د. أيمن خالد يكتب: هل يبدأ تشكيل لبنان الجديد أم يُفتح باب الوصاية الأمنية؟
الجيش الإسرائيلي: بدأت اليوم في جنوب لبنان تجربة إنشاء “مساحة آمنة” بالتعاون مع الجانب الأمريكي والجيش اللبناني

صورة تعبيرية لخريطة حنوب لبنان
“المساحة الآمنة” في جنوب لبنان
تعقيباً على ما أوردته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام بشأن التطور الأمني غير المسبوق في جنوب لبنان، وما حمله الإعلان الإسرائيلي من مؤشرات تتجاوز حدود الترتيبات العسكرية، فإن قراءة هذا الحدث لا ينبغي أن تتوقف عند ظاهر الخبر، بل تمتد إلى ما قد يؤسس له من قواعد جديدة لإدارة الجنوب اللبناني ومستقبل الدولة برمتها.
الخبر العاجل
الجيش الإسرائيلي: بدأت اليوم في جنوب لبنان تجربة إنشاء “مساحة آمنة” بالتعاون مع الجانب الأمريكي والجيش اللبناني.
فرق من الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي والجيش اللبناني تنسق وتخطط لتنفيذ الاتفاق، وسنتصرف بقوة ضد أي انتهاك للاتفاق في جنوب لبنان.
قد يبدو هذا الإعلان للوهلة الأولى خبراً عسكرياً يتعلق بإجراءات ميدانية لخفض التوتر، لكنه في الحقيقة يحمل أبعاداً سياسية واستراتيجية أعمق بكثير.
فهذه هي المرة الأولى التي يُعلن فيها، بهذا الوضوح، عن تنسيق عملياتي يضم الجيش الإسرائيلي والولايات المتحدة والجيش اللبناني ضمن إطار واحد لإدارة منطقة حدودية.
وهذا وحده كافٍ للقول إن الجنوب اللبناني دخل مرحلة مختلفة، ليس فقط في قواعد الاشتباك، وإنما في طبيعة إدارة الأمن والسيادة على حدوده الجنوبية.
إن عبارة “مرحلة تجريبية” الواردة في الإعلان ليست مجرد توصيف إداري، بل تعني أن ثمة نموذجاً جديداً يجري اختباره على الأرض.
فإذا نجح، قد يتحول إلى قاعدة دائمة، وإذا فشل، فقد يقود إلى جولة جديدة من عدم الاستقرار.
لماذا جاء هذا الإعلان الآن؟
يصعب فصل هذه الخطوة عن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال المرحلة الأخيرة.
فلبنان لم يعد يتحرك داخل البيئة الإقليمية التي عرفها طوال العقدين الماضيين، بل أصبح جزءاً من مشهد إقليمي أعيدت فيه صياغة كثير من موازين القوى ومسارات النفوذ.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن المجتمع الدولي بات أكثر اقتناعاً بأن استمرار تعدد مراكز القرار العسكري داخل الدولة اللبنانية لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار، وأن إعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية أصبحت شرطاً لأي مشروع يهدف إلى تثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية.
لذلك، فإن الإعلان لا يعكس مجرد تفاهم أمني محدود، بل يعكس إرادة دولية لاختبار نموذج جديد يقوم على جعل الدولة اللبنانية الطرف الرئيسي في إدارة الجنوب، ضمن ترتيبات أمنية تخضع لرقابة ومتابعة دولية.
الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا
ورغم أهمية الإعلان، فإن نجاحه أو فشله لن يتوقف على ما كُتب في البيانات العسكرية، بل على ما سيجري في الميدان.
فالاختبار الأول
سيكون أمام الجيش اللبناني، الذي يجد نفسه أمام مهمة شديدة الحساسية، إذ يُنتظر منه أن يفرض الأمن ويحافظ في الوقت نفسه على صورته كمؤسسة وطنية جامعة، بعيداً عن أي استقطاب داخلي.
أما الاختبار الثاني
فيتعلق بالقوى الموجودة في الجنوب، ومدى استعدادها للتعامل مع الواقع الجديد، وهل ستتجه نحو الانكفاء السياسي وتجنب المواجهة، أم ستسعى إلى اختبار حدود هذه الترتيبات الجديدة، بما قد يفتح الباب أمام احتكاكات ميدانية.
ويبقى الاختبار الثالث مرتبطاً بإسرائيل نفسها. فالعبارة التي ختم بها الجيش الإسرائيلي بيانه، ومفادها أنه “سيتصرف بقوة ضد أي انتهاك”، تثير سؤالاً جوهرياً: من الذي يحدد وقوع الانتهاك؟
هذا السؤال ليس قانونياً فحسب، بل هو سؤال سيادي أيضاً.
فإذا أصبحت إسرائيل هي الجهة التي تفسر الاتفاق وتقرر متى وقع الانتهاك وكيف يكون الرد، فإن المنطقة الآمنة قد تتحول تدريجياً من وسيلة لمنع التصعيد إلى أداة تمنح تل أبيب مبرراً دائماً للتدخل العسكري كلما رأت ذلك مناسباً.
وهنا يكمن جوهر التحدي، لأن نجاح أي ترتيبات أمنية لا يقاس فقط بغياب إطلاق النار، وإنما أيضاً باحترام سيادة الدولة التي تُطبق هذه الترتيبات على أراضيها.
لبنان بين فرصة الدولة ومخاطر الوصاية
المشهد اليوم يحمل احتمالين متوازيين.
الاحتمال الأول
أن تنجح هذه التجربة في خلق واقع أمني جديد يسمح للجيش اللبناني بالانتشار الكامل جنوب الليطاني، ويؤسس لمرحلة تستعيد فيها الدولة تدريجياً احتكارها للقرار الأمني والعسكري، بما يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الحياة السياسية واستكمال الاستحقاقات الدستورية بدعم عربي ودولي.
أما الاحتمال الثاني
فهو أن تتحول “المساحة الآمنة” إلى إطار أمني دائم يُدار عملياً وفق التقديرات الإسرائيلية، بحيث تصبح أي حادثة ميدانية ذريعة لتدخلات عسكرية متكررة، الأمر الذي يبقي الجنوب في دائرة التوتر، ويضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مستمر لسيادتها وقدرتها على إدارة حدودها بنفسها.
والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه البيانات، بل ستصنعه طريقة إدارة المرحلة، ومدى التزام جميع الأطراف بروح الاتفاق، لا بنصوصه فقط.
الخلاصة الاستراتيجية
ليس من المبالغة القول إن ما أُعلن عنه اليوم يتجاوز إنشاء “مساحة آمنة” في جنوب لبنان.
فالمسألة تتعلق بمحاولة إعادة رسم العلاقة بين الدولة اللبنانية وحدودها الجنوبية، وبين المؤسسات الرسمية والقوى المسلحة، وبين السيادة الوطنية والإشراف الدولي.
ولهذا فإن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه الذي سيسلكه لبنان.
فإذا نجحت التجربة في تعزيز سلطة الدولة دون المساس باستقلال قرارها، فقد تكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية اللبنانية. أما إذا تحولت إلى صيغة تمنح أطرافاً خارجية حق إدارة الأمن اللبناني بصورة غير مباشرة، فإنها ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها استمرار الأزمة بأدوات مختلفة.
إن السؤال الذي سيبقى مطروحاً ليس: هل نجحت المساحة الآمنة؟
بل: هل نجح لبنان في تحويلها إلى مساحة لاستعادة الدولة، أم تحولت إلى مساحة لاختبار سيادته؟






