على الأفريقي يكتب:أيامنا الحلوة مش حلوة أوي (2) الرسائل الطائرة
كانت عملية شديدة الصعوبة تختلف عن الرسائل العادية حيث لا تتم من خلال صندوق البريد خوفا من وقوع الخطاب في يد شخص اخر.

صورة تعبيرية للمقال
واتس الشرفات
لا تردين الرسايل.. وش اسوي بالورق؟، وكل معنى للمحبة ذاب فيها واحترق.
كلمات اغنية شهيرة للمطرب “محمد عبده” كانت تثير شجوننا في زمن الرسائل الورقية قبل اندثارها مع اقتحام الواتس والماسينجر والايميل لحياتنا.
كان لكتابة الرسائل طقوس خاصة اذ نجلس في مكان هادئ بالبيت ونحضر الورق والاقلام والاظرف والطوابع ونكتب بخط انيق.
ثم نطوي الرسالة بعناية ونضعها في الظرف ونغلقه ونلصق عليه طابع البريد بعد ان نكتب عنوان المرسل اليه ثم نضعها في اقرب صندوق بريد.
وبعدها ننتظر الرد ايام وربما اسابيع.
واذا كانت الرسالة رومانسية موجهة الي حبيب فهنا يصل الاهتمام الي ذروته حيث نستخدم اوراقا ملونة وقد نرش عليها عطر او نضع وردة صغيرة مع الخطاب.
ثم نصب مشاعرنا الرومانسية الحالمة والتي نضمنها بعض كلمات اغنية عاطفية او اشعار واحيانا نستعين بصديق له خط جميل لكتابتها.
ثم نرسل الرسالة وننتظر الرد بلهفة وشوق وقلق.
لكن رغم ذكرياتنا الحلوة مع الرسائل الورقية الا انها لم تكن حلوة أوي حيث كنا نعاني في ارسال الخطابات العاطفية خوفا من وقوعها في يد شخص اخر.
لذا كان الارسال اشبه بعملية التهريب له حيله المتعددة اما عن طريق صديق او صديقة مشتركة وموثوقة للطرفين او طفل صغير لا يثير الشك او وضعها بين دفتي كتاب او كشكول المحاضرات الخاص بالمحبوب.
اما اذا لم يكن كل هذا متاحا تبدا الطريقة الاصعب والاخطر حيث نتاكد اولا من وجود المحبوبة في بيتها عن طريق اطلاق نغمة الصفارة المتفق عليها.
تطل من الشرفة كعلامة علي ان الوضع امن، بعدها تبدا عملية المراقبة للتأكد من عدم تواجد أحد في الشرفات والشارع من الجيران، او العيون الفضولية.
ثم نبدا في لف الرسالة باحكام حول حجر صغير
ويأتي الجزء الصعب، وهو قذف الرسالة في شرفة المحبوبة، بعد تقدير المسافة وزاوية الرمي.
وكانت تحتاج إلى مهارة في التصويب ودقة في القذف حتى لا ترتطم بزجاج الباب فتحطمه وتلفت الانتباه، او تسقط في شرفة أخرى فينكشف الامر.
اما إذا كانت المحبوبة تسكن في العمارة المقابلة، كانت المهمة اسهل، وكذلك اذا كانت تسكن في الطابق الاخير، حيث يمكن الصعود إلى سطح منزلها واسقاط الرسالة مباشرة في البلكونة.
وفي كل الحالات تخرج المحبوبة مسرعة وتلتقط الرسالة في الخفاء وتعود بها الي الداخل دون ان ينتبه احد.
والحقيقة رغم كل هذه الصعوبات والمخاطر التي كنا نعانيها في ارسال الرسائل واستقبالها، مقارنة بعصرنا الحالي، الذي تصل فيه الرسالة في ثوانٍ عبر الواتساب أو الماسنجر فإن مشاعرنا وقتها كانت أصدق وأعمق، وأحاسيسنا أجمل.
وكان لانتظار الرد طعم خاص حيث حرارة الشوق ولهفة الحنين
لأن وصول الرسالة كان يحتاج الى جهد، واستلام الرد يستغرق وقتا طويلا، وهو ما يمنح الرسائل قيمة أكبر، ويجعل كلماتها مشحونة بالعاطفة والمشاعر الصادقة النابعة من القلب.
ولعل اصدق من عبر عن ذلك هو العندليب عبدالحليم حافظ في اغنية جواب:
“وفي عز الليل باكتب لك نور عيني روح قلبي.. قلبي اللي بيكتب لك وهو اللي بيبعت لك”
وهذا يوضح ويلخص لنا الفرق الكبير بين الرسائل الورقية وما تحمله من مشاعر حقيقية وبين رسائل اليوم الالكترونية التي فقدت فيها الكلمات قيمتها، وأصبحت معظمها مزيفة خادعة والمشاعر مصطنعة ومبتذلة.





