آراء و تحليلات

موقعة الجمل في ذاكرة ثوار يناير

كان صمودنا ومقاومتنا غريبين. طردنا أنصار مبارك وجِمالهم من الميدان، واستمر الهجوم علينا من أسطح العمارات حتى الساعة 12 بالليل

مشاركة:
حجم الخط:

احتشدت صفحات التواصل الاجتماعي بذكريات الكثير من الذين شاركوا في ثورة 25 يناير في مصر عن أيام الثورة وذكرياتها وفي ذكرى موقعة الجمل في 2 فبراير 2011 نشر عديد من السياسيين والثوار عن أحداث هذا اليوم الذي كان فاصلا في نهاية حكم مبارك وبداية حقبة جديدة لمصر غاب فيهاا مبارك كرأس لنظام ما قبل يناير ومن الذين تذكروا هذا اليوم السياسي المصري أحمد فوزي من ثوار يناير وعضو حزب المصري الديمقراطي وأحد السياسيين الذين برزوا بعد الثورة ونشر تويتة على فيس بوك :

موقعة الجمل

هو أكثر يوم مستحيل أن أنسى تفاصيله، لأنه ذكرى يوم مهم في حياتي؛ اليوم اللي اتعرضت فيه لاختبار حقيقي وجاد، إني أختار طواعية إني أتمسك بكل ما كنت مؤمن ومقتنع به، ولما تعرضت لهذا لاختبار. اخترت ونجحت.

في ميادين القاهرة، وبعد خطاب مبارك العاطفي. قررت فيه سلطة مبارك وأنصاره لعب مباراتهم الأخيرة، وكانوا متوقعين المكسب فيها. ودا كان اختبار كبير للثورة والميدان ولمبارك ورجالة وكأننا بنلعب ضربات ترجيحية اللى هيقدر يفضل فى الميدان هو اللى هيكسب.

منذ صباح هذا اليوم كانت هناك تحركات لأنصار مبارك فى كل مكان حول الميدان والشوارع الرئيسية والمواصلات العامة رفعوا صور مبارك، ونشروا شائعات قوية ومنظمة، تتهم الثوار واللى موجودين فى الميدان بإنهم خونة وتابعين (لإيران – حماس – إسرائيل) أيوه تابعين للتلاتة مع بعض إزاى ؟! معرفش
وفيه بعض (سياسيين – مثقفين – كتاب) تبنوا فكرة منح مبارك فرصة أخرى، أتذكرهم جميعًا، حتى من ادعى منهم أنه كان في صفوف الثورة، وطبعاً ناس اتأثرت بخطاب مبارك وبفكرة منه فرصة وسابت الميدان ومشيت، وناس كتير رفضت واستمرت فى الميدان، وانقسم الميدان بين الفكرتين.

انقطاع شبكات الانترنت 

كان أول يوم أبيت فيه في البيت علشان أشوف فرح بنتى لانها كانت عندها 4 سنين ، و طفل جاى لدنيا ، وأول مرة أشوفهم من 4 ايام ، وأكلم أبويا وأمي على التليفون الأرضي من يوم ٢٨ يناير.

وبالمناسبة، لما عادت الشبكات، ما رجعتش لكل الناس، ومنهم أنا وكتير من زمايلى اللي أرقامهم كانت مكتوبة في جبهة الدفاع عن متظاهري مصر.

الصبح كنت المفروض أطلع على جبهة الدفاع عن متظاهرى مصر عشان سيف وخالد كانوا بيوزعوا علينا الشغل، لكن وانا فى الطريق لسوق التوفيقية بوسط البلد شفت متظاهرين من الحزب الوطني داخلين ناحية الميدان. فقررت أطلع على ميدان التحرير، وبالفعل الوضع كان فى حالة تأهب وخوف، ومهما وصفت لناس أول دخول الجِمال وانصار مبارك، مش هقدر أوصف كان شعوري إيه وشعور اللى فى الميدان.

أخدت القرار مش هجرى ولا هخرج من الميدان مهما حصل ونقاوم ابناء مبارك مهما كان التمن علشان أعيش اللي فاضل من عمري، ولو عشت أكون مرتاح وما قصرتش في حق نفسي، ولا في حق ولادي، ولا في حق كل بني آدم قابلته في حياتي. مبارك وسلطته قتلوا الروح. أيوه، مبارك قتل روح جيلي، ومشكلتي معاه ما كانتش سياسية بس، لا، كانت شخصية كمان.

صمود ضد داخلية مبارك

كان صمودنا ومقاومتنا غريبين. طردنا أنصار مبارك وجِمالهم من الميدان، واستمر الهجوم علينا من أسطح العمارات حتى الساعة 12 بالليل. والحقيقة إن كان في ثلاث مجموعات من أنصار الحزب الوطني: فيهم اللى ما دخلوش الميدان، وفيهم اللى دخلوا وبعد ما اتطردوا مشيوا، لكن الحقيقة إن المجموعة التالتة اللي ركبت أسطح العمارات كانت قوية وكانت شجاعة جدًا.

والناس هتستغرب إني بقول عليهم شجعان، لأنهم ما هانش عليهم يتشربوا مننا علقة موت وما ياخدوش حقهم.
وكنت بقول في دماغي: في مناخ مش مختلف، كان دول وإحنا نبقى مع بعض، البلد دي كانت هتبقى أحسن وأنضف.

وشوش مش ممكن أنسى أبدًا أي حد فيهم بحبهم كلهم، ومسّامح أي حد فيهم، فاكر مين فضّل ومين كان قاعد قدام بيته وشايف إن اللي بيحصل دخل في الفوضى.

قعدة وسط الميدان

بعد تعب اليوم كله، اللي شفت فيه معارك حقيقية، أخدت قرار إني أقعد في وسط الميدان بعد ما السكر اتغلب عليّ، وأنباء بتقول إن في هجوم جديد. قررت أستمر، مش همشي. هموت؟ طب وإيه يعني؟ ما أنا ميت أصلًا. هي دي عيشة؟

وفعلًا، كل اللي ماتوا في العبّارة اللي غرقت، والقطر اللي اتحرق، واللي ماتوا بالمرض من المبيدات المسرطنة، والفشل الكلوي والكبد الوبائي، والشاب اللي انتحر علشان ما بقاش سفير عشان هم فقراء… كل دقيقة عشتها مقهور في عصر مبارك كانت قدام عيني.

لحد ما لقيت اتنين، مش فاكر هما مين، قالولي: خد خالد علي معاك، عايزك، ما إحنا الاتنين تليفوناتنا مقفولة. خالد قال لي: إنت فين؟ وجعت قلبى الله يخرب بيتك كل الناس عرفنا نطمن عليها وإنت لأ، وسألنى السكر عامل إيه قولت له زفت قالى تعالى يا فوزي ونجهز لك أكل ودوا. قلت له: لا يا خالد، أنا لو طلعت كده كده هموت من اللى منتظرينا برة الميدان، هموت هنا أحسن.

ميلشيات مبارك في المواجهة 

وبعد نص ساعة، والشوارع المحيطة فعلًا مليانة ميليشيات مبارك، فكرت أكلم فرح أقول لها بحبها. طب إزاي؟ وليه؟ وأكلم أمي وأبويا وأخويا أوصيهم على فرح والطفل اللي جاي. طب هجيب تليفون شغال منين؟ لحد ما أقول: (هكلم بابا وماما ههههه).

المهم، لقيت خالد جالى فى قلب الميدان، قال لي: اطلع علشان السكر، لا هتقدر تضرب ولا تقاوم وهتكون عبء على الناس ولازم تأكل وتاخد الدوا، وخدني وطلعني من ناحية باب اللوق، وقعدنا على القهوة في عابدين. وأنا منفعل وبقول له: إيه ده؟ ولاد الكلب عايزين يحكموا البلد على جثتنا. لقيت خالد فجأة قال لي: ربنا حينصر الريس، ربنا مش حيسيب الناس دي تخرب البلد.

قلت: الواد اتجنن. فشاور لي بعينه، لقيت القعدة كلها أبناء مبارك. قال لي: يلا بينا من عابدين لهشام مبارك. ما بنعملش حاجة غير إننا بنضحك، وكل لجنة نعديها حسب هى تبع مين.

روحنا، ومش فاكر إزاي نمت على نفسي فى مكتب خالد فى التوفيقية، وصحيت الساعة 5 الصبح. رجعت الميدان. كان مشهد مش هنساه: حرائق، بقايا حاجات مهدومة، ولسه في ناس من العمارات بترمي طوب وقنابل، بس التعب حلّ عليهم. وكان في أفكار نطلع نجيبهم من فوق، بس الكل ركّب العقل.

وفي واحد جميل، الساعة 6 الصبح، لقيته بيهتف بصوت مبحوح:
«شدّي حيلِك يا بلد… الحرية بتتولد»

وإحنا بنحضن بعض وبنعيّط كلنا زي العيال.

سلام على أرواح من استشهدوا.
سلام على مصابي موقعة الجمل.
ربنا يفك حبس الناس اللي في السجن منهم.
ربنا يرحم اللي سابوا دنيتنا.

وكل واحد في اليوم ده زاملته، مهما عمل، بيفضل له عندي مكانة خاصة، حتى لو علاقتنا مش على ما يرام

شارك المقال: