د. أيمن خالد يكتب: ساعة الصفر المؤجلة؟
الرئيس دونالد ترامب عقد اجتماعاً مع فريق الأمن القومي رفيع المستوى لبحث مسار الحرب مع إيران ومستقبل المفاوضات الجارية،

صورة تعبيرية للمقال
طبول الحرب تُدق من لندن..
والكابيتول هيل يمنح ترامب الشرعية المؤسسية لتدمير قدرات طهران العسكرية
في ذروة الغليان العسكري والسياسي المحيط بالمواجهة المستعرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، انشطرت جبهة المواجهة اليوم لتفتح خطوطاً دستورية واستراتيجية ساخنة أعادت ترتيب رقعة الشطرنج الدولية بالكامل.
وبينما بدا المشهد في الأيام الماضية محكوماً بالمناورات الدبلوماسية الخلفية ومحاولات شراء الوقت.
جاءت سلسلة التطورات الأخيرة لتوحي بأن لحظة القرار لم تعد بعيدة.
إذ تلاقت صدمة القرارات السرية داخل طهران مع إعادة التموضع التشريعي والعسكري في واشنطن ولندن، لتدفع المنطقة نحو حافة ارتطام كبرى بانتظار الظرف التنفيذي المناسب.
ووسط هذا المناخ، برز تطور إضافي بالغ الدلالة؛ إذ كشفت مصادر أمريكية لموقع أكسيوس أن الرئيس دونالد ترامب عقد اجتماعاً مع فريق الأمن القومي رفيع المستوى لبحث مسار الحرب مع إيران ومستقبل المفاوضات الجارية، في مؤشر إضافي على أن الخيار العسكري لم يغادر الطاولة، وأن التفاوض قد يكون دخل مرحلة الصمت الثقيل لا التقدم الحقيقي.
هل تستطيع باكستان لعب دور الوسيط الموثوق بين واشنطن وطهران؟
اتفاق تسوية سياسية أم إعادة رسم لموازين القوة في المنطقة؟
أولاً | التفاوض تحت ضغط الزمن… ولعنة اليورانيوم
جاءت التصريحات الحرفية الصادمة التي أطلقها الرئيس ترامب في بثه المباشر من البيت الأبيض لتضع غرف القرار في طهران أمام معادلة الردع القسري المطلق، كاشفاً علانية:
“كنتُ على بُعد ساعة واحدة فقط من اتخاذ القرار باستئناف القصف العنيف ضد إيران اليوم، ولكنني قررتُ تأجيله وإعطاء مهلة نهائية حتى نهاية هذا الأسبوع لإبرام الصفقة”.
بهذه العبارة، لم يعد الحديث عن أدوات ضغط سياسية أو تفاوضية، بل عن قرار عسكري جاهز ينتظر انتهاء المهلة.
ترامب وضع ملف منع طهران من امتلاك السلاح النووي فوق أي اعتبارات اقتصادية داخلية، ثم مضى أبعد حين وصف السلوك التفاوضي الإيراني بلغة هجومية قائلاً لمجلة Fortune:
“إنهم يصرخون طوال الوقت.. لكنني أقول لكم شيئاً واحداً: إنهم يتحرقون شوقاً ويموتون لتوقيع اتفاق. يبرمون اتفاقاً ثم يرسلون ورقة لا صلة لها بما اتفقنا عليه”.
لكن التصعيد الكلامي سرعان ما اصطدم بمعطى أخطر؛ إذ أكدت تقارير إعلامية منسوبة لمصادر إيرانية أن القيادة الإيرانية متمسكة بالإبقاء على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب داخل البلاد بوصفه خط الدفاع الأخير وأداة الردع الاستراتيجية، وهو ما عمّق الفجوة مع المقترحات المطروحة عبر الوسطاء.
ثانياً | اجتماع الفريق الأمني… المفاوضات تنهار بصمت
في تطور موازٍ يرفع منسوب الترقب، أفادت مصادر أمريكية لموقع Axios بأن الرئيس ترامب عقد اجتماعاً مغلقاً مع فريقه الأمني القومي لمراجعة تطورات المواجهة ومسار التفاوض.
وشارك في الاجتماع نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين.
وبحسب التسريبات، فإن الاجتماع لم يناقش إدارة الأزمة فقط، بل بحث سيناريوهات متعددة، بينها إمكانية تنفيذ ضربات عسكرية جديدة إذا فشل المسار التفاوضي.
سياسياً، لا يعني هذا أن القرار العسكري اتُخذ، لكنه يكشف أن واشنطن انتقلت من سؤال: هل نضغط؟
إلى سؤال مختلف تماماً: كيف ننفذ إذا فشل الاتفاق؟
ثالثاً | عندما تتحدث لندن… يُقرع جرس التدويل
في هذه اللحظة الوجودية، جاء تصريح وزيرة الخارجية البريطانية بأن:
“من المخزي أن تحاول إيران اختطاف الاقتصاد العالمي بأكمله عبر منع حركة الشحن الدولي”.
هذا التصريح لم يكن تعليقاً سياسياً عابراً، بل انتقالاً محسوباً من لغة الخلاف الثنائي إلى خطاب الأمن الاقتصادي العالمي.
تاريخياً، قد تحشد واشنطن القوة الصلبة، لكن لندن كثيراً ما تتولى بناء اللغة السياسية التي تُصاغ بها الشرعية.
بهذا المعنى، انتقل النقاش من أزمة أمريكية–إيرانية إلى قضية مرتبطة بحرية الملاحة وسلاسل الإمداد والطاقة، بما يفتح المجال أمام أوسع اصطفاف سياسي ودبلوماسي خلف أي خطوات لاحقة.
رابعاً | كواليس المطبخ السري… الدبلوماسية الخلفية تبحث عن نافذة نجاة
في مقابل التصعيد، برزت تسريبات عن مسودة تفاهم طُرحت في الربع الأخير من الوقت كصيغة عبور اضطرارية نحو التهدئة.
وجوهر هذه الورقة يقوم على:
* وقف شامل وفوري لإطلاق النار.
* تحييد المنشآت المدنية والاقتصادية.
* وقف العمليات العسكرية والإعلامية.
* ضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وبحر عُمان.
* إنشاء آلية رقابة دولية مشتركة.
* إطلاق مفاوضات تقنية خلال سبعة أيام حول الملفات العالقة.
* رفع تدريجي للعقوبات مقابل الامتثال.
جوهر الورقة لا يبدو تسوية نهائية، بل محاولة لتأجيل لحظة الانفجار.
خامساً | انكسار القيد الدستوري… الكابيتول هيل يطلق يد البنتاغون
بينما كانت طهران تراهن على حراك الكونغرس لتقييد ترامب، تعطل المسار داخل مجلس النواب بعد إلغاء التصويت المرتبط بصلاحيات الحرب.
سياسياً، لم يمنح ذلك الرئيس صلاحيات جديدة، لكنه أبقى صلاحياته القائمة دون قيد إضافي.
ثم جاءت الإشارة الأقوى مع تصريح رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ روجر ويكر الداعي إلى منح الجيش مساحة لاستئناف العمليات وتدمير القدرات العسكرية الإيرانية.
وهنا انتقل المشهد من مجرد رغبة رئاسية إلى غطاء سياسي صادر من مؤسسات نافذة في واشنطن.
الخلاصة والاستشراف | هل انتهى زمن المناورة؟
المشهد الدولي الليلة يبدو أكثر تعقيداً من اختزاله في سؤال: حرب أم تفاوض.
ما يتشكل أمامنا هو محاولة متزامنة لإدارة التفاوض تحت سقف الردع، وإدارة الردع تحت سقف التفاوض.
لكن اجتماع الفريق الأمني الأمريكي، والتعطيل التشريعي داخل الكونغرس، والتدويل البريطاني للأزمة، كلها مؤشرات تدفع إلى نتيجة واحدة:
النافذة الدبلوماسية لم تُغلق بعد… لكنها تضيق بسرعة.
والسؤال لم يعد:
هل ستُستخدم القوة؟
بل: هل تستطيع الدبلوماسية أن تصل أولاً؟





