إبداع
علي محمد علي
علي محمد علي

كاتب وروائي

رواية علي محمد علي: الراعي (18)

سكت لحظة، ثم قال: لسه بحاول. الصمت الذي تلا الجملة كان ثقيلًا، ليس لأنه لا يعرف، بل لأنه لم يعد يسألها.وفي طريق العودة فعلها، فجأة، بلا مقدمات، أمسك يده

مشاركة:
حجم الخط:

ظل ينظر إليها، ثم قال بهدوء شديد: وما الفرق بين سامي… وعبدون؟

هنا تغيّرت ملامحها قليلًا، لمعة جدية حقيقية ظهرت: الفرق صار كبير جدًا، أكبر مما تتخيل… لأن الإنسان… يعيش مرة واحدة… والغريب… إن المرة دي محدودة… بأجل… زي لعبة.

سكتت لحظة، ثم أكملت

وهي تضغط أكثر: وإحنا بنضيّعها، في قيود… ممكن تكون وهم

قال عبدون، بنبرة لا تخلو من اختبار: إذن… نترك أنفسنا لأهوائها… نفعل ما نريد، وما يحلو لها ، دون نظام وضوابط؟

هزّت رأسها، ببطء: ليس كذلك تمامًا… لكن لماذا نحرم أنفسنا من أشياء نشتهيها؟ هذا ليس تحكمًا… ولا سيطرة… هذا تعذيب… فوق التعذيب.

ثم سكتت لحظة، أطول من اللازم قبل أن تضيف، بصوت أخفض، أقل ثقة: ورغم كل ذلك… لا يوجد ضمان… أننا سنحصل على ما وُعدنا به، سقطت الجملة بينهما… ثقيلة.

رواية علي محمد علي: الراعي (17)

رواية علي محمد علي : الراعي (16)

صمت.

لكن الصمت هذه المرة لم يكن مريحًا، عبدون لم يرد فورًا، لم يغلق الباب كما كان يفعل، بل ظل ينظر إليها،يفكر، وكأن كلماتها لم تصطدم به، بل دخلت، وجلست في مكان ما داخله.

أما أمل فقد شعرت لأول مرة أن صوتها لم يكن قويًا كما ظنت، وأن ما قالت لم يكن فقط محاولة لإقناعه، بل كان، بشكل خفي سؤالًا لنفسها.

في تلك اللحظة تحديدًا

لم يكن واضحًا من منهما يحاول إقناع الآخر، ومن منهما بدأ يقتنع، نظر عبدون إليها هذه المرة بنفاد صبر لم يعتده، وقال بصوتٍ واضح:

قلتي إنك ستعرفيني على ناس حقيقيين أين هم؟ أنا من يوم ما جيت هنا وأنا محبوس.

لم تنفعل أمل، بل مالت قليلًا إلى الخلف، وكأنها تتأمل سؤاله قبل أن تجيب، ثم قالت بهدوء: ليس قبل أن تكون مؤهلًا

تجمدت ملامحه لحظة: مؤهلًا! .. لماذا؟

قالت وهي تنظر إليه بثبات: للتعامل مع الناس بمنطقهم، بطريقتهم، وليس بطريقتك.

ضاق صدره قليلًا وقال: وما مشكلة طريقتي؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها شيء من الشفقة وشيء من التحدي: يا رجل، الناس ليسوا كالقطيع كل واحد منهم قائد، أو قل راعٍ مثلك تمامًا.
سكتت لحظة، ثم مالت نحوه قليلًا، وكأنها تلقي بسهم أخير: أتعرف يا عبدون… لماذا خرج آدم من الجنة؟

أجاب فورًا، كأن الإجابة محفورة فيه: نعم… بسبب الغواية.

هزّت رأسها ببطء، واقتربت أكثر، صوتها صار أخفض، أعمق: لا يا عزيزي… لأنه بشر… وليس ملاكًا.

توقفت الكلمات عند هذه النقطة

لكنها لم تتوقف داخله، رفع عبدون يده فجأة، وأمسك رأسه، كأن الفكرة أثقل مما يحتمل، كأن شيئًا ما بداخله بدأ يتحرك، ليس رفضًا، ولا قبولًا، بل اضطرابًا حقيقيًا,

اقتربت أمل أكثر هذه المرة بلا حواجز، بلا حسابات واضحة، انحنت قليلًا نحوه، حتى كاد أن يشعر بأنفاسها، ثم همست في أذنه، بصوتٍ لا يُسمع، بل يُحس: سامي… سامي… أنا محتاجالك.

تصلّب جسده للحظة.

الاسم لم يكن مجرد اسم، كان بابًا فتح فجأة.

لم يرد، لكن أنفاسه تغيّرت، وعيناه لم تعودا كما كانتا، وفي تلك اللحظة لم يكن الصراع بينهما فقط، بل داخل عبدون نفسه.

بين من كان،ومن يُنادى باسمه الآن، تصلّب جسد عبدون للحظةن وكأن الاسم الذي همست به أمل لم يكن مجرد صوت، بل مفتاحًا قديمًا فتح بابًا لم يُغلق جيدًا.

“سامي”… الاسم الذي ظن أنه دفنه في الرمال، عاد فجأة، حيًا، نابضًا، يطرق داخله بعنف، لم يبتعد، وهنا… كانت أمل ترى.

لم تكن هذه المرة تجربة باردة، ولا ملاحظة تُكتب.

كانت أقرب، أقرب مما ينبغي، حتى كادت المسافة بينهما تختفي، أنفاسها تلامس وجهه، وصوتها، الذي كان يومًا حادًا ومسيطرًا، صار لينًا، دافئًا، يحمل رجاءً لم تعترف به لنفسها بعد.

قالت، بصوت يكاد يُكسر: سامي . . أحضني . . لم يرفع يده ليمنعها، لم يبتعد كما فعل من قبل، بل ظل ثابتًا، وهذا الثبات كان الانهيار.

رفع عينه إليها، نظرة مختلفة

ليست نظرة الراعي، ولا نظرة التلميذ، بل نظرة رجلٍ وجد نفسه فجأة بين طريقين، ولم يختر.

 ترك قدميه تسيران، اقتربت أكثر،  وهذه المرة لم يغطِّها، لم يبحث عن ملاءة، لم يبحث عن عذر، بل ترك المسافة تسقط كما تسقط ورقة جافة من شجرة، بلا مقاومة، حضنها.

امتدت اللحظة… ثقيلة… ممتلئة… لا تحتاج إلى كلمات، وفي تلك اللحظة، لم يكن هناك صحراء، ولا قطيع، ولا قواعد، ولا دروس.

كان هناك فقط جسدان، وصراع طويل انتهى دون إعلان.

سقطت الحدود، بهدوء، بلا ضجيج، وكأنها لم تكن موجودة من البداية.

وبعد… لم يتحرك عبدون فورًا، جلس، صامتًا، ينظر إلى الفراغ، لا إليها، كأن شيئًا ما انكسر، أو ربما انفتح.

أما أمل فكانت تراقبه، لكن هذه المرة بلا دفتر، بلا قلم، لأن ما حدث لم يعد تجربة.

لم ينظر عبدون إلى الأرض هذه المرة

لم يبحث عن مهرب، ولا عن تفسير، بل نظر إليها، نظرة امتلأت بشيء لم يعرفه من قبل.

ثم قال بصوت هادئ، لكنه ممتلئ: لا ندم، فقد عشت، وجربت ما لم أجربه، لقد كنت مغفلًا، أنتِ يا أمل جنتي الحقيقية.

ابتسمت أمل… ابتسامة لم تكن مجرد رضا، بل انفتاح كامل

كأن أنثى بداخلها استيقظت بعد طول سبات، ابتسامة تحمل امتنان الأرض العطشى حين يلامسها المطر لأول مرة، مطر لا يمرّ… بل يغمر، يتسلل في الشقوق، يملأ الفراغات، ويعيد تشكيلها من جديد.

نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بهدوء، وكأنها تعود للحياة الواقعية لحظة: سأبدأ من الغد أستخرج لك أوراقًا رسمية.

هزّ رأسه، بابتسامة خفيفة، أقرب إلى الاكتفاء: لم تعد تفيد… أنتِ هويتي… وكل أوراقي.

سكتت لحظة، كأنها تستوعب ما قال، ثم اقتربت، أمسكت بيده، لا كمن يقوده… بل كمن يعلن امتلاكه، وسحبته من الغرفة.

نزلا معًا، عبرا السلم، حتى دخلا شقتها الواسعة، حيث الضوء مختلف، والهواء مختلف.
وكل شيء… يبدو مهيأ لبداية أخرى، توقفت في منتصف المكان، استدارت إليه، وقالت بابتسامة تحمل إعلانًا صريحًا: هذا مكانك… يا سلطاني الجديد.

نظر حوله… لم يكن المكان هو ما يراهن بل نفسه، في صورة لم يعرفها من قبل، اقتربت منه.

واللحظة… لم تحتج كلمات، كان اندفاعًا صامتًا، لقاءً بين جوعين التقيا أخيرًا، بين قوة لم تُختبر، ورغبة لم تُروَ، كأن الصحراء كلها تحركت داخله، وكأنها… كانت تنتظر هذا المطر منذ زمن.

وامتد الليل

لا يُقاس بالوقت، بل بما يحدث فيه، بما يُكسر ويُبنى، بما يُفقد ويُكتسب، حتى صار المكان شاهدًا على بداية جديدة، لا تشبه ما قبلها.

لم تستيقظ أمل في الصباح كما اعتادت، لم يكن في جسدها إرهاق بقدر ما كان في ذهنها شيء أثقل، شيء لم تستطع أن تصنفه.

لم تذهب إلى أوراقها مباشرة، لم تفتح دفترها، كأنها تعلم أن الكلمات هذه المرة لن تطيعها، نظرت إلى عبدون، كان هادئًا، ساكنًا، وكأن ما حدث لم يزحزح فيه شيئًا، وهذا تحديدًا… ما أقلقها.

قالت، وهي تحاول أن تعود إلى نبرتها القديمة: يبدو أنك حسمت أمرك بسرعة.

 نظر إليها، دون دفاع: أنا لم أكن أرفض، أنا فقط لم أكن أعرف.

ابتسمت، ابتسامة خفيفة، فيها شيء من النصر: والآن عرفت؟

قال ببساطة: عرفت أني أستطيع أن أعيش… هنا… معك.

سكتت.

كان يجب أن تشعر بالرضا، لكنها لم تشعر، اقتربت منه، جلست أمامه، نظرت في عينيه، كأنها تبحث عن شيء محدد: عبدون… أو سامي… أيهما أنت الآن؟

لم يتردد هذه المرة: أنا الذي أمامك.

أجابته كانت سهلة، سهلة أكثر مما ينبغي.

وهنا، شعرت بشيء غريب، قالت، بنبرة أخف، لكنها تحمل فضولًا حقيقيًا: طيب قولي… لو لم أكن أنا؟ هل كنت ستفعل ذلك مع غيري؟

سؤال بسيط،لكنه لم يكن بريئًا.

نظر إليها عبدون لحظة، ثم قال: لا أعرف.
لم يعجبها الرد، ليس لأنه رفضهان بل لأنه لم “يخصّها”

تحركت في مكانها، لأول مرة يظهر اضطراب خفيف في حركتها، ثم قالت: أنا لم أفعل هذا… لأي أحد.

قال بهدوء: وأنا أيضًا.

لكن الفرق… كان واضحًا، هي كانت تنتظر اعترافًا، وهو كان يقرر.

قامت، تحركت في الغرفة، كأنها تستعيد السيطرة، قالت بصوت أقرب للجدية: من اليوم… سنبدأ بشكل مختلف… سنخرج… سترى الناس… العالم… وسنرى ماذا ستفعل.

قال: لكني…؟

نظرت إليه، وقالت بثقة: ستتعلم، ثم أضافت، وكأنها تعلن انتصارها: بطريقتي.

لكنها، وهي تدير ظهرها له، توقفت لحظة

سؤال صغير، مرّ في داخلها، كهمس: “أنا علّمته؟ ولا أنا بدأت أحتاجه؟

لم ينتظر عبدون كثيرًا، في اليوم التالي، لم يسألها إلى أين سيذهبان، ولم يبدُ عليه حماس الخروج كما توقعت، كان هادئًا… أكثر من اللازم، وكأن شيئًا داخله استقر فجأة، أو حُسم.

وقفت أمل أمامه، تراقبه، تحاول أن تقرأه كما اعتادت، لكن ملامحه هذه المرة لم تعطِها شيئًا، لا مقاومة، ولا انصياع، قالت: هننزل النهارده تشوف الناس، تبدأ.

هزّ رأسه: تمام.

الكلمة كانت سهلة أكثر مما ينبغي، خرجا.

الشارع مزدحم، أصوات، وجوه، حركة لا تتوقف، كل شيء كان يجب أن يربكه، لكنه لم يرتبك، كان يمشي بجانبها، لا يتشبث بها، ولا يبتعد، عيناه تتحركان ببطء، تلتقطان التفاصيل، كراعٍ دخل أرضًا جديدة، لا ليضيع، بل ليفهم.

لاحظت، سجلتن لكن في ذهنها فقط، توقف فجأة، أمام بائع بسيط، نظر إليه لحظة، ثم أخرج من جيبه بعض المال، أعطاه للرجل، دون مساومة، دون حديث طويل.

سألته أمل، بنبرة فيها فضول: بتعمل إيه؟

قال بهدوء: باختبر.

رفعت حاجبها: بتختبر إيه؟

قال: الناس.

تحرك مرة أخرى، كأن الإجابة كافية، لكنها لم تكن كافية لها.

في مكان آخر، اقترب منه طفل صغير، مدّ يده، يطلب، قبل أن تتدخل أمل، كان عبدون قد انحنى قليلًا، نظر للطفل في عينه، نظرة طويلة، ثابتة، ثم وضع في يده شيئًا، ولم يبتسم، ولم يربت عليه، فقط تركه ومضى.

قالت أمل، هذه المرة بحدة خفيفة: أنت كده بتشجّعهم.

نظر إليها، وقال ببساطة: وأنا عملت إيه؟

سكتت، بعدها بدقائق، جلسا في مكان هادئ، بعيد نسبيًا عن الزحام، كانت أمل تراقبه، لكن هذه المرة كأنها تحاول أن تلحق به، لا أن تسبقه.

قالت: شايف إيه؟
قال: كل واحد فيهم ماشي وراء حاجة.
قالت: طبيعي.
قال: مش كلهم عارفين هي إيه.

نظرت إليه، ثم قالت، وكأنها تحاول استعادة أرضها: وأنت؟ عرفت؟

سكت لحظة، ثم قال: لسه بحاول.

الصمت الذي تلا الجملة

 كان ثقيلًا، ليس لأنه لا يعرف، بل لأنه لم يعد يسألها.

وفي طريق العودة فعلها، فجأة، بلا مقدمات، أمسك يدها، لكن ليس كما فعلت هي… لم يكن احتواء، ولا شهوة كان تثبيتًا، كأنه يقول: “أنا هنا”… لا “أنا لكِ”

توقفت أمل لحظة، نظرت إلى يده، ثم إليه، الإحساس هذه المرة مختلف، ليس سيطرة، ليس تجربة، ليس حتى رغبة خالصة، إنما كان حضورًا زائدًا.

وصلا، قبل أن تنزل من السيارة، قال بهدوء: “أنا هاجي معاكِ… بس مش هكون زي ما إنتِ عايزة.

نظرت إليه، ولأول مرة لم تجد ردًا جاهزًا، نزل، تركها لحظة خلفه، ثم مشى.

وفي تلك اللحظة

أمل لم تكن متأكدة: هل خرجت به إلى العالم…أم هو… بدأ يخرج منها؟

لم تنتظر أمل كثيرًا، فالهدوء الذي رأته في عبدون لم يطمئنها بل استفزها، شعرت أن ترك الأمور تسير بهذا البطء سيجعله يفلت من يدها دون أن تشعر، أو ربما يبتعد عنها وهي تظن أنها ما زالت تمسك به، لذلك قررت أن تُسرّع كل شيء دفعة واحدة، بلا تمهيد، بلا تدرج، وكأنها تختبره أو تختبر نفسها.

في صباح اليوم التالي دخلت عليه دون استئذان

لم تكن تحمل هدوءها المعتاد، بل طاقة حاسمة قاطعة، وقالت مباشرة: البس… إحنا خارجين.

نظر إليها وسأل: إلى أين؟

فأجابته وهي تتحرك في الغرفة كأنها تملكها: هتعرف بس المرة دي بجد، مش فرجة من بعيد.
لم يسأل كثيرًا، وهنا كانت أول إشارة أخطأت أمل في قراءتها، ظنت أنه بدأ ينصاع، بينما كان هو فقط يقرر في صمت.

شارك المقال: