مقالات

د. محمد فؤاد يكتب: ثناء هاشم حارسة الذاكرة المنهوبة

نطلقت ثناء هاشم لتفتح حقل ألغام طال صمت الكثيرين عنه: ملف الأرشيف السينمائي المصري المنهوب والمبدد في الخارج، معلنةً معركة وجودية ضد منظومة كاملة من الإهمال والبيروقراطية

مشاركة:
حجم الخط:

عقيدة “المثقف العضوي” في زمن التبديد

عندما التهمت النيران جدران “ستوديو الأهرام” العتيق، لم يكن الأمر مجرد حريق عابر شبّ في معدات تصوير وألواح خشبية، بل كان تجسيداً مادياً لشرخ أعمق ينخر في جسد الثقافة السينمائية المصرية.

في تلك اللحظة اللاهبة، اختارت الدكتورة ثناء هاشم، أستاذة ورئيسة قسم السيناريو بالمعهد العالي للسينما، ألا تفعل ما يفعله الأكاديميون عادة بالانكفاء على النظريات الصماء خلف الأبواب المغلقة.

انطلقت ثناء هاشم لتفتح حقل ألغام طال صمت الكثيرين عنه: ملف الأرشيف السينمائي المصري المنهوب والمبدد في الخارج، معلنةً معركة وجودية ضد منظومة كاملة من الإهمال والبيروقراطية.
إنها ليست مجرد باحثة، بل هي تجسيد حي “للمثقف العضوي” الذي لا يفصل بين قاعات الدرس ومعارك الشارع وثنايا الهوية الوطنية.

ماذا يحدث في أكاديمية الفنون ؟

محمد فؤاد يكتب: وداعا أمير الشجن النبيل

دماء التراث المبدد بين “القبائل الإدارية”

وضعت الدكتورة ثناء يدها على مكمن الداء الذي أصاب التراث السينمائي، مشخّصة أزمة تشتت المسؤولية التي جعلت هذا الإرث العريق بـ “أكثر من أب”

ففي الوقت الذي تخلى فيه المركز القومي للسينما عن دوره في تأسيس (سينماتيك مصر) كأرشيف قومي يحمي ذاكرة الأمة، تشتت التبعية القانونية للأفلام لتصل إلى الشركة القابضة لصناعة السينما التابعة لوزارة قطاع الأعمال.
هذا التنازع الإداري بين وزارتي الثقافة وقطاع الأعمال قاد الدكتورة ثناء لإطلاق صرختها الصادمة:

“إن دماء التراث السينمائي المصري قد تفرقت بين القبائل”

ونتيجة لهذا التفتت، تحولت النسخ والأصول النادرة إلى سلع تباع بأسعار زهيدة على أيدي ورثة أو مسؤولين لا يدركون قيمتها، لتستقر في النهاية داخل احتكارات كبرى خارج الحدود، مخلفة وراءها نحو عشرة آلاف فيلم مصري لا يُعرف لها أثر اليوم.

معركة “ذاكرة مصر”.. الصمود في وجه الترويع

لم تقف معارك ثناء هاشم عند حدود الهجوم على الترهل الإداري، بل خاضت مواجهة مباشرة للدفاع عن شرف أستاذها الراحل المخرج الكبير محمد كامل القليوبي.

فبعد أن قضت عامين كاملين (2004-2005) من البحث الاستقصائي المضني معه لإنتاج الفيلم الموسوعي الوثائقي “ذاكرة مصر” تحت مظلة الهيئة العامة للاستعلامات، سُرّب هذا العمل النادر إلى محطة تلفزيونية عربية.

المأساة لم تتوقف عند السرقة، بل امتدت إلى محاولة انتهازيين اغتيال سمعة القليوبي معنوياً بادعاء أنه هو من باع الفيلم.

وهنا تحولت ثناء إلى خط دفاع أول؛ فكشفت بالدليل القاطع أن الشخص الذي بث هذه الفرية في الآذان هو السارق الحقيقي الذي باع الهوية المصرية ليرسخ نفوذه.

هذا الكشف الجريء كلفها الكثير؛ حيث تعرضت لحملة ترويع ممنهجة ورسائل تهديد سافرة بالإيذاء.

لكنها رفضت مقايضة الحق الوطني بالسلامة الشخصية، وتقدمت ببلاغات رسمية، دافعة بالملف حتى طاولة وزير الثقافة -آنذاك- الدكتور أحمد فؤاد هنو، حاملة معها حلولاً مبتكرة كـ “الاستكتاب الشعبي” لترميم الأفلام بأموال الشعب على غرار تجربة بنك مصر التاريخية.

تفكيك الوعي: الإنسان قبل الحدث والسيناريو كصورة حية

ينبع مشروع ثناء هاشم الأكاديمي من رؤية نقدية راديكالية تعيد صياغة العلاقة بين المتلقي والشاشة.

ترى ثناء أن الفارق الجوهري بين الكاتب التقليدي والمفكر السينمائي يكمن في السؤال التأسيسي

فالأول يستغرق في آليات التشويق التجاري متسائلاً: “ما الذي سيحدث؟”

بينما ينبش المفكر السينمائي في الجذور ليسأل: “من هذا الإنسان الذي يحدث له كل شيء؟”
الدراما في فلسفتها لا تنبع من الحدث الخارجي، بل من أثره على النفس البشرية وتفكيك مخاوفها وهزائمها المؤجلة. ومن هذا المنطلق، ترفض جمود السيناريو كـ “نص أدبي مقدّس”

بل تراه “أداة تنفيذ مرنة” تتنفس عبر الكاميرا ورؤية المخرج، مما يتطلب من الكاتب معايشة حية للبشر والتدقيق القانوني والطبي والمهني، بدلاً من الانغلاق داخل غرف تنتج كليشيهات مستهلكة.

د. ثناء هاشم رئيس قسمم السيناريو بمعهد السينما
د. ثناء هاشم رئيس قسمم السيناريو بمعهد السينما

مواجهة خرافات الوسط الفني وعوار المنظومة الإنتاجية

تتجلى شجاعة ثناء هاشم الفكرية في تشريحها لبنية الوسط الفني المصري؛ فهي تفكك مقولة المنتجين الباكية بأن “أزمة السينما هي عدم وجود ورق جيد”

وتؤكد بجسارة أن المعاهد تضخ سنوياً عشرات النصوص القوية، لكن العوار يكمن في منظومة الإنتاج التي تشوهت منذ ثمانينيات القرن الماضي مع انهيار القطاع العام وسياسات الانفتاح.

هذا التحول قاد إلى هيمنة كيانات احتكارية وجهت الصناعة نحو السلع التجارية الخفيفة، مخضعة النصوص لمنطق العلاقات الشخصية والمصالح الضيقة.

كما توجه نقداً لاذعاً لمنظومة “ورش الكتابة” المنتشرة حالياً، وترى أنها نُقلت عن النموذج الأمريكي بشكل مشوه وغير مهني في عالمنا العربي، حيث تُختزل الورشة في تقسيم عشوائي للأسماء أو هضم لحقوق الكتّاب، مما أدى لتشتت “الهوية الفنية” للسيناريو وغياب الرؤية المركزية الموحدة داخل العمل الواحد.

عقيدة المحلية في عصر التزييف الرقمي

في زمن الاجتياح الرقمي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تقف ثناء هاشم كحارس للمشاعر الإنسانية الطازجة.

فهي ترفض الانصياع الكامل للمنصات على حساب دور العرض التقليدية، مؤمنة بأن “طقس الفرجة الجماعية” يضاعف من ذكاء المشاهد ويخلق رابطاً إنسانياً فريداً.

وفي حين أنها لا تمانع استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة لتنظيم المعلومات، إلا أنها تقف بحسم ضد استبدال المبدع البشري بالآلة؛ فالإبداع تجربة وجودية قائمة على الألم والعاطفة، والأعمال المولدة آلياً ستظل دائماً باردة ومصطنعة.

أما بوصلتها نحو “العالمية”، فهي بوصلة صارمة لا تمر عبر تقليد السينما الغربية.

تؤصل ثناء لفكرة أن الطريق الوحيد للعالمية هو “التعبير عن الخصوصية المحلية بعمق”. وتستشهد بالأديب نجيب محفوظ الذي لم يكتب عن حواري أوروبا، بل غاص في أزقة القاهرة القديمة ليرفع المحلي الصادق إلى مستوى كوني شامل؛ فالعالم لا ينتظر من المبدع العربي أن يقلده، بل ينتظر أن يراه بصدقه وهويته الخاصة.

الكلمة كفعل مقاومة

في تاريخ الحراكات الفنية، يمر الكثيرون كعابري سبيل تنتهي آثارهم بانتهاء العرض. لكن الدكتورة ثناء هاشم تنتمي لفئة نادرة وبطولية من المثقفين العضويين الذين يتركون بصمتهم في الطريقة التي نفكر بها في الفن ذاته، وفي الطريقة التي نحمي بها تاريخنا من الطمس والتبديد.

إنها رئيسة قسم السيناريو التي رأت في الفن فعل مقاومة مستمر، لتثبت يوماً بعد يوم، وتحت شمس المواجهات الشرسة، أن جوهر الموقف الإنساني النبيل هو دائماً الانحياز للصدق، والحرية، والهوية الوطنية التي لا تقبل البيع أو المساومة.

شارك المقال: