مقالات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

د. أيمن منصور ندا يكتب: الهزيمة التي دخلت التاريخ باسمٍ مستعار (2)

كانت هزيمة 1967 فوق مستوى التوقع والتخيّل بالنسبة للجميع، قادة، وشعباً، وكان التعامل معها مربكاً، ومحيِّراً، وعشوائياً إلى أقصى مدى.

مشاركة:
حجم الخط:

عن مرآة عبد الناصر الرحيمة وملابس النكسة الجديدة

يقال إنَّ أحد الملوك في العصور الغابرة تقدم في العمر وتبدَّلت ملامحه، وبدأت تظهر عليه علامات الكبر، ولم يعد راضياً عن شكله وهيئته.

فأمر مساعديه بأن يصنعوا له “مرآة” تُظهِر وجهه كما كان في شبابه، أو كما يريد أن يراه.. ولأنَّ رغبات الملوك أوامر وقوانين، ومَنْ له السيف له الرأي.

فقد صنعوا له “مرآة رحيمة” مزيَّفة، مصقولة بطلاء يظهر صورته أثناء شبابه، وقوته، وعنفوانه، وتخفي تجاعيده، ووهنه، وتدفن آثار السنين عليه.

كان الملك ينظر إلى المرآة الجديدة سعيداً

راضياً، مطمئناً، رغم أنَّ شعبه كان يرى الحقيقة كلَّ يوم على أرض الواقع: ملكاً هَرِمَاً ضعيفاً، تلاشت شرعيته للقيادة، ومشروعيته للزعامة، وفقد أهليَّته للحكم، وقدرته على الاستمرار.

د. أيمن منصور ندا يكتب: فن التلطيف والتخفيف (نكسة 67 نموذجا)

الأديب الدنماركي الأعظم “هانس كريستيان أندرسن” (1805- 1875)

له قصة شهيرة عنوانها “ملابس الملك الجديدة”، أو كما ذاع صيتها عالمياً باسم “إنَّي أرى الملك عارياً” وتشير إلى أنَّ أحد الملوك خدعه “خيَّاط” وأوهمه بأنَّه قادر على صنع ثوب له من ضوء القمر لا يراه إلا الحكماء والعقلاء.

اقتنع الملك بالاختراع العبقري، وقرَّر الخروج على شعبه في هذا “الثوب القشيب”! قال له وزراؤه ومستشاروه (رَغَباً ورَهَباً): إنَّه:

“ثوب رائع لملك حكيم”

وقالت له حاشيته وبطانته: “هياكل من جسمك حتة!”

وقال له إعلاميّوه: “بحكمتك تختال علينا.. وأنت مِرْآة حضارتنا”

خرج الملك على قومه في زينته (الوهمية) مختالاً بنفسه، مزهواً بثوبه الجديد.

وعندها صاح أحد الأطفال ضاحكاً: “إنَّي أرى الملك عارياً!”

حاول الحرس إسكات الطفل دون جدوى، وانتقلت همهمات الطفل إلى الشعب.

وأصبح الكلُّ يردد: “إنَّا نرى الملك عارياً”

ولكن بغير فائدة؛ إذ كان الملك لا يسمع، ولا يرى، ويمضي قدماً في طريقه “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”!

هاتان القصتان الرمزيَّتان تعكسان بدقة ما أراد الرئيس جمال عبد الناصر، ومساعدوه، أن يصدِّروه للشعب في أعقاب هزيمة 1967.

صورة مزيفة عن واقع مريع فظيع.

كانت هزيمة 1967 فوق مستوى التوقع والتخيّل بالنسبة للجميع، قادة، وشعباً، وكان التعامل معها مربكاً، ومحيِّراً، وعشوائياً إلى أقصى مدى.

بدأ الأمر بالإنكار بعد الصدمة، والتخفيف بعد الاستيعاب، ثم الإقرار مصحوباً بالتبريرات العاطفية.

كانت صورة عبد الناصر بعد الهزيمة مباشرة أشبه بصورة الملك الحقيقية دون مرآته الرحيمة.

وكان عارياً تماماً رغم ارتدائه ثوباً من “ضوء القمر” نسجه له “هيكل” وآخرون..

سقط الصنم أمام نفسه، فأقام له عُبَّاده تمثالاً أكبر حجماً.

ومات (الوليّ)، فأقام له مريدوه ودراويشه ضريحاً مقدَّساً، ونظَّموا رحلات الحج إليه.

وسواء كان أمر هذه السردية مصدره الرئيس عبد الناصر (كما في القصة الأولى)

أو استجابة لنصيحة مساعديه وحاشيته (كما في القصة الثانية)، فإنَّ الهدف العام كان خداع الشعب، والاستمرار في الحكم تحت شرعية جديدة.

وهو ما كان!

كانت أهداف الرئيس عبد الناصر، ومعه الأستاذ هيكل، من استخدام مصطلح النكسة بدلاً من الهزيمة، عقب حرب 1967، متعددة، ومتشعبة:

أولها تخفيف وقع الهزيمة على الشعب، بعد أن بالغت وسائل الإعلام في الإيهام بنصر واسع على إسرائيل لعدة أيام قبلها.

أراد عبد الناصر التخفيف من صدمة المصريين، والتهوين من أمر الانكسار العابر، والتقليل من حجم الخسائر المترتّبة على الهزيمة.

وكما أشار إليه في خطاب التنحي: “إنَّ ما حدث لا يمكن أن يكون نهاية المطاف، وإنَّما هو مرحلة مؤلمة في طريق طويل من الكفاح”

وثانيها الإيهام بإمكانية تجاوز الهزيمة، واستعادة القدرة القتالية والسياسية للدولة.

وكما أشار هيكل في مقال له بجريدة الأهرام بعد عدة أيام من الهزيمة “إنَّ الأمة التي بنت السدَّ العالي، وقهرت العدوان في 1956، قادرة على أن تنهض من كبوتها وتستعيد مواقعها”

وثالثها امتصاص الغضب الشعبي،

واحتواء موجة الإحباط العارمة في الشارعين المصري والعربي.

كان استخدام مصطلح النكسة بدلاً من الهزيمة “مسكِّنا” قوياً، أو “بنجاً كليَّاً”، أو “مُنَوِّماً” شديد المفعول، لعبور لحظات الأمل، ولحين التئام الجرح النازف.

ورابعها تجنب التفكير في الإقالة أو العقاب السياسي للقيادة

وبدلاً من ذلك، ضرورة التكاتف الوطني، وإعادة توزيع المسؤوليات لعبور الأزمة، وتأجيل المحاسبة لما بعدها.

وكما أنَّه من غير الحكمة تغيير الجواد أثناء السبق أو أثناء عبور النهر، فلا يجوز تغيير القيادة أثناء الأزمة!

وخامسها وأخيراً الحفاظ على شرعية الحكم ومشروعية استمرار الرئيس عبد الناصر (رغم خطاب التنحي)

فعبد الناصر قائد لا يُهزَم،

وقادر على النهوض بعد السقوط، وعلى الانتصار بعد الانكسار..

وإذا كان لكلِّ جواد “كبوة” فمن الممكن أن تحدث للقائد العظيم “نكسة” يعود بعدها لأمجاده.

وعلى حدِّ تعبير الأستاذ هيكل “عبد الناصر لم يسقط في 67، بل بدأ من جديد”!

وهكذا لم تكن “النكسة” مجرد كلمة عابرة في قاموس السياسة، ولا مجرد اختيار لغوي أكثر لطفاً من كلمة “الهزيمة”

كانت مرآةً جديدةً صُنعت على عجل، لا لكي يرى الشعب وجه الحقيقة

بل لكي يرى الزعيم وجهه كما يريد: قائداً لم يسقط، ومشروعاً لم ينكسر، وتجربةً لم تفشل، بل تعثرت قليلاً في طريق طويل من الكفاح.

كانت الكلمة طلاءً رحيماً على وجه واقعٍ قاسٍ

وثوباً من ضوء القمر أُلبس للهزيمة حتى لا تظهر عاريةً أمام الناس (وإيه تعمل الماشطة في وجه عكر!).

لكنَّ المرايا المزيفة لا تغيّر الوجوه، والثياب الوهمية لا تستر العري أمام محكمة التاريخ!

ولذلك، وبعد تسعة وخمسين عاماً، لا تزال الهزيمة واقفةً في مكانها، ولا نزال نحن، رغم كل البلاغة والخطب والمصطلحات الهيكلية الخفيفة اللطيفة، (بلابيص) أمام الحقيقة!

للحديث بقية، غدا إن شاء الله..

شارك المقال: