين ملكيتهم الشخصية للحمام فباطل، لكونه يأكل من الأرزاق العامة ولا يقدم له أحد بعينه الطعام، فهو من الأموال المباحة.

أما حرق جرن القمح، فإن الفلاحين هم من أحدثوه عمدًا وألصقوه بالضباط ليبرروا الاعتداء عليهم.

ودلل على ذلك بأنه أجرى تجربة بإطلاق النار على الجرن فلم يشتعل التبن بفعل الرصاصة، وتفسير ذلك أن الفلاحين افتعلوا الأمر بأنفسهم لإخفاء دلائل سبق الإصرار.

ليختم الهلباوي مرافعته قائلًا: ” نحن أمام محكمة مخصوصة غير مقيدة بالقانون؛ لأن المشرع لاحظ أنه توجد بعض الحوادث الاستثنائية، وأن العقوبة يجب أن تكون على قدر هذه الحوادث.

وكل الشرائع تثبت أننا محقون في طلبنا، منها القانون الفرنسي والقانون الإنجليزي، وهذا يقضي بالإعدام دون أن يُشترط سبق الإصرار.

فلكم تطبيقه إذا فُرض ألا إصرار هناك، بل يمكنكم تطبيق قانون أي أمة تجدون فيه مصلحة الأمن العام، والشريعة الإسلامية والقانون الإنجليزي في هذا الموضوع يستويان، ولا يمكن لأحد أن يعترض لأن البلاد إسلامية”

هل خان الهلباوي بني وطنه أم خان نفسه؟

لم يترك الهلباوي، محامي الظروف المخففة، ثغرة تنفذ منها رقاب المساكين من حبل المشنقة.

هل تراه كان يقصد إعدامهم؟

أم كان يظن أن القضية سياسية في المقام الأول، وستنتهي بحل وانفراجة سياسية ما؟

أم تراها شهوة الحجاج والبلاغة أنسته أن ملامح أولئك القابعين وراء القضبان فيها الكثير من ملامحه وملامح أبيه؟

لقد شاهد هذا البؤس يومًا بعيدًا منحوتًا في وجوه إخوانه وأعمامه، وسمع هذا الأنين يومًا ترجعه أمه وأخواته.

وربما لم يكن الأمر كله إلا امتدادًا لذلك الاختيار الأول اختيار الوقوف إلى جوار القوة لا إلى جوار الحق.

فالإنسان لا يخون مبادئه دفعة واحدة، وإنما يتدرج في المساومة عليها حتى يأتي يوم يظن فيه أن ما يفعله مجرد اجتهاد مهني أو حساب عقلاني للمصالح.

أبعد من الصدفة… وأقرب إلى الاختيار

حينها لا يعود الفرق كبيرًا بين الصدفة والقرار؛ إذ تكون الصدفة قد أدت دورها وانسحبت، ويبقى الإنسان وحده مسؤولًا عن الطريق الذي اختار أن يسلكه.

فكما لم تُشعل رصاصة سراييفو الحرب العالمية وحدها، لم يؤخر قطار طنطا مصير الهلباوي وحده.

كانت هناك دائمًا أسباب أعمق تتحرك في الخفاء؛ طموح يتضخم، ومصلحة تترسخ، وسلطة تفتح أبوابها لمن يطرقها.

وما بدا للناس مصادفة لم يكن في الحقيقة إلا اللحظة التي ظهرت فيها نتائج اختيارات صُنعت قبل ذلك بسنوات طويلة.

شارك المقال: