أحمد علام يكتب: من الاجتهاد بالنص إلى الانقلاب على مقتضى الشورى (1-3)
يجوز الاجتهاد في فهم النص.ويجوز الاجتهاد في تحقيق مناطه: هل شروط الحكم متحققة في هذه الواقعة أم لا؟ ويجوز الاجتهاد في الوسائل والمصالح التي لم يحدد النص لها صورة ملزمة.

صورة تعبيرية عن المقال
كيف مهّدت» صدمة الفتنة «للانتقال من الخلافة إلى الملك؟
تتناول هذه المقالات الثلاث سؤالًا يتجاوز الخلاف التاريخي حول أشخاص بعينهم:
ما حدود الاجتهاد السياسي بعد اكتمال الوحي، ومتى يظل الاجتهاد حركةً من داخل النص، ومتى يتحول إلى إعادة تشكيل لمقتضى النص تحت ضغط الواقع والمصلحة والسلطة؟
تكشف تجربة الخلفاء الراشدين ( رضي الله عنهم أجمعين) أن اختلافهم الواسع في السياسة والفقه والإدارة لم يكن خروجًا من المرجعية، بل كان في الغالب اجتهادًا في فهم النص، أو تحقيق مناطه، أو اختيار الوسيلة والمصلحة فيما تركه النص مفتوحًا للتدبير البشري.
لكن الفتنة التي بدأت بمقتل عثمان بن عفان ، ثم النزاع على القصاص والبيعة، وما أعقبها من حروب وانقسامات، وضعت هذا النموذج أمام اختبار مختلف انتهى إلى تحول عميق في بنية السلطة نفسها.
أحمد علام يكتب: لا تنظروا إلى الأعلى انظروا إلى (ترامب) البيت الأبيض
لذلك تسير هذه السلسلة في ثلاث حلقات مترابطة:
تبدأ بتحديد حدود الاجتهاد وموقع الشورى والقصاص منها.
ثم تنتقل إلى منازعة الشرعية وصدمة الفتنة وتنازل الحسن بن علي.
وتنتهي بالسؤال الأهم: كيف تحولت التسوية الاستثنائية إلى نظام، وكيف تغير اتجاه الشرعية من أمة تنتج الحاكم بالشورى إلى حاكم يحدد وريثه ثم يطلب من الأمة أن تبايعه؟
(1)
الاجتهاد بالنص
أين تنتهي مساحة العقل وتبدأ حدود الشورى؟
لم تكن وفاة سيدنا محمد ﷺ مجرد انتقال للقيادة من شخص إلى آخر، بل كانت لحظة معرفية وسياسية فاصلة. فقد اكتمل الوحي، وانقطع التصحيح النبوي المباشر، بينما لم تتوقف الحياة عن إنتاج وقائع وأسئلة لم تقع من قبل.
ومن هنا بدأت التجربة الكبرى لاجتهاد الصحابة: كيف يعمل العقل بعد اكتمال النص؟ وما الذي يجوز له أن يغيره، وما الذي يقف عنده؟
تكشف تجربة الخلفاء الراشدين ( رضي الله عنهم أجمعين ) أن الاجتهاد لم يكن عندهم نقيضًا للنص، ولا وسيلة لتعطيله باسم الواقع أو المصلحة، بل كان ـ في نموذجه العام ـ حركة من داخل المرجعية:
اتباعًا للنص حين يكون مباشرًا، وفهمًا لدلالته حين تحتاج إلى تفسير،
وتحقيقًا لمناطه حين يتوقف تنزيل الحكم على معرفة شروط الواقعة، واجتهادًا في الوسائل والمصالح حين يترك النص المجال مفتوحًا للتدبير البشري.
فأبو بكر الصديق جمع القرآن في صحف مع أن النبي ﷺ لم يجمعه في مصحف واحد بهذه الصورة. والجديد هنا لم يزاحم النص، بل كان وسيلة لحفظه.
وعمر بن الخطاب أنشأ الدواوين، ونظم العطاء والجند والخراج، وأبقى أرض السواد بأيدي زارعيها بدل تقسيمها على الفاتحين؛ لأن النص لم يحدد شكلًا إداريًا ملزمًا للدولة.
وعثمان بن عفان وحد المصاحف عندما أصبح اختلاف الأمصار خطرًا على وحدة المرجعية، وأضاف نداءً سابقًا للجمعة حين اتسعت المدينة وكثر الناس؛ فالمقصد ثابت، أما الوسيلة فمتغيرة.
وعلي بن أبي طالب جعل الكوفة مركزًا لحكمه عندما تغير مركز الثقل السياسي والعسكري؛ فالمدينة لم تفقد مكانتها الدينية، لكن النص لم يجعلها عاصمة سياسية أبدية.
تغيرت الوسائل، لكن المرجعية لم تتغير.
وهنا يقع الحد الفاصل.
الاجتهاد بالنص… لا الاجتهاد على النص
ليس كل ما لم يفعله النبي ﷺ ممنوعًا، وإلا استحال نمو المجتمع والدولة بعده. لكن ليست كل مصلحة يراها الحاكم مبررًا شرعيًا أيضًا، وإلا أصبحت المصلحة نفسها مرجعية أعلى من النص.
يجوز الاجتهاد في فهم النص.
ويجوز الاجتهاد في تحقيق مناطه: هل شروط الحكم متحققة في هذه الواقعة أم لا؟
ويجوز الاجتهاد في الوسائل والمصالح التي لم يحدد النص لها صورة ملزمة.
لكن السؤال الأصعب يبدأ حين يمس الاجتهاد الأصل الذي يحكم المجال نفسه.
وهذا يتضح في مسألة السلطة.
فالقرآن لم يحدد عدد أعضاء مجلس الشورى، ولا طريقة الترشيح، ولا شكل التصويت، ولا مدة اختيار الحاكم. لكنه قرر أصلًا سابقًا على كل هذه التفاصيل:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
فالآية صريحة في أصل الشورى، وإن لم تقدم دستورًا تفصيليًا لاختيار الخليفة.
أما دلالة هذا الأصل على إنشاء السلطة فتتضح أكثر من فهم الصحابة وتطبيقهم العملي له.
فقد حذر عمر بن الخطاب من أن يبايع رجل رجلًا من غير مشورة المسلمين.
وهنا يتكون الدليل من ثلاث طبقات:
النص: الأمر شورى بينهم.
فهم الجيل الراشدي: لا تنشأ البيعة بعيدًا عن مشورة المسلمين.
الممارسة: تعددت آليات تولية الخلفاء، لكنها لم تتحول إلى ملكية عائلية.
اختلفت الأدوات لأن الأدوات مجال للاجتهاد، لكن أحدًا من الراشدين لم يتعامل مع «الأمر» باعتباره مالًا سياسيًا يملكه ثم ينقله إلى ولده.
وهنا تبدأ المشكلة التي ظهرت بعد مقتل الخليفة الثالث.
من القصاص إلى الشرعية السياسية
قُتل عثمان مظلومًا، وحق أوليائه في المطالبة بالقصاص أصل ثابت:
﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾.
لكن القصاص في الإسلام ليس ثأرًا قبليًا مفتوحًا كما كان في الجاهلية.
بين القتل وتنفيذ القصاص توجد منظومة كاملة:
يجب تعيين الجاني.
وإثبات الجريمة عليه.
والتمييز بين المباشر والمحرض والمشارك ومن لم تثبت مسؤوليته.
ثم يطالب صاحب الحق، وهو ولي الدم، بحقه.
ويحكم القضاء بعد ثبوت الجريمة وتعيين المسؤول عنها.
ثم تتولى السلطة تنفيذ الحكم.
أي إن القصاص نقل الدم من دائرة الثأر الشخصي والقبلي الجاهلي إلى دائرة الحق المنظم بالقضاء والسلطة.
وكانت جريمة قتل عثمان بالغة التعقيد؛ فلم تكن واقعة فردية واضحة الفاعل، بل جاءت بعد حصار واضطراب شاركت فيه جماعات، واختلط المحاصر بالمقتحم والمحرض بالمباشر، في لحظة كانت فيها سلطة الدولة نفسها تتداعى.
ومن هنا كان منطق الخليفة علي بن أبي طالب: تستقر السلطة أولًا، ثم يأتي أصحاب الحق إلى القضاء، ويحدد المتهمون، وتثبت الجرائم، ويصدر الحكم.
لكن أهل الشام جعلوا التمكن من قتلة عثمان شرطًا للدخول في البيعة، بحسب ما ينقله القرطبي. وهنا حدث قلب لترتيب الشرع نفسه: تحولت المطالبة بحق قضائي إلى شرط سابق للاعتراف بالسلطة التي لا يمكن تنفيذ القصاص أصلًا من دونها.
فأصبح الترتيب:
القصاص أولًا ثم الاعتراف بالسلطة.
بينما النظام الشرعي يفترض:
سلطة مستقرة – ثم قضاء- ثم إثبات- ثم حكم- ثم تنفيذ.
وهنا تظهر المفارقة:
جُعل القصاص شرطًا سابقًا للاعتراف بالسلطة، مع أن القصاص نفسه لا يمكن أن يتحول من مطالبة إلى حكم نافذ إلا من خلال سلطة وقضاء مستقرين.
أي إن الشرط المطلوب لتحقيق القصاص كان هو نفسه ما كان رفض البيعة يمنع اكتماله.
ومن هنا لم تعد القضية فقط:
من قتل عثمان؟
بل أصبحت:
من يملك السلطة التي ستقرر ذلك؟
وهنا انتقلت قضية قضائية إلى مجال الشرعية السياسية.
وهكذا لم يعد الخلاف بعد مقتل عثمان بن عفان مجرد خلاف في حكم القصاص، بل أصبح خلافًا في من يملك السلطة التي تقيم القصاص أصلًا.
فحين يتحول مطلب قضائي مشروع إلى شرط سابق للاعتراف بالخليفة، تتجاوز القضية حدود الفقه الجنائي إلى بنية الشرعية السياسية نفسها.
لكن هذا التحول لم يبقَ نزاعًا نظريًا بين موقفين؛ فقد انتقل إلى الحرب، وسالت بسببه دماء واسعة بين المسلمين، وبدأ المجتمع كله يدفع ثمن النزاع على الشرعية.
وهنا يبدأ السؤال الذي تتناوله المقالة الثانية:
كيف تحول مطلب القصاص من قضية قضائية إلى أساس لمنازعة الخليفة، وكيف أنتج الاقتتال الطويل ما يمكن أن نسميه «صدمة الفتنة» التي غيرت أولويات المجتمع ومهدت لتسوية الحسن بن علي ؟






