مقالات
د.محمد محفوظ
د.محمد محفوظ

كاتب وباحث

د.محمد محفوظ يكتب: الدرس المنسي: الثورة المضادة والربيع العر بي

الدرس المنسي الذي لم يتم استخلاصه حتى الآن، وما زالت كل الكتابات والتحليلات التي تعمل على تشريح جثث تلك الثورات، تغرق من أجل الإجابة عليه في تفاصيل كثيرة

مشاركة:
حجم الخط:

بدون استثناء، فشلت كل ثورات الربيع العربي

فمن تونس إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا والجزائر والسودان ، كان الفشل هو العامل المشترك ، ليصبح ما بعد تلك الثورات أسوأ مما كان قبلها .

ولعل سقوط نظام بشار الأسد بسوريا مؤخرا، لا يستثني الثورة السورية السلمية من هذا المصير، ذلك أن الذي أسقط نظام بشار هو الثورة المسلحة.

وللأسف، فإن الفصائل المسلحة غالبا ما تكون عصية على التحول للنظام الديمقراطي، ويتجسم هذا الاستعصاء في حالة اعتناق تلك الفصائل لأيدلوجية أصولية.

ولذلك يظل التحول الديمقراطي بسوريا بعد سقوط النظام الإجرامي لبشار الأسد ، أمرا يتساوى احتمال نجاحه مع احتمال تعثره .

وبالتالي، فإن ذلك المصير المتعثر لكل تلك ثورات الربيع العربي ، يقذف في وجوهنا بالسؤال الكبير، ومفاده :

ماهو الدرس المنسي من كل ثورات الربيع العربي ؟!

ذلك الدرس المنسي الذي لم يتم استخلاصه حتى الآن، وما زالت كل الكتابات والتحليلات التي تعمل على تشريح جثث تلك الثورات، تغرق من أجل الإجابة عليه في تفاصيل كثيرة.
بل وبعضها يتفاءل ليضع برامج ومشاريع سياسية واقتصادية تضمن لهذه الثورات نجاحها في حال تكرار اشتعالها، انطلاقا من فرضية تاريخية تم تكريسها، تقرر بأن لكل ثورة موجاتها المتتابعة التي تتكسر على شواطئ الاستبداد، ثم تأتي الموجة الهادرة التي تضمن للثورات انتصارها .

ولكن، لعل الواقع يقرر ؛ بأن انتصار الثورات السلمية لا يفضي بالضرورة الحتمية إلى الغاية من اشتعالها.

فالثورة مجرد ( وسيلة ) لإسقاط حكم الاستبداد

بينما الغاية من الثورة هي بناء حكم رشيد يحترم الحقوق والحريات ، ويدير بكفاءة الموارد والثروات ، ويمارس التداول السلمي للسلطة .

ولذلك، فإن ( الغاية ) من الثورة تغيب، إذا أسفرت نتائجها عن أي من هذه المآلات الثلاثة الآتية :

– فإذا نجحت الثورة في إسقاط نظام استبدادي ، ولكنها استبدلته بنظام استبدادي آخر .

– أو إذا نجحت الثورة في إسقاط رأس النظام الاستبدادي ، وتحايل باقي جسد ذلك النظام وناور ، ليأتي برأس بديل لذات النظام .

– أو إذا نجحت الثورة ، ولكنها لم تؤسس إلا لديمقراطية فاشلة، يتعطل مسارها بفعل تعددية حزبية فسيفسائية، يتشتت بسببها التطور السياسي والتنمية الاقتصادية في ظل حكومات ائتلافية هشة تعميها المصالح الحزبية الضيقة عن المصلحة الوطنية الشاملة .

إذا نتج عن الثورة السلمية أي من تلك المسارات والمآلات الثلاثة السابقة ، فإن الغاية من الثورة وبكل الألم، لم ولن تتحقق، ليصبح العنوان العريض هو :

الفشل الذريع للثورة الشعبية، والنصر الساحق للثورة المضادة .

ولعل ذلك الفشل ، لا يمكن إرجاعه فقط إلى عدم جاهزية القوى الثورية لتولي شئون الحكم ، أو عدم امتلاكها للوعي الرشيد .

وإنما ثمة عامل مهم لا ينبغي إهماله ، يتعلق بحقيقة مؤسفة مفادها :

إن المحيط الإقليمي والدولي أصبحا يمثلان متغيرا مستقلا في معادلة الثورة والتغيير والتحول الديمقراطي، بينما انحدرت مكانة كل من الإرادة والوعي لدى القوى الثورية لتشغل مقعد المتغير التابع. 

نحن إذن أمام متغير مستقل، لا يمكن إهمال تأثيره أو حتى مواجهة ذلك التأثير، لأن هذا المتغير نجح وما زال ينجح في تهميش كل من وعي الثورة وإرادتها لكي ينكمشا في الزاوية، ويشغلا مقعد المتغير التابع .

وتفسير ذلك ومرجعه، يعود إلى الواقع العالمي الذي لا يستطيع إنكار حقيقة مؤسفة، مفادها :

أن النموذج الذي ينتظم على أساسه العالم، وهو نموذج الدولة القومية هو نموذج يتناقض مع المبادئ الإنسانية والأخلاقية التي كافحت من أجل التبشير بها وترسيخها شخصيات رائدة – نضالية أو دينية – على مدى تاريخ البشرية .

فالواقع الإقليمي والدولي يقرران للأسف، بأن مساندة أي منهما لأي ثورة شعبية، يرتبط حصرا بالقدر الذي ستعود به تلك المساندة على المصالح القومية لكل دولة في ذلك المحيط .

فالمحيط الإقليمي غير الديمقراطي، بعضه يتوجس من أي تحول ديمقراطي يمكن أن يمتد بالعدوى السياسية إلى شعوبه.

بينما بعضه الآخر يتطلع لإسقاط نظام استبدادي معادي واستبداله بنظام استبدادي حليف .

أما المحيط الإقليمي الديمقراطي، فقد يرى عوامل الاستقرار ومقومات الهيمنة أكثر دواما في ظل التحالف مع نظام استبدادي خانع لا ينشغل إلا ببقائه واستمراره في الحكم ولو على حساب مصلحة مواطنيه.

أما المحيط الدولي، فدوله الديكتاتورية لن تساند بالضرورة أي تحول ديمقراطي.

بينما دوله الديمقراطية لا تدعم أي تحول ديمقراطي إلا بالقدر الذي يحقق مصالحها القومية، بما يجعل النظام الاستبدادي الذي يحقق تلك المصالح، أفضل من نظام ديمقراطي قد تتعارض توجهاته مع تلك المصالح.

ولعل نجاح بعض الثورات السلمية في تحقيق التحول الديمقراطي والنمو الاقتصادي في تاريخنا الحديث، هو بمثابة استثناء لا يلغي تلك القاعدة المؤسفة بل هو يؤكدها، وهذه القاعدة مفادها:

إن ذلك النجاح تحقق لتوافقه مع مصالح قومية لكل من المحيطين الإقليمي والعالمي، أو على الأقل لم يكن يمثل لهما أي تهديد .

وللأسف، حتى مع نجاح الثورة في تحقيق التحول الديمقراطي دون ممانعة إقليمية ودولية، فإننا نظل أمام نفس المعضلة الأخلاقية والتي لا تنفي ممانعة تلك الديمقراطية الناشئة ذاتها، لأي تحول ديمقراطي – في دول جوارها أو في محيطها الإقليمي – قد يتعارض مع مصالحها القومية .
بما يجعل الحفاظ على الديمقراطية على المستوى الداخلي الوطني – وبكل الأسف والعار – بمثابة المبرر لعدم دعمها على المستوى الإقليمي أو الدولي!!

فانتهازية الدولة القومية – حتى وإن كانت ديمقراطية – تجعلها قابلة للتوافق مع نظم الاستبداد الجائرة، طالما كان ذلك الاستبداد محققا لمصالحها الوطنية!

ولهذا، فإن نجاح الثورة الشعبية، أصبح خاضعا لمؤثر إقليمي ودولي أكثر قابلية لدعم الثورة المضادة، بما يجعل من ذلك النجاح أمرا في الغالب بعيد التحقق والاحتمال.

وقد يعتقد البعض بأن تلك الرؤية القاتمة ، هي مثبطة للثورة وداعية للإذعان لحكم الاستبداد .

ولكن بالطبع ليس ذلك هو المراد .

وإنما القصد هو التعاطي مع حاضر ومستقبل الإنسانية بمنطق لا يقبل التعامل مع النموذج الذي ينتظم وفقا له العالم باعتباره صار من ( المسلمات الصنمية ) ذلك أن أغلب المظالم والمشاكل والحروب والنزاعات التي تتعرض لها البشرية، هي نتاج طبيعي لهذا النموذج، ألا وهو : نموذج الدولة القومية. 

لذلك على كل المصلحين بالعالم، والمتطلعين لاحترام إنسانية الإنسان وحقوقه، أن يتساموا فوق العصبية القومية البغيضة، ويتبنون الدعوة لما بعد الدولة القومية، باعتبارها مجرد مرحلة في تاريخ البشرية ينبغي أن يقترب أفولها ، ليحل محلها نموذج : الحكومة العالمية الديمقراطية.

فالدولة القومية بتجلياتها العنصرية، تغذي التكتلات اليمينية المتطرفة، والنعرات الشعبوية.

وما صعود اليمين المتطرف عالميا في ظل ديمقراطيات مستقرة أو ديكتاتوريات جاثمة، إلا علامة على مدى تأثير انعكاس النزعة القومية البغيضة على البوصلة السياسية، فتجعلها ممانعة للتعاون والتكامل بين الدول، ومنقادة للنزاع والعدوان والتواطؤ والتآمر للاستئثار والاستفراد بالمغانم الاقتصادية والجيوسياسية.

لذلك، ينبغي لكل الأحزاب الليبرالية غير المنتمية لليمين المتطرف، والأحزاب اليسارية غير المنتمية للاشتراكية غير الديمقراطية، يجب عليها جميعا أن تتطلع إلى مستقبل العالم فيما بعد الدولة القومية.

لأنه سيظل التناقض بين المبادئ الإنسانية والمصالح القومية، هو ( العاااار ) الذي يلاحق الدولة القومية .

وستظل البشرية أسيرة لحسابات قومية ضيقة وأنانية وانتهازية، تكبح التحول الديمقراطي لجماعات بشرية محكومة بالقهر والاستبداد ، وتحبس الديمقراطية داخل الحدود لكي تظل عنوانا للسياسات الداخلية، بينما تغيب عن السياسات الخارجية.

وللأسف، فإن استمرار هذه التناقضات الأخلاقية الناتجة عن الممارسات الجائرة للدولة القومية، ستفضي حتما لحرب عالمية مدمرة، إن لم تكن حربا نووية إبادية.

الدرس المنسي إذن والذي كشفت عنه أصداء الفشل الذريع لثورات الربيع العربي ، مفاده :

إن الحراك الثوري للتحول الديمقراطي أصبح أسيرا بموقع المتغير التابع.

بينما التأثير الإقليمي والدولي باتا يحظيان بموقع المتغير المستقل الأكثر قابلية لدعم الثورة المضادة، وهو متغير مسكون وموبوء بالمصلحة القومية التي يفرضها النموذج الذي ينتظم بموجبه العالم، ألا وهو نموذج :  الدولة القومية.

وقد يرى الكثيرون، أن الدعوة للحكومة العالمية الديمقراطية التي يتم في ظلها :

إلغاء الحدود الجغرافية والمياه الإقليمية والمجالات الجوية، وتوحيد العملات النقدية في عملة عالمية واحدة، وتفكيك الجيوش وأجهزة المخابرات، واتحاد كل الجماعات البشرية تحت عَلَم واحد هو : عَلَم الانسانية قد يرى الكثيرون بأن تلك الدعوة هي دعوة حالمة طوباوية.

ولكن، ربما تكون الحكومة العالمية الديمقراطية هي أكثر الحلول ( واقعية ) لإنقاذ البشرية من حرب عالمية تقليدية أو نووية .

كما أن الحكومة العالمية الديمقراطية قد تكون أكثر الحلول أخلاقية لكي يتشارك موارد وثروات كوكب الأرض كل سكانه، دون صدف جيولوجية، وإحداثيات جغرافية، وخطط تآمرية للاستحواذ والهيمنة، تؤدي إلى دعم الثورات المضادة في مقابل أي ثورات شعبية، بما يفرض الفقر والبؤس والاستبداد على مليارات من الجماعة الإنسانية.

(المقال يعبر عن رأي كاتبه وليس بالضرورة يعبر عن وجهة نظر الموقع) 

شارك المقال: