لماذا لا تزال الساعة 60 دقيقة؟
يتكوّن نظام الوقت الحديث من 60 دقيقة و60 ثانية بسبب النظام العددي الستيني الذي ابتكره السومريون في بلاد ما بين النهرين قبل أكثر من خمسة آلاف عام، ثم طوّره البابليون واستخدموه في علم الفلك والحسابات الزمنية.

رغم التطور الهائل في التكنولوجيا ووسائل قياس الزمن، لا يزال العالم يعتمد نظاماً وُلد قبل آلاف السنين في حضارات العراق القديم.
فالساعة التي نستخدمها يومياً، والمقسّمة إلى 60 دقيقة، ليست نتاجاً حديثاً، بل إرثاً حضارياً يعود إلى السومريين والبابليين في بلاد ما بين النهرين.
هذا النظام القديم لم ينجُ فقط عبر العصور، بل أصبح جزءاً أساسياً من البنية العلمية والحياتية الحديثة، بدءاً من الساعات الذرية وحتى أنظمة الملاحة والإنترنت.
https://www.worldhistory.org/trans/ar/2-71/
السومريون.. البداية الأولى للنظام الستيني
بدأت القصة مع السومريين، الذين عاشوا في بلاد ما بين النهرين، أي العراق الحالي، قبل نحو 5300 عام.
وقد عُرفوا بكونهم من أوائل الشعوب التي أسست المدن وطورت أنظمة الكتابة والحساب.
واعتمد السومريون نظاماً عددياً قائماً على الرقم 60، بدلاً من النظام العشري المعتمد على الرقم 10.
ويرى باحثون أن اختيار الرقم 60 جاء بسبب سهولة تقسيمه إلى أعداد كثيرة مثل 2 و3 و4 و5 و6 و10 و12 و15 و20 و30،
وهو ما جعل العمليات الحسابية أكثر بساطة ودقة.
كما تشير بعض النظريات إلى أن السومريين استخدموا مفاصل الأصابع في العد، حيث يمكن لليد الواحدة أن تساعد في الوصول إلى الرقم 12،
بينما تسمح اليد الأخرى بعدّ خمس مجموعات، أي الوصول إلى الرقم 60.
https://mail.arab-ency.com.sy/archeology/details/166392
البابليون طوّروا النظام الزمني
لاحقاً، تبنّى البابليون النظام الستيني وطوّروه بشكل أوسع، خصوصاً في علم الفلك.
ومع تطور مراقبة حركة الشمس والكواكب، بدأوا تقسيم الزمن إلى وحدات أصغر وأكثر دقة.
وفي حدود الألفية الأولى قبل الميلاد، استخدم البابليون تقسيمات زمنية قريبة جداً من مفهوم الدقائق والثواني الحالي،
ليس لتنظيم الحياة اليومية، بل لإجراء الحسابات الفلكية الدقيقة.
ومن هنا، انتقل النظام تدريجياً إلى الحضارات اليونانية ثم الرومانية، قبل أن يصبح معياراً عالمياً استمر حتى العصر الحديث.
المصريون القدماء وتقسيم اليوم إلى 24 ساعة
في المقابل، لعب المصريون القدماء دوراً محورياً في تقسيم اليوم إلى 24 ساعة.
فقد اعتمدوا تقسيم الليل والنهار إلى 12 جزءاً لكل منهما، مستندين إلى مراقبة النجوم وحركة السماء.
كما استخدم المصريون المزولات الشمسية والساعات المائية لقياس الوقت، وهو ما ساعد لاحقاً على ترسيخ مفهوم الساعات اليومية.
ومع امتزاج العلوم المصرية والبابلية خلال العصر الهلنستي، تشكّل النظام الزمني المعروف حالياً.
لماذا فشل التوقيت العشري في فرنسا؟
في أواخر القرن الثامن عشر، حاولت فرنسا الثورية تغيير هذا النظام التاريخي، فاعتمدت نظاماً عشرياً يقسّم اليوم إلى 10 ساعات،
وكل ساعة إلى 100 دقيقة.
ورغم أن المشروع كان يهدف إلى “عقلنة” الوقت، فإنه واجه مشكلات كبيرة، أبرزها صعوبة تعديل الساعات ورفض المجتمع للنظام الجديد.
وبعد 17 شهراً فقط، تخلّت فرنسا عن التجربة، بينما استمر النظام الستيني القديم في السيطرة على العالم.
من الساعات القديمة إلى الساعات الذرية
اليوم، يعتمد العالم على الساعات الذرية فائقة الدقة، والتي تقيس الزمن اعتماداً على ذرات السيزيوم-133.
ومع ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا الحديثة تستخدم التقسيم القديم نفسه: 60 ثانية في الدقيقة و60 دقيقة في الساعة.
وهكذا، يمكن القول إن قراراً اتخذته حضارات العراق القديم قبل آلاف السنين ما زال ينظم حياة البشر حتى اللحظة.
رابط المقال المختصر:





