د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (20) الدرب الأحمر
لكن أجمل ما في الدرب الأحمر أن التاريخ هنا لم يتحول إلى تمثال صامت، الحرفة ما زالت حية. فالخيامية...والنجارة...والنحاس...والجلود، والعديد من الصناعات اليدوية ارتبطت بالمنطقة وأسواقها ودروبها.
الدرب الأحمر في مصر حيث يلتقي المعمار التاريخي مع الحرفيين المبدعين
حين يصبح الحي متحفًا، ويصبح الناس جزءًا من التاريخ
هناك أماكن في القاهرة، لا تستطيع أن تختصر حكايتها في شارع، ولا تستطيع أن تجمع أسرارها في مبنى واحد، لأنها ببساطة مدينة داخل المدينة.
تدخلها من أحد أطرافها، فتظن أنك دخلت حيًا شعبيًا قديمًا، ثم تخطو بضع خطوات، فإذا بمئذنة شامخة تظهر أمامك، وتلتفت إلى اليمين، فتجد قبة مملوكية، وتنظر إلى اليسار، فتلمح مشربية خشبية عتيقة.
ثم تسمع صوت حرفي يعمل بيديه، وترى متجرًا ورث صاحبه المهنة عن أبيه وجده، هنا فقط تدرك أنك لم تدخل حيًا عاديًا، لقد دخلت الدرب الأحمر.
حيٌّ عمره من عمر القاهرة نفسها تقريبًا
يُعد الدرب الأحمر من أقدم مناطق القاهرة التاريخية، وهو اليوم واحد من أغنى أحيائها بالآثار الإسلامية؛ وتذكر محافظة القاهرة أنه يضم عددًا كبيرًا من المساجد والزوايا والبيوت والقصور والأضرحة والأسبلة، إلى جانب الأسواق والحرف اليدوية التي لا تزال حاضرة في المكان.
هذا التنوع هو سر عظمة الدرب الأحمر، فهو ليس سجلًا لعصر واحد، بل يمكنك أن تتتبع في نسيجه العمراني طبقات متتابعة من تاريخ مصر؛ من العصر الفاطمي، مرورًا بالأيوبي والمملوكي والعثماني، وصولًا إلى عصر محمد علي وأسرته.
كأن القاهرة تركت هنا صفحاتها مفتوحة، صفحة فوق صفحة، وحجرًا فوق حجر، وجيلًا بعد جيل.
لكن… لماذا سُمّي الدرب الأحمر؟
هنا تبدأ واحدة من أجمل حكايات القاهرة، حكاية اسم يعرفه ملايين المصريين، لكن تفاصيله ليست بالبساطة التي تبدو عليها.
الرواية الأشهر تقول إن الاسم ارتبط بمذبحة القلعة سنة 1811م، حين قضى محمد علي باشا على عدد كبير من أمراء المماليك، وقيل إن الدماء سالت في الطرقات حتى ارتبط المكان باسم «الدرب الأحمر». وهذه الرواية ما زالت توردها جهات ومصادر عديدة.
لكن البحث التاريخي يفتح أمامنا بابًا آخر.
فهناك دراسات تشير إلى أن اسم الدرب الأحمر كان معروفًا منذ العصر المملوكي، وأن «الباب الأحمر» ورد في وثيقة تعود إلى القرن الرابع عشر، وهو ما يجعل نسبة الاسم إلى أحداث سنة 1811 وحدها أمرًا يحتاج إلى قدر من التحفظ.
هنا أحب أن نتوقف، فالتاريخ الحقيقي لا يخشى أن يقول: “هذه رواية مشهورة… وهذه رواية أخرى أكثر قدمًا، وما زال البحث مستمرًا”
تلك هي أمانة الكلمة التي يجب أن نحافظ عليها ونحن نتحدث عن آثار مصر.
لم يكن موقع الدرب الأحمر عشوائيًا
فقد ارتبط منذ قرون بالممرات التي تصل قلب القاهرة بمقر الحكم في القلعة، ولذلك أصبح طريقًا حيويًا تتحرك فيه التجارة والناس والحرف، ونشأت حوله المدارس والمساجد والأسبلة والأسواق والورش.
هكذا لم يكن الدرب مجرد مكان للسكن، بل كان شريانًا من شرايين القاهرة، ومن هنا نفهم لماذا تراكمت فيه كل هذه الكنوز المعمارية، فالناس كانوا يحتاجون إلى المسجد…والماء، والتعليم…والسوق…والسكن…والحرفة.
فنشأت المدينة حول احتياجات الإنسان، حتى أصبح كل احتياج منها أثرًا من آثارها.
هنا تبدأ رحلة الآثار
إذا أردت أن تعرف لماذا يستحق الدرب الأحمر كل هذا الاهتمام، فلا يكفي أن نقول إنه حي أثري، بل عليك أن تمشي فيه.
أن تترك السيارة خلفك، وتسير على قدميك، لأن الدرب الأحمر لا يكشف أسراره لمن يمر به سريعًا، إنه يريد منك أن تتأنى.
فقد تجد أمامك مسجدًا من العصر المملوكي، وبعده بقليل زاوية أو سبيل، ثم بيتًا تاريخيًا، ثم سوقًا ما زالت فيه حرفة قديمة.
وكل واحد من هذه العناصر يروي جزءًا من قصة القاهرة.
مساجد كأنها صفحات من كتاب مفتوح
في الدرب الأحمر تقف مجموعة من أهم العمائر الإسلامية في القاهرة، منها مسجد الأمير آق سنقر «الجامع الأزرق»، ومسجد الطنبغا المارداني، ومسجد جانم البهلوان، وتكية وسبيل السلطان محمود، وغيرها من الآثار التي تجعل المنطقة واحدة من أكثر بقاع القاهرة ثراءً بالعمارة الإسلامية.
لكن روعة هذه المساجد ليست في عددها فقط، إنما في تنوعها المعماري والزمني والفني، فكل مسجد يحمل شخصية منشئه وعصره.
كل واجهة لها لغة، كل قبة لها إيقاع، كل مئذنة ترسم خطًا مختلفًا في سماء القاهرة، ولهذا يستطيع المتخصص أن يقرأ تاريخ العمارة الإسلامية المصرية تقريبًا وهو يمشي في الدرب الأحمر.
إلى باب زويلة
عند الحديث عن الدرب الأحمر لا يمكن أن نغفل باب زويلة، ذلك الباب العظيم الذي بقي شاهدًا على القاهرة الفاطمية، ثم عاش مراحل طويلة من تاريخ المدينة.
باب لم يكن مجرد مدخل، بل كان حدًا بين عالمين، من خلاله دخلت مواكب وخرجت مواكب، ومرت أمامه جموع الناس، وشهد أحداثًا سياسية ودينية واجتماعية تركت بصماتها في ذاكرة القاهرة.
عندما تقف أمامه اليوم، لا تنظر إلى حجرين مرتفعين ومئذنتين فقط، بل حاول أن تتخيل القاهرة وهي تنظر من خلالهما إلى العالم منذ قرون.
الدرب الأحمر مدينة الحِرَف
لكن أجمل ما في الدرب الأحمر أن التاريخ هنا لم يتحول إلى تمثال صامت، الحرفة ما زالت حية.
فالخيامية…والنجارة…والنحاس…والجلود، والعديد من الصناعات اليدوية ارتبطت بالمنطقة وأسواقها ودروبها.

تشير المصادر إلى شهرة المنطقة بدروب تجارية وحرفية مثل درب سعادة والخيامية والمغربلين وغيرها.
وهنا تظهر عبقرية القاهرة القديمة، فالحرفي لم يكن عدوًا للأثر، كان يعيش بجواره، وربما كان يعرف تفاصيل المبنى أكثر مما نتصور.
يمسك الخشب…فينحت، يمسك المعدن…فيشكله، ينظر إلى الزخرفة…فيحفظها، ثم يورث المهنة إلى ابنه.
هكذا يصبح الحرفي نفسه جزءًا من التراث غير المادي للمكان، وهنا يعيش الإنسان بجوار الأثر، وهذه واحدة من أكثر النقاط التي أحبها في الدرب الأحمر.
من يعرف أهل المناطق القديمة يعرف شيئًا لا تستطيع الكتب أن تكتبه بسهولة: الشهامة، الجدعنة، والكرم، ففي مثل هذه الأحياء، ما زالت العلاقات الإنسانية تحتفظ بشيء من دفء الزمن القديم.
الجيرة لها قيمة، والضيف له مكان، والغريب إذا سأل عن الطريق يجد من يدله.
الحكاية تنتقل من الأب إلى الابن، قد تجلس مع أحد أبناء المنطقة فيحكي لك عن مسجد أو بيت أو حارة وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح.
قد لا تكون كل التفاصيل التي يتذكرها وثيقة تاريخية، لكن روايته تظل جزءًا من ذاكرة المجتمع المحلي، وهي ذاكرة لا ينبغي أن تضيع.
هنا، لا ينفصل الدين عن الحياة
لأن الدرب الأحمر نشأ وتطور حول شبكة واسعة من المساجد والزوايا والأسبلة والمدارس، فإن الروحانية حاضرة في المكان بقوة.
تسمع الأذان، فتتغير حركة الشارع، يمر الناس إلى المسجد. ثم تعود الحياة إلى دورتها، هكذا كان المسجد في القاهرة القديمة أكثر من مكان للصلاة.
كان مركزًا للحياة الاجتماعية والعلمية والإنسانية، ومن هنا نفهم لماذا أصبحت المساجد جزءًا أصيلًا من النسيج العمراني للحي، لا مباني منفصلة عنه.
وعندما ترفع عينيك إلى أعلى، سترى شيئًا آخر، مآذن ترتفع فوق البيوت، قباب تظهر بين الأزقة، مشربيات تطل على الشارع، واجهات حجرية تحمل زخارف دقيقة.
عندها ستفهم لماذا قال البعض إن القاهرة التاريخية متحف مفتوح تحت السماء.
لكنني أقول:
الدرب الأحمر ليس متحفًا فقط، لأن المتحف ينام بعد انتهاء ساعات الزيارة، أما الدرب الأحمر، فيستيقظ كل صباح ليعيش تاريخه من جديد.
من السلطان إلى الحرفي، من القبة إلى الدكان، وهذا هو سر الدرب الأحمر.
فيه آثار السلاطين والأمراء، وفيه بيوت الناس البسطاء، فيه القباب الفخمة، وفيه الدكاكين الصغيرة، فيه المدرسة التاريخية.
هذه هي مصر التي أحبها
مصر التي لا تفصل بين عظمة التاريخ وبساطة الإنسان
وماذا لو مشينا فيه دون استعجال؟ ربما نجد بابًا لم نره من قبل، ونقشًا لم ننتبه إليه، ومشربية ظلت صامتة مئات السنين.
وحجرًا تغير لونه بفعل الزمن.
رجلًا مسنًا يعرف قصة المكان، وقد نكتشف أن أجمل ما في الدرب الأحمر ليس ما كُتب عنه…
بل ما لم يُكتب عنه بعد.
شاركنا برأيك