د. محمود عبد اللطيف يكتب: حينما يصبح الجهل “ترندا”
هناك هيئات يفترض بها أن تراجع الأداء وتضع شروطاً حاسمة لمن يعتلي الشاشة ومن تتم استضافته. أين معايير الكفاءة العلمية والمهنية

صورة تعبيرية للمقال
فوضى الفضائيات المصرية
على امتداد خريطة القنوات المصرية، تتابع العين مشهداً عبثياً تختلط فيه الأوراق وتنعدم المعايير:
مذيع لم يدرس الإعلام يقدم برنامجاً سياسياً
وضيف لا يملك أي مؤهل علمي يصرخ محللاً لقضايا الدولة
وآخر لم يلعب كرة في حياته يوزع اتهامات الغدر والخيانة على نجوم الرياضة.
إنها حالة من العشوائية الممنهجة التي حولت الشاشات إلى ساحات للفوضى الفكرية
وجعلت شعار “زيادة المشاهدات” هو الغاية الوحيدة التي تبرر أي وسيلة، ولو على حساب وعي المشاهد وأمن المجتمع.
بذور يابانية في أرض غير ممهدة.. هل يزدهر التعليم بالمناهج فقط؟
محمود عبد اللطيف يكتب: فشل الدبلوماسية يعيد خلط أوراق القوة
المشكلة ليست في وجود أخطاء مهنية عابرة
بل في تحول الخطأ إلى قاعدة، وتحول الاستثناء النادر – الذي رحمه الله – إلى مجرد تأكيد على حجم الكارثة.
فمعظم مقدمي البرامج الحوارية اليوم لا يمتلكون أدنى خلفية أكاديمية في الإعلام أو في المجالات التي يخوضون فيها.
ومع ذلك يُمنحون مساحات يومية ليقودوا الرأي العام.
والأدهى أن عملية اختيار الضيوف تحكمها معادلة واحدة:
كلما كان الشخص أكثر قدرة على إشعال الفتنة وإثارة الغضب وخلق “الترند”، كان مقعده أقرب إلى الأستوديو.
النقاش الهادئ الرصين لا يصنع أرقام مشاهدة، أما الصوت العالي والاتهام الجاهز وفضيحة الهواء فتصنع ما يريده ملاك القنوات: حالة من الجدل المفتعل التي تضرب الاستقرار المجتمعي في الصميم.
المفترض أن هناك مجلس أعلى لتنظيم الإعلام ونقابة للإعلاميين،
هيئات يفترض بها أن تراجع الأداء وتضع شروطاً حاسمة لمن يعتلي الشاشة ومن تتم استضافته. أين معايير الكفاءة العلمية والمهنية؟
أين ميثاق الشرف الإعلامي الذي يجرم استضافة من لا علاقة له بموضوع الحلقة لمجرد أنه صاحب تصريح ناري أو خصومة شخصية؟
للأسف، هذه الكيانات الرقابية تحولت إلى هياكل غائبة أو عاجزة، بينما يزدحم الهواء بمن يمارسون الإعلام بمنطق “الفرجة” لا المسؤولية.
والحديث عن العشوائية لا يكتمل دون تسليط الضوء على البرامج الرياضية
حيث تصل الظاهرة إلى ذروتها.
هناك، يتصدر المشهد مقدمو برامج ليسوا متخصصين في الإعلام الرياضي ولا يفقهون أدوات التحليل الموضوعي.
أغلبهم خرجوا من رحم التعصب أو المجاملات، فيتحول الأستوديو إلى مجلس لتصفية الحسابات الشخصية:
ضيف يهاجم لاعباً لأنه يختلف معه في موقف قديم، وآخر يدعم نادياً بعينه بدافع المصلحة لا المهنية.
الآراء الفنية تغيب تماماً لتحل محلها الإهانات المبطنة والاتهامات الجاهزة، في بيئة تكرس التعصب وتقتل الروح الرياضية بدلاً من أن ترتقي بها.
النتيجة المنطقية لهذه العشوائية متعددة الأوجه:
إعلام يفقد مصداقيته، مشاهد يضيع بين الأكاذيب وأنصاف الحقائق، ومجتمع يدفع ثمن صراعات الوهم أمام الكاميرات.
السؤال الحتمي: إلى متى يظل ضبط إيقاع الإعلام المصري رهينة لحسابات السوق و”الفيو”؟
لا مفر من تدخل حقيقي يفرض على الشاشات شروطاً واضحة: أن يحمل مقدم البرنامج مؤهلاً إعلامياً مناسباً.
وأن يخضع الضيوف لمعيار الخبرة والتخصص لا للقدرة على الصراخ، وأن تتحول البرامج الرياضية من غرف عمليات الثأر الشخصي إلى منابر للتحليل العادل.
إن ترك الحبل على الغارب يعني أننا دخلنا نفقاً مظلماً تصبح فيه الحقيقة ضحية، والجهل نجم شباك، والضوابط مجرد حبر على ورق.
فهل يتحرك أصحاب القرار الرقابي قبل أن نصحو على جيل كامل تشكل وعيه من فوضى “الترند” وسموم الشاشات؟






