كاتب وكتاب
عزت إبراهيم
عزت إبراهيم

الكاتب الصحفي بالأهرام

عزت إبراهيم يقرأ كتاب: كل حروب الرؤساء (1-2)

يعرض الناشر الكتاب باعتباره تاريخا للحرب على الإرهاب عبر هذه الإدارات الأربع، مع اهتمام خاص بالقرارات الرئاسية ونتائجها المقصودة وغير المقصودة.

مشاركة:
حجم الخط:

الكاتب الصحفي بالأهرام ورئيس تحرير الأهرام ويكلي يقدم قراءة في أحدث الكتب في أمريكا على صفحته على فيس بوك.

ونحن تقديرا منا له ولجهده ولقيمة ما يقدمه لرواد صفحته ننشر قراءته لهذه الكتب، فشكرا له على ما يقدمه.

آخر الكلام

الحروب التي لم تفهمها أمريكا

قراءة في كتاب بيتر بيرجن All the Presidents’ Wars: Twenty-Five Years of America’s War on Terror

يصدر هذا الكتاب في منتصف سبتمبر المقبل

يصعب قراءة كتاب بيتر بيرجن الجديد بوصفه مجرد تاريخ آخر للحرب الأمريكية على الإرهاب.

فبعد خمسة وعشرين عاما على هجمات 11 سبتمبر، لم تعد المشكلة الأساسية نقص الوقائع.

تراكمت آلاف الكتب والتقارير والمذكرات والتحقيقات عن أفغانستان والعراق والقاعدة وتنظيم الدولة والطائرات المسيرة وعمليات القوات الخاصة ومقتل أسامة بن لادن وانهيار كابول. تكمن قيمة All the Presidents’ Wars في سؤال أكثر صعوبة:

كيف استطاعت دولة تملك من القوة العسكرية والاستخباراتية والمالية ما لم تملكه قوة أخرى في التاريخ الحديث أن تكسب معظم معاركها التكتيكية، ثم تخرج من ربع قرن من الحرب بسجل استراتيجي شديد الالتباس؟

لا يبحث بيرجن أساسا عن أخطاء الجنرالات في ساحات القتال، وإنما يصعد إلى المستوى الذي سبقت فيه السياسة الرصاصة:

البيت الأبيض، ومجلس الأمن القومي، والدوائر الضيقة التي حددت ماهية الحرب قبل أن تحدد كيف تخاض.

يمتد الكتاب عبر أربع رئاسات وسبع ولايات رئاسية، من جورج دبليو بوش إلى باراك أوباما، ثم دونالد ترامب وجو بايدن.

ويمنح هذا الامتداد العمل قوته الأساسية، لأن بيرجن يرفض الحكاية الحزبية المريحة التي تلقي إخفاقات ربع القرن على رئيس واحد أو حزب واحد.

اختلف الرجال الأربعة في المزاج والخطاب والفلسفة السياسية، واختلفت كذلك أدواتهم:

أرسل بوش الجيوش لإسقاط أنظمة وإعادة بناء دول، فضّل أوباما الطائرات المسيرة والقوات الخاصة والشراكات المحلية.

أراد ترامب إنهاء «الحروب التي لا تنتهي» وهو في الوقت نفسه أكثر استعدادا لاستخدام القوة بصورة خاطفة، ثم ورث بايدن اتفاق الانسحاب من أفغانستان ونفذه بالطريقة التي انتهت بصور مطار كابول في أغسطس 2021.

عزت إبراهيم يقرأ: معركة السيد اليساري الذي هز أمريكا

ومع كل هذا الاختلاف، يعثر بيرجن على خيط واحد:

حاول كل رئيس، في لحظة حاسمة، أن يجعل الحرب تتوافق مع تصوره السياسي عنها بدلا من أن يجعل سياسته تتوافق مع طبيعة الحرب القائمة بالفعل.

ويعرض الناشر الكتاب باعتباره تاريخا للحرب على الإرهاب عبر هذه الإدارات الأربع، مع اهتمام خاص بالقرارات الرئاسية ونتائجها المقصودة وغير المقصودة.

يستعير بيرجن مفتاحه الفكري من كلاوزفيتز:

أول واجبات رجل الدولة والقائد أن يعرف أي نوع من الحرب يخوض. تبدو العبارة بديهية إلى حد الخداع، إلا أنها تتحول في صفحات الكتاب إلى لائحة اتهام للاستراتيجية الأمريكية بعد 11 سبتمبر.

لم يكن العجز الأمريكي عجزا عن تدمير الأهداف أو إسقاط الحكومات أو قتل قادة التنظيمات المسلحة. ظهر العجز عندما وجب تحويل تلك النجاحات إلى أوضاع سياسية مستقرة.

