سامح غنيم يكتب : الهيمنه الأحاديه في مهب الريح
مشهد لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الأوحد القادر على فرض قواعد اللعبة كما فعلت منذ نهاية الحرب الباردة

صورة تعبيرية للمقال
زلزال الجغرافيا السياسية التاريخي يكشف للعالم أن موازين القوة القديمة لم تعد تعمل بالكفاءة ذاتها
كيف كشفت حرب إيران وغزة تصدّع الهيمنة الأمريكية وتحوّل أوروبا ضد إسرائيل؟
في لحظة تبدو أقرب إلى التحولات الكبرى التي يعاد فيها رسم النظام الدولي، تتزاحم الأحداث من الشرق الأوسط إلى أوروبا ، و من موسكو و بكين إلى واشنطن و تل أبيب ، لتكشف عن مشهد عالمي شديد الاضطراب.
مشهد لم تعد فيه الولايات المتحدة اللاعب الأوحد القادر على فرض قواعد اللعبة كما فعلت منذ نهاية الحرب الباردة.
لم تعد فيه إسرائيل تتمتع بالإجماع الغربي الذي طالما شكّل أحد أعمدة قوتها السياسية و الأخلاقية.
الهروب
أوروبا تنتفض ضد إسرائيل و أمريكا تتوسل
نعم، تلك بالفعل هي حقبه تاريخيه تتقاطع فيها الحرب في غزة ، و التصعيد مع إيران ، و التحركات الروسية الصيني، مع التحول المتنامي في المزاج الأوروبي تجاه إسرائيل ، ضمن لحظة دولية قد تؤسس فعلاً لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب.
أولاً : أسطول الصمود … اللحظة التي صدمت الضمير الأوروبي
ينطلق التحليل من حادثة “أسطول الصمود العالمي” و هي قافلة بحرية تضم ناشطين أوروبيين و دوليين حاولوا الوصول إلى غزة عبر البحر لكسر الحصار و إيصال المساعدات الإنسانية.
و بحسب الرواية المتداولة، فإن سلطات الكيان الإسرائيلي اعترضت القافلة في المياه الدولية قرب قبرص قبل وصولها إلى المياه الإقليمية لغزة، و اعتقلت المشاركين فيها.
لكن ما حوّل الحادثة من واقعة أمنية عابرة إلى أزمة سياسية أوروبية واسعة ، كان الطريقة التي جرى بها التعامل مع النشطاء، إضافة إلى نشر وزير الأمن القومي للكيان الإسرائيلي بنغفير مقاطع و صور اعتُبرت مهينة و مسيئة للمعتقلين.

لماذا أثارت الحادثة أوروبا بهذا الشكل؟
يرى التحليل أن القضية تجاوزت البعد الإنساني إلى ثلاثة مستويات أكثر حساسية :
1. البعد القانوني
أوروبا تنظر إلى البحر المتوسط باعتباره فضاءً تاريخياً مشتركاً ، و تشكل قوانين الملاحة وحرية البحار جزءاً راسخاً من الثقافة القانونية الأوروبية، لذلك فإن اعتراض سفينة مدنية في المياه الدولية يُنظر إليه بوصفه انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي.
2. البعد التاريخي والأخلاقي
أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية بنت هويتها السياسية الحديثة تحرص كل الحرص على فكرة “عدم تكرار الفاشية و النازية”
و عندما يشاهد الأوروبيون ناشطين من دولهم يتعرضون للإذلال أو العنف ، فإن ذلك يعيد إلى الذاكرة الجماعية صور القمع التاريخي التي لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الأوروبي.
3. البعد القيمي و الديني
رغم الدعم التاريخي الغربي لإسرائيل ، فإن قطاعات واسعة من المسيحيين الأوروبيين تنطلق من مفاهيم أخلاقية مرتبطة بالرحمة و العدالة و حقوق الإنسان.
لذلك فإن صور التعامل العنيف مع ناشطين يحملون مساعدات لغزة أحدثت صدمة أخلاقية حتى داخل البيئات المحافظة.
سامح غنيم يكتب: يهود يثرب يبحثون عن العوده
سامح غنيم يكتب: من خان من في معركة طهران؟
إسرائيل وأزمة الشرعية داخل المجتمع الأوروبي
الأخطر في المشهد ليس ردود الفعل الدبلوماسية المؤقتة ، بل التآكل البطيء لصورة إسرائيل داخل المجتمعات الأوروبية ، فعلى مدى عقود، استندت إسرائيل إلى ثلاثة عناصر أساسية :
– الشعور الأوروبي بالذنب التاريخي بعد الهولوكوست.
– التحالف السياسي و الأمني مع الغرب.
– الصورة الأخلاقية المرتبطة بـمزاعم ”الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
لكن الحرب الحالية ، و ما رافقها من صور دمار واسع في غزة ، إضافة إلى التصريحات المتشددة لبعض الوزراء الإسرائيليين ، أدت إلى تصدع هذه الصورة تدريجياً.
في السنوات الأخيرة ، بدأت دول أوروبية مثل بلجيكا وإيرلندا و إسبانيا تتخذ مواقف أكثر حدة تجاه السياسات الإسرائيلية ، بينما أصبح الرأي العام الأوروبي أكثر تعاطفاً مع الفلسطينيين مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقدين فقط.
ثانياً : روسيا تدخل معادلة الردع النووي
الجزء الأخطر في الرواية يتمثل في الحديث عن تسريبات من لقاء جمع الرئيس الروسي بالرئيس الصيني في بكين، تتعلق بأي احتمال لاستخدام السلاح النووي ضد إيران.
و رغم عدم وجود تأكيد رسمي لهذه التسريبات، فإنها تعكس حقيقة مهمة :
روسيا و الصين تنظران إلى أي انهيار كامل لإيران باعتباره تهديداً مباشراً للتوازن الدولي.
لماذا تمثل إيران أهمية استراتيجية لموسكو وبكين؟
بالنسبة لروسيا :
– إيران شريك عسكري و سياسي مهم في مواجهة النفوذ الأمريكي.
– سقوط النظام الإيراني قد يفتح المجال لتوسع غربي أكبر قرب الحدود الروسية.
– موسكو تعتبر أن نجاح واشنطن في إسقاط خصومها سيضعف قدرتها الردعية عالمياً.
• بالنسبة للصين:
– إيران عقدة أساسية في مشروع “الحزام والطريق”.
– الصين تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
– بكين ترى أن الفوضى الكبرى في الشرق الأوسط تهدد الاقتصاد العالمي وسلاسل التجارة.
صواريخ كينجال ورسائل الردع
هناك تسريبات عن تحركات روسية شملت :
– مناورات نووية مشتركة مع بيلا روسيا.
– نشر طائرات ميج-31 المسلحة بصواريخ “كينجال” فرط الصوتية.
هي رسائل ردع مباشرة للغرب حيث أن صاروخ كينجال يعد من أبرز الأسلحة الروسية الحديثة، إذ تصفه موسكو بأنه قادر على اختراق أنظمة الدفاع الجوي الغربية بسبب سرعته العالية و قدرته على المناورة.
هذه التحركات لا تعني بالضرورة اقتراب حرب نووية ، لكنها تدخل ضمن ما يسمى في العلاقات الدولية بـ”ردع الخصم عبر رفع كلفة التصعيد”

هل تراجعت واشنطن فعلاً؟
يرى الطرح أن الولايات المتحدة بدأت تميل إلى تخفيف التصعيد و السعي إلى تسوية سياسية مع إيران ، مع الانقسام الداخلي الأمريكي الحاد ، خاصة مع تنامي المخاوف من :
– اتساع الحرب إقليمياً و لاسيما مع إستمرار الحرب الأوكرانية.
– تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
– ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.
– تورط أمريكي مباشر في حرب طويلة ومكلفة.
و في هذا السياق ، تظهر فكرة “إعلان النوايا” كمحاولة لخلق إطار سياسي يفتح الباب أمام التهدئة، حتى لو لم يصل إلى اتفاق شامل ونهائي.
إيران والملف النووي : هاجس الغرب الأكبر
من أبرز ما جاء من قراءة الداخل الإيراني هو احتمال تغير العقيدة النووية الإيرانية مستقبلاً..
فعلى مدى سنوات، استند الموقف الإيراني الرسمي إلى فتوى المرشد الإيراني علي خامنئي التي تحرّم إنتاج السلاح النووي.
لكن تصاعد التهديدات و الضغوط العسكرية قد يدفع تيارات داخل إيران إلى إعادة النظر في هذا الموقف، خصوصاً إذا شعرت بأن امتلاك السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة لردع أي هجوم خارجي.
هنا تكمن المعضلة الكبرى ، لأن واشنطن تخشى إيران النووية ، وتعلم تمام العلم بأن الضغوط القصوى ربما تدفع طهران إلى الاقتراب أكثر من الخيار النووي.
من القطب الأوحد إلى العالم متعدد الأقطاب
الفكرة المركزية في هذا الطرح تتمثل في أن العالم يعيش نهاية مرحلة “الهيمنة الأمريكية المطلقة”
فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تمتعت الولايات المتحدة لعقود بوضع القطب الأوحد القادر على التدخل العسكري عالمياً، و فرض العقوبات، و التحكم بالنظام المالي الدولي، و قيادة التحالفات الغربية دون منافس حقيقي ، لكن المشهد الحالي يبدو مختلفاً حيث :
-أصبحت الصين قوة اقتصادية عالمية تنافس واشنطن.
– استعادت روسيا جزءاً من نفوذها العسكري و الاستراتيجي.
– التكتلات الجديدة مثل “بريكس” بدأت تسعى لتقليل الاعتماد على الدولار.
– دول إقليمية كالسعودية و تركيا و الهند باتت تتبع سياسات أكثر استقلالية.

أوروبا بين أمريكا و إسرائيل … و مصالحها الخاصة
الحرب الحالية كشفت أيضاً عن مأزق أوروبي متزايد، فأوروبا تعتمد أمنياً على المظلة الأمريكية بالفعل عبر حلف الناتو، لكنها تتحمل بشكل أكبر إقتصادياً و سياسياً آثار الحروب و التوترات.
كما تواجه ضغوطاً شعبيه داخليه متزايده بسبب غزة و حقوق الإنسان ، ولذلك تبدو بعض العواصم الأوروبية اليوم أقرب إلى محاولة خلق توازن دقيق يحافظ على :
– عدم الصدام الكامل مع واشنطن.
– وفي الوقت نفسه ، عدم منح إسرائيل دعماً غير مشروط كما في السابق.
الخلاصة : عالم جديد يولد وسط الفوضى
سواء اتفقنا مع هذا الطرح أو اختلفنا معه ، فإن الرسالة الأساسية تبدو واضحة :
بأن العالم يمر بمرحلة انتقالية شديدة الخطورة ، حيث تتراجع قدرة قوة واحدة على التحكم بالمشهد الدولي منفردة.
بينما تتقدم قوى أخرى لفرض توازنات جديدة ، و قد تكون واحدة من اللحظات التي يُعاد فيها تعريف شكل القوة، و حدود النفوذ، ومعنى الهيمنة في القرن الحادي والعشرين.
و أن الحرب في غزة لم تعد مجرد حرب محلية ، بل أصبحت نقطة تقاطع لمشاريع دولية كبرى:
– صراع على النفوذ العالمي.
– إعادة تشكيل التحالفات.
– اختبار لقوة الردع النووي.
– وتحول عميق في الرأي العام الغربي تجاه إسرائيل.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية ، لا تكون المعارك عسكرية فقط ، بل معارك تخص الشرعية و الصورة و الوعي أيضاً.
و ربما لهذا السبب تحديداً ، يبدو أن أخطر ما تخشاه القوى الكبرى اليوم ليس فقط الصواريخ أو الجيوش ، بل فقدان السيطرة على شكل العالم القادم.






