محمد الغمري يكتب: من قصة الفيل إلى أزمة التفسير في الرد على يوسف زيدان
تبدو قضية يوسف زيدان مدخلاً مناسباً لمناقشة مشكلة أوسع من قصة الفيل نفسها: كيف نميز بين التفسير الذي يوسع معرفتنا بالتاريخ، والتفسير الذي يكتفي بإثارة الشكوك حول ما هو قائم؟

يوسف زيدان يفجر أزمة بتفسيره سورة الفيل
ماذا تضيف أطروحة يوسف زيدان إلى فهمنا للتاريخ؟
أثار حديث يوسف زيدان في برنامج «حديث العرب» جدلاً واسعاً حين أنكر الرواية المعروفة عن محاولة أبرهة هدم الكعبة، وذهب إلى أن سورة الفيل لا تتحدث عن هذه الحادثة أصلاً، بل تشير إلى وقائع أخرى تتعلق بالمكابيين والسلوقيين.
وكما يحدث غالباً في مثل هذه القضايا، انقسم النقاش سريعاً بين مؤيد يرى في الطرح قراءة تاريخية جريئة، ومعارض يعدّه مصادمة غير مبررة للموروث الإسلامي.
غير أن أهمية الجدل لا تكمن في الانحياز إلى أحد الطرفين بقدر ما تكمن في السؤال الذي يطرحه:
ماذا تضيف هذه القراءة الجديدة إلى فهمنا للتاريخ؟
وهل تكفي مراجعة الروايات المستقرة لإنتاج معرفة جديدة، أم أن القيمة المعرفية لأي تفسير تقاس بقدرته على تقديم فهم أعمق وأكثر اتساقاً للوقائع والنصوص والسياقات؟
ففي كثير من النقاشات العربية المعاصرة يجري الانتقال مباشرة من السؤال عن صحة الرواية إلى السؤال عن جرأة نقدها، وكأن مجرد التشكيك في السردية المستقرة يمثل إنجازاً معرفياً بحد ذاته.
لكن المعرفة لا تتقدم بالشك وحده، كما لا تتقدم بالتمسك بالموروث لمجرد أنه موروث، وإنما تتقدم بقدرة التفسير على فهم الوقائع والنصوص والسياقات فهماً أكثر اتساقاً وكفاءة.
ومن هنا تبدو قضية يوسف زيدان مدخلاً مناسباً لمناقشة مشكلة أوسع من قصة الفيل نفسها: كيف نميز بين التفسير الذي يوسع معرفتنا بالتاريخ، والتفسير الذي يكتفي بإثارة الشكوك حول ما هو قائم؟
من الحدث إلى التفسير
تقوم أطروحة زيدان على مجموعة فرضيات مترابطة:
أن أبرهة لم يهاجم مكة، وأن الرواية الإسلامية عن الحادثة متأخرة زمنياً، وأن سورة الفيل لا تتحدث عن مكة أصلاً، وأن المقصود بأصحاب الفيل هم أطراف أخرى مرتبطة بحروب المكابيين والسلوقيين.
وتبدو هذه الفرضيات للوهلة الأولى محاولة لإعادة قراءة حدث تاريخي، لكنها في جوهرها محاولة لإحلال نموذج تفسيري محل نموذج آخر.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي:
هل يملك التفسير البديل قدرة تفسيرية أعلى من التفسير الذي يسعى إلى استبداله؟
وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التمييز بين ثلاثة مستويات كثيراً ما يجري الخلط بينها:
الحدث التاريخي، والرواية التاريخية للحدث، والتفسير المقدم للرواية.
فإمكان مراجعة بعض تفاصيل الرواية لا يستلزم بالضرورة نفي وقوع الحدث نفسه، كما أن نقد تفسير معين لا يعني بطلان الأصل التاريخي الذي يحاول تفسيره.
إن الخلط بين هذه المستويات الثلاثة هو ما يجعل كثيراً من السجالات التاريخية تدور حول أسئلة مختلفة في الوقت نفسه، فيبدو نقد الرواية وكأنه نفي للحدث، ويبدو الدفاع عن الحدث وكأنه دفاع عن كل تفاصيل الرواية.
النص وما يفترضه من ذاكرة
أول ما يواجه أي تفسير بديل هو النص القرآني نفسه.
فسورة الفيل لا تقدم قصة مجهولة، بل تحيل إلى حدث يبدو معروفاً لدى المخاطبين:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.
فالقرآن لا يشرح الواقعة ولا يعرّف أصحابها، وإنما يتعامل معها بوصفها جزءاً من المعرفة المشتركة بين النص ومتلقيه الأول.
ومن هنا يبرز سؤال يصعب تجاوزه:
إذا كانت السورة تتحدث عن حروب المكابيين التي وقعت في فلسطين قبل الميلاد بقرون طويلة.
فكيف أصبحت هذه الواقعة معروفة بداهة لعرب مكة بحيث لا تحتاج إلى شرح أو تعريف؟
وليست الإشكالية في قِدم الحدث في ذاته، فالثقافات تحتفظ أحياناً بذكريات تمتد قروناً طويلة، وإنما في غياب أي مسار تاريخي معروف يفسر انتقال هذه الذاكرة إلى البيئة العربية المكية بالصيغة التي يفترضها التفسير البديل.
فالمشكلة لا تتعلق بإمكان الانتقال من حيث المبدأ، بل بغياب تفسير مقنع لكيفية حدوثه في هذه الحالة بالذات.
إن أي تفسير بديل لا يواجه النص وحده، بل يواجه أيضاً طبيعة العلاقة بين النص وذاكرة المجتمع الذي تلقاه أول مرة.
معضلة الثمانية قرون
ويزداد هذا السؤال أهمية عندما ننظر إلى البعد الزمني بين الوقائع المختلفة. فحروب المكابيين وقعت بين عامي 167 و160 قبل الميلاد تقريباً، أي قبل نزول القرآن بنحو ثمانية قرون.
أما حادثة أبرهة وفق الرواية الإسلامية التقليدية فتقع في حدود عام 570 للميلاد، أي قبل نزول السورة بأربعة أو خمسة عقود فقط.
وهذا الفارق الزمني ليس تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر حاسم في تقييم أي تفسير.
فالرواية التقليدية تفترض انتقال الحدث داخل ذاكرة جمعية لا يفصلها عن الواقعة سوى جيل أو جيلان، بينما يفترض التفسير البديل انتقال ذاكرة الحدث عبر ما يقرب من ثمانمائة عام وعبر عدة مجالات حضارية متعاقبة.
ولا تكمن المشكلة في إمكان انتقال الذاكرة عبر قرون طويلة، وإنما في غياب تفسير واضح للمسار الذي انتقلت عبره هذه الذاكرة.
فإذا كانت سورة الفيل تشير فعلاً إلى أحداث المكابيين، فإن التفسير البديل يصبح مطالباً ليس فقط بإثبات هذا الربط، بل أيضاً بتفسير الكيفية التي بقيت بها هذه الواقعة حية في الوعي العربي المكي طوال ثمانية قرون، ثم اختفى أثر هذا الفهم من جميع المصادر التفسيرية والتاريخية المبكرة.
وبعبارة أخرى، فإن الفرضية البديلة لا تفسر حدثاً واحداً، بل تصبح مطالبة بتفسير مسار كامل من انتقال الذاكرة التاريخية. وكلما ازداد طول هذا المسار وتعقدت حلقاته، ارتفع عبء الإثبات المطلوب لإثباته.
حين يصبح التفسير مطالباً بتفسير نفسه
بل إن السؤال الأعمق يظل قائماً:
لماذا المكابيون تحديداً؟
فما القرائن النصية أو التاريخية التي تجعل هذه الواقعة بالذات هي المقصودة في سورة الفيل؟
إن المشكلة هنا لا تتعلق فقط بضعف الأدلة المؤيدة للفرضية، بل بقدرتها التفسيرية الداخلية نفسها.
فكل تفسير جديد لا بد أن يفسر سبب اختياره لفرضية معينة دون غيرها. وإذا كان التفسير يحتاج إلى افتراضات إضافية كثيرة حتى يصبح قابلاً للتصديق، فإنه يصبح مطالباً بتفسير نفسه قبل أن يفسر الحدث الذي يتناوله.
وهنا يظهر الفارق بين نقض تفسير قائم وبين بناء تفسير بديل.
فالأول قد يبدأ بإثارة الأسئلة
أما الثاني فلا يكتمل إلا بتقديم إجابات أكثر قدرة على الفهم من الإجابات التي يسعى إلى تجاوزها.
عبء الإثبات والانتقائية المنهجية
وهنا نصل إلى الإشكال المنهجي الأهم.
فالتفسير البديل ينتقد الرواية التقليدية بسبب تأخر تدوينها أو محدودية بعض أدلتها، لكنه يطالب في الوقت نفسه بقبول تفسير يتطلب افتراضات إضافية أكثر تعقيداً.
فالمعيار الذي يُستخدم لنقد رواية ما ينبغي أن يُستخدم أيضاً لاختبار الرواية البديلة، وإلا تحول المنهج من أداة للتحقق إلى أداة لتأكيد النتيجة المرغوبة مسبقاً.
وتتصل بذلك قضية عبء الإثبات. ففي البحث التاريخي لا يتساوى التفسير المستقر مع التفسير الجديد من حيث المتطلبات البرهانية.
فكلما ازداد التفسير خروجاً على الفهم التاريخي السائد، ازداد العبء الواقع على صاحبه.
ولا يرتفع عبء الإثبات لأن التفسير جديد فحسب، بل لأن التفسير الجديد يضيف افتراضات ومسارات تفسيرية لم تكن مطلوبة في النموذج السابق.
وكلما ازدادت الافتراضات اللازمة لتماسك التفسير، ازدادت الحاجة إلى أدلة تبررها.
ولذلك لا يُقاس وزن الفرضية بحداثتها أو جرأتها، بل بنسبة ما تضيفه من قدرة تفسيرية مقارنة بما تضيفه من افتراضات جديدة.
ولذلك لا يكفي أن يبين الباحث وجود ثغرات أو أسئلة في الرواية التقليدية، بل يجب أن يثبت أن تفسيره البديل أكثر قدرة على تفسير الوقائع والنصوص والسياقات.
عندما تصبح الصدمة بديلاً عن التفسير
لكن القيمة الحقيقية لأطروحة زيدان لا تتوقف عند حدود صحتها أو خطئها، بل تمتد إلى السؤال الذي تفرضه على النقاش العام: كيف نحكم على التفسيرات الجديدة؟
يمكن ملاحظة اتجاه متزايد في بعض البيئات الثقافية المعاصرة إلى منح قيمة رمزية مرتفعة للقراءات التي تكسر المألوف، بصرف النظر عن مدى تفوقها التفسيري.
ولا يعني ذلك أن كل مراجعة للموروث تفتقر إلى القيمة المعرفية، بل إن المشكلة تظهر حين يصبح الاختلاف ذاته مصدراً للشرعية قبل اختبار القدرة التفسيرية للطرح الجديد.
وفي هذا السياق لم يعد السؤال المطروح دائماً: ما التفسير الأكثر قدرة على الفهم؟ بل أصبح أحياناً: ما التفسير الأكثر قدرة على كسر المألوف؟
وهنا لا تعود قيمة الفكرة مستمدة من قدرتها على تفسير الواقع، بل من قدرتها على إعلان القطيعة مع ما سبقها.
وعندما يحدث ذلك ينتقل مركز الثقل من إنتاج المعرفة إلى إنتاج التمايز الرمزي، فيصبح الاختلاف مطلوباً لذاته لا لقدرته على الفهم.
وعند هذه النقطة تتحول الصدمة من أثر جانبي للمعرفة إلى معيار ضمني للحكم عليها.
ما الذي تضيفه الأطروحة إلى فهمنا للتاريخ؟
إذا تجاوزنا الجدل المباشر حول قصة الفيل، فإن القيمة الحقيقية لأي أطروحة تاريخية لا تكمن في قدرتها على هدم تفسير قائم، بل في قدرتها على إنتاج تفسير أفضل.
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن أطروحة يوسف زيدان تطرح أسئلة مهمة حول طبيعة الرواية التاريخية وحدود الوثيقة ودور الذاكرة في تشكيل السرديات.
غير أن إثارة الأسئلة لا تكفي وحدها لتأسيس تفسير بديل.
فالقيمة الحقيقية للأطروحات المراجِعة ليست دائماً في صحة نتائجها، بل أحياناً في إعادة فتح الأسئلة التي استقرت طويلاً دون مراجعة.
وحتى عندما لا تنجح فرضية ما في تقديم تفسير بديل أكثر قوة، فقد تنجح في دفع الباحثين إلى إعادة فحص المسلمات وتحسين أدواتهم التفسيرية.
لكن التاريخ لا يتقدم لأننا نشك في الروايات، بل لأننا ننجح في بناء نماذج تفسيرية أكثر قدرة على فهم الوقائع التي نحاول تفسيرها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يوجه النقاش ليس: هل كانت الرواية التقليدية كاملة وخالية من الإشكالات؟
بل: هل قدمت الفرضية البديلة فهماً أكثر قدرة على تفسير النص والذاكرة والسياق التاريخي معاً؟
خاتمة: من الشك إلى المعرفة
إن المجتمعات لا تتقدم لأن رواياتها تبقى ثابتة، كما لا تتقدم لأن كل رواياتها تُهدم، بل لأنها تطور باستمرار نماذج تفسيرية أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم من حولها.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه الجدل حول قصة الفيل لا يتعلق بالماضي وحده، بل يتعلق بطبيعة المعرفة التاريخية نفسها:
هل تكفي القدرة على إثارة الشكوك لإنتاج تفسير جديد، أم أن المعرفة تبدأ فقط عندما يتحول الشك إلى فهم؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي يحدد الفرق بين التفكيك بوصفه خطوة في طريق المعرفة، والتفكيك بوصفه نهاية الطريق.
فالتاريخ لا يحتاج إلى روايات محصنة ضد النقد، كما لا يحتاج إلى نقد معفى من عبء البرهان، بل يحتاج إلى تفسيرات تزداد قوة بقدر ما تزداد قدرتها على الفهم.
وفي النهاية، لا تُحسم قيمة التفسير بجرأته على نقض ما قبله، وإنما بقدرته على أن يفسر أكثر مما يفسر سواه.