امتلكت واشنطن إجابات تفصيلية عن سؤال: كيف نضرب؟

وتعثر جوابها كلما انتقلت إلى أسئلة من نوع: ماذا نريد بعد الضربة؟ ومن يحكم؟ وما النظام السياسي الممكن؟

وما مقدار القوة الذي يجب استخدامه؟ وإلى متى؟ وما العلاقة بين القضاء على شبكة إرهابية وبين إعادة تشكيل مجتمع كامل؟

يمثل جورج دبليو بوش الحالة الأوضح. بدأت الحرب في أفغانستان بهدف مفهوم نسبيا:

تفكيك القاعدة وحرمانها من ملاذها الذي أتاح لها التخطيط لهجمات 11 سبتمبر.

سرعان ما تمدد الهدف.

انتقلت الإدارة من مطاردة تنظيم إرهابي إلى إعادة تشكيل أفغانستان، ثم نقلت مركز الثقل إلى العراق، حيث لم يعد الربط بين الحرب الجديدة والحدث الذي أطلق «الحرب على الإرهاب» قابلا للاستمرار من دون سلسلة من الافتراضات الأيديولوجية والاستخباراتية.

يتتبع بيرجن قرار تحويل الموارد والانتباه من أفغانستان إلى العراق، ثم القرارات التي اتخذتها سلطة الاحتلال، وفي صدارتها اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي، باعتبارها لحظات لم تؤد فقط إلى سوء إدارة ما بعد الغزو، وإنما ساهمت في خلق البيئة التي تكاثرت داخلها المقاومة المسلحة والقاعدة في العراق، ومنها خرج لاحقا تنظيم الدولة.

لا يكرر بيرجن التفسير السهل الذي يصور إدارة بوش وكأنها لم تفهم شيئا بينما جاءت إدارة أوباما لتصحح كل شيء.

تعلم أوباما بالفعل كثيرا من العراق.

ضاق بنشر الجيوش الكبيرة وبمشروعات بناء الدول، واختار نموذجا يخفف البصمة الأمريكية: استخبارات أدق، قوات عمليات خاصة، طائرات مسيرة، وقوات محلية تتولى الجزء الأكبر من القتال.

وكانت عملية أبوت آباد التي قتلت أسامة بن لادن التعبير الأكثر درامية عن هذه الطريقة.

تمنح خبرة بيرجن هنا الكتاب قيمة إضافية

فقد كان من الصحفيين القلائل الذين أجروا مقابلة مع بن لادن قبل 11 سبتمبر، وأمضى عقودا في متابعة القاعدة، وكتب لاحقا عن عملية مطاردته وقتله.

ويستخدم في الكتاب معرفته المباشرة بالموضوع لتفنيد روايات مضللة انتشرت حول العملية.

يستعرض الكتاب مساواة القدرة على قتل الإرهابيين بامتلاك استراتيجية سياسية.

فقد أصبح الاغتيال الدقيق في عهد أوباما بديلا جذابا عن السؤال الأصعب المتعلق بما يحدث بعده.

تستطيع الطائرة المسيرة إزالة قائد من الشبكة، ولا تستطيع بناء شرعية سياسية. تستطيع القوات الخاصة تعطيل تنظيم، ولا تستطيع تسوية حرب أهلية.

وفي أفغانستان، يرى بيرجن أن إدارة أوباما أضاعت فرصا كان يمكن استكشافها للتفاوض مع طالبان عندما كانت موازين القوى أكثر ملاءمة مما أصبحت عليه لاحقا.

هنا تكشف المفارقة عن نفسها: جاء أوباما إلى الحكم راغبا في تقليص حرب بوش، فحوّل الحرب الشاملة إلى حرب أخف وأقل ظهورا، من دون أن يحل التناقض السياسي الذي أبقاها مستمرة.

ويتضح أحد أفضل أوجه الكتاب عندما يقارن بيرجن هذه الحقبة بما حدث في الحرب ضد تنظيم الدولة.

فلم تكن كل التجربة الأمريكية سلسلة متصلة من الفشل. تطور نموذج يجمع القوة الجوية الأمريكية والعمليات الخاصة والاستخبارات مع شركاء محليين يتحملون العبء الرئيسي على الأرض.

وقد استمرت عناصر أساسية من هذا النهج من إدارة أوباما إلى إدارة ترامب، على الرغم من العداء السياسي العميق بينهما.

ويساعد هذا المثال بيرجن على تجنب إغراء الكتابة بأثر رجعي وكأن كل قرار أمريكي كان محكوما بالفشل منذ البداية.

تعلمت المؤسسات، وتكيفت، وابتكرت أنماطا أكثر اقتصادا في استخدام القوة. وتؤكد المادة التعريفية للكتاب اهتمامه تحديدا بتطور العمليات الخاصة والطائرات المسيرة وقوات الشركاء المحليين ضمن التحول في ممارسة مكافحة الإرهاب الأمريكية.

المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك 

 

شارك المقال: