رواية علي محمد علي الراعي (8)
في كل مرة يأتي فيها "أبو الفضل بيه"، كان يلمح التفصيلة نفسها، نعجة بعينها، ممتلئة أكثر من غيرها، قريبة… أكثر مما ينبغي، مرة يجدها عند باب البيت، ومرة داخل البيت قريبة من الفراش، ومرة.. أقرب من ذلك

صورية تعبيرية من وحي الرواية
” هو و النعجة”
كان عبدون قد صار شابًا، الجسد اشتدّ، والنظرة لم تعد نظرة صبي، لكن في عمقها بقي شيء قديم لم يتبدل، شيء يتعلم ولا يناقش.
في كل مرة يأتي فيها “أبو الفضل بيه”، كان يلمح التفصيلة نفسها، نعجة بعينها، ممتلئة أكثر من غيرها، قريبة… أكثر مما ينبغي، مرة يجدها عند باب البيت، ومرة داخل البيت قريبة من الفراش، ومرة.. أقرب من ذلك، كأنها لم تعد تنتمي إلى القطيع بقدر ما تنتمي إلى عبدون نفسه.
لاحظ أيضًا ما لا يُقال، أن يد عبدون تمتد لها قبل غيرها، أن عينيه تتوقفان عندها أكثر، أن نصيبها من العلف يزيد قليلًا، زيادة لا تُرى بسهولة.. لكنها لا تخفى على من تعوّد أن يرى كل شيء.
لم يعلّق في البداية.
وفي زيارة، أطول من غيرها، أخرج “أبو الفضل بيه” من جيبه سيجارًا كوبيًا، أسود، لامعًا، تفوح منه رائحة نفاذة، حادة، كأنها تُعلن نفسها قبل أن تُشعل، أمسكه بهدوء، لكن يده لم تكن ثابتة كما اعتادها عبدون.
ارتعشت، ارتعاشة خفيفة، لكنها واضحة.
ومن خبرته الطويلة مع الرجل، عرف عبدون أن شيئًا ما يُطبخ، أن الكلام لم يأتِ بعد… لكنه قادم، فأطرق رأسه، نظر إلى الأرض مباشرة، وضع نفسه في هيئة السمع والطاعة، لا يسأل، لا يسبق، فقط ينتظر.
أشعل “أبو الفضل بيه” السيجار، سحب نفسًا طويلًا، ترك الدخان يخرج ببطء، كأنه يهيئ الجو للكلمة، ثم قال، دون أن ينظر إليه:
أتعرف يا عبدون… كيف يُصنع هذا السيجار في بلده ؟
قال عبدون، بصوت منخفض: لا.
ابتسم الرجل، ابتسامة لم تصل إلى عينيه، وقال: يقولون… إنهم يلفّونه على أفخاذ العذارى هناك… أفخاذهن الناعمة… يمرّ عليها التبغ، ثم يُباع لنا هنا.
توقّف لحظة… ثم قهقه قهقهة قصيرة، جافة: شُفت؟ عرفت بقى هم قد إيه رخيصات؟ يُصنع على أفخاذهن… وإحنا نحرقه، وننفثه في الهوا… ولا كأن له قيمة.
هزّ عبدون رأسه، كما تعوّد، تصديق بلا تفكير، موافقة بلا سؤال.
لكن اليد… عادت ترتعش، أكثر من قبل.
والدخان صار أثقل، يخرج من أنف “أبو الفضل بيه” بكثافة، كأن شيئًا يغلي داخله، لا الدخان وحده، ثم قال فجأة، بنبرة تغيّرت، أكثر حدة، وأعمق: دعني أخبرك بشيء خطر ببالي الآن… توقف لحظة، ثم نطقها، كأنها تُلقى:
قال رسولنا الكريم :”من أتى بهيمةً… فاقتلوه… واقتلوها معه”
تجمّد الهواء.
لم تتحرك الصحراء… لكن وجه عبدون تغيّر، لا كثيرًا، فقط بالقدر الذي لا يُخفى، نظر إلى الأرض أكثر، كأنه يحاول أن يختبئ داخلها.
قال “أبو الفضل بيه”، وهو ينظر إليه أخيرًا: شايف… قد إيه الفعلة دي كبيرة عند الله ورسوله؟
سكت عبدون لحظة، ثم خرج صوته، أهدأ مما ينبغي، لكنه حقيقي متقطع: وما ذنب البهيمة؟
سؤال صغير… لكنه لم يكن بسيطًا، نظر إليه الرجل، نظرة قصيرة، باردة، ثم قال:
أصبح مكروهًا أكل لحمها، قالها… كأنها كافية، ثم انصرف.
تركه، كما يترك من ألقى حجرًا في ماء ساكن، ومضى دون أن يرى الدوائر التي تتسع، ظلّ عبدون مكانه، لم يتحرك، لم يرفع رأسه.
لم يعد الامر كما كان من قبل
لكن شيئًا داخله لم يعد ساكنًا، الكلمات لم تمرّ، بل استقرت، ثقيلة، كأنها وضعت يده على شيء لم يكن يريد أن يُسمّى، وفي الأيام التالية… لم يعد يقترب كما كان، والنعجة… لم تعد في مكانها.
وحين جاء “أبو الفضل بيه” في المرة التالية، وسأله عنها، رفع عبدون عينه، للحظة واحدة فقط، ثم قال: ماتت… ودفنتها، لم يشرح، ولم يُسأل، لكن أبو الفضل ردد: خيرًا فعلت.
لكن الأرض… كانت تحتفظ بما هو أكثر من جثة.





