مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

جمال عبد الناصر: عندما يُختزل التاريخ في رجل

عبد الناصر ليس مسؤولًا وحده عما جرى. الأول أعمق وأصلب، لأنه يتعلق بمنطق التفسير لا بالموقف من الرجل.

مشاركة:
حجم الخط:

د. محمد الغمري يكتب: ردا على مقال د. أيمن ندا (عبد الناصر النبي المأزوم والديكتاتور المهزوم) 

رؤية نقدية لمقال منشور

يذهب مقال «عبد الناصر: النبي المأزوم، والديكتاتور المهزوم» للدكتور أيمن منصور ندا إلى أن مفتاح فهم التجربة الناصرية يكمن في شخصية جمال عبد الناصر ذاتها.

فالرجل – في تقدير الكاتب – كان يحمل بنية نفسية مخصوصة قوامها الشعور الرسالي الاستثنائي والحاجة إلى المركزية المطلقة، وأن هذه البنية هي التي تفسر القرارات الكبرى من التأميم إلى الوحدة إلى اليمن إلى هزيمة 1967.

وليس في هذا الطرح ما يستوجب الرفض المبدئي، فالعامل النفسي متغير حقيقي في صناعة القرار، وتجاهله بالكامل يفضي إلى قراءة ناقصة.

غير أن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا المتغير الجزئي إلى مفتاح وحيد لتجربة تاريخية كاملة.

وللمقال فضل لا ينبغي إنكاره، إذ يلفت الانتباه إلى ظاهرة حقيقية في الثقافة السياسية العربية، تتمثل في الميل إلى صناعة الزعيم المخلِّص وإحاطته بهالة رمزية تجعل شخصه أكبر من المؤسسات وأوسع من حدود المساءلة.

غير أن تشخيص هذه الظاهرة لا يستلزم اختزال التاريخ كله في البنية النفسية للزعيم الذي تمحورت حوله.

عبد الناصر: النبي المأزوم، والديكتاتور المهزوم!

فالكاتب يفترض ضمنيًا أن تفسير التجربة يبدأ من شخصية القائد.

لكن هذا الافتراض يطرح سؤالًا منهجيًا سابقًا عليه:

هل تبدأ الظواهر التاريخية من الأفراد أصلًا؟

أم أن الأفراد أنفسهم يتحركون داخل شروط تاريخية تسبقهم وتؤثر في خياراتهم كما يؤثرون هم فيها؟

ولا بد هنا من تمييز دقيق بين نقدين لا ينبغي خلطهما.

النقد المنهجي يقول:

التفسير النفسي قاصر معرفيًا لأنه يختزل ظاهرة مركبة في متغير منفرد، بصرف النظر عمن يكون صاحب هذه الشخصية.

والنقد السياسي يقول:

عبد الناصر ليس مسؤولًا وحده عما جرى. الأول أعمق وأصلب، لأنه يتعلق بمنطق التفسير لا بالموقف من الرجل.

أما الثاني فصحيح في مضمونه، لكنه يُضعف الحجة حين يُقرأ كأنه دفاع عن الناصرية لا إصلاح للمنهج.

ما يعنينا هنا هو النقد الأول

وهذا النقد المنهجي يصيب نمطًا شائعًا في قراءة التاريخ:

رد الظواهر المركبة إلى متغير منفرد.

وكما أن اختزال التاريخ في الاقتصاد وحده أو الثقافة وحدها أو الاستعمار وحده يؤدي إلى تفسير قاصر، فإن اختزاله في السمات النفسية للقائد يواجه المأزق ذاته.

ومن منظور الفاعلية الحضارية

فإن نقطة البدء التفسيرية لا تكون الفرد ولا بنيته النفسية، بل الشروط التاريخية التي يواجهها المجتمع في لحظة معينة.

غير أن هذه الشروط لا تنتج نتائجها بصورة آلية، فبين الشروط والاستجابات تقع منطقة وساطة تشكل جوهر العملية التاريخية:

الكيفية التي تُدرك بها تلك الشروط، ونوع الاستجابات التي تُنتج في مواجهتها.

فالشروط المتشابهة قد تفضي إلى نتائج مختلفة لا بسبب اختلاف الوقائع الموضوعية، بل بسبب اختلاف مستوى الإدراك واختلاف نوع الاستجابات التي يولّده.

خذ مثالا واحدًا:

قرار تأميم قناة السويس عام 1956.

لا يمكن قراءته بوصفه انعكاسًا لشعور رسالي استثنائي لدى الزعيم فحسب.

فقد جاء في سياق موجة استقلالية واسعة تعصف بالعالم ما بعد الاستعماري.

وفي لحظة كانت فيها قدرة بريطانيا وفرنسا على التدخل تتآكل أمام الضغط الأمريكي والسوفيتي المتنامي.

وفي مناخ إقليمي تصاعد فيه الطلب على خطاب السيادة الوطنية حتى كاد يكون حتمًا.

وما حدد نتيجة القرار لم يكن الشخصية التي اتخذته، بل الشروط التي أتاحته والشروط التي قيدته معًا.

فاعلية القائد حقيقية، لكنها فاعلية مشروطة لا مطلقة.

واللافت أن المقال، وهو ينتقد الخطاب الذي صنع من عبد الناصر بطلًا استثنائيًا، يعيد إنتاج مركزية الفرد ذاتها بصورة معكوسة.

فالناصرية التقليدية جعلت الرجل مصدر الإنجازات كلها، بينما تجعل القراءة المقابلة الرجل مصدر الإخفاقات كلها.

وفي الحالتين يبقى الفرد مركز التفسير، ويظل المجتمع والدولة والمؤسسات والشروط التاريخية مجرد عناصر تدور في فلكه.

ويبرز هنا مأزق آخر في القراءات النفسية للتاريخ

وهو الوقوع فيما يمكن تسميته بالنتائجية التاريخية: تُقرأ النتائج أولًا، ثم يُعاد تفسير البدايات على ضوئها.

فإذا انتهت تجربة ما إلى هزيمة، جرى البحث في شخصية القائد عما يفسر هذه النهاية، وتحولت النتيجة ذاتها إلى دليل على صحة التشخيص الذي فسرت به.

غير أن التفسير التاريخي الرصين لا ينطلق من المعرفة اللاحقة، بل من الشروط المتاحة ومستوى الإدراك القائم لحظة اتخاذ القرار.

كما أن استمرار كثير من الظواهر بعد رحيل عبد الناصر يكشف حدود التفسير النفسي ذاته.

فإذا كانت الأزمة كامنة في شخصية الرجل وحدها،

فكيف نفسر استمرار أنماط الحكم المركزية ومشكلات التنمية وأزمات العلاقة بين الدولة والمجتمع لعقود لاحقة؟

إن استمرار الظاهرة بعد غياب صاحبها يشير إلى أن جذورها أعمق من الفرد، وأن ما نواجهه مسارات وبنى وشروط تاريخية تتجاوز الخصائص النفسية للأشخاص.

فإذا طُرح السؤال كما ينبغي — لا من كان عبد الناصر نفسيًا، بل ما طبيعة الشروط التي واجهت مصر والمنطقة في منتصف القرن العشرين وكيف جرى إدراكها — أمكن الاقتراب من إجابة أكثر أمانة.

والإجابة الأولية، من هذا المنظور

هي أن التجربة الناصرية كانت استجابة عالية الطاقة لشروط حقيقية:

ضغط استعماري مستمر، وطلب شعبي متصاعد على السيادة، وفراغ مؤسسي موروث.

بيد أنها كانت استجابة ذات إدراك جزئي، أدركت الشرط الخارجي وأخفقت في بناء الشرط الداخلي، فحققت فاعلية رمزية واسعة وفاعلية بنيوية محدودة.

وهذا التفاوت — لا الشخصية التي قادت التجربة — هو مفتاح فهم مآلاتها.

تحويل التاريخ إلى سيرة رجل واحد قد يكون مريحًا للعقل

لأنه يقدم تفسيرًا بسيطا لعالم شديد التعقيد، لكنه لا يفسر إلا القليل.

حين نجعل من عبد الناصر تفسيرًا لكل شيء، نكون قد أعفينا أنفسنا من السؤال الأصعب:

كيف تشكلت الظاهرة الناصرية بوصفها استجابة تاريخية لشروط معينة؟

وما الذي جعل إدراكها جزئيًا وفاعليتها البنيوية محدودة؟

هناك يبدأ الفهم الأعمق، وهناك تنتهي أوهام اختزال التاريخ في رجل.

شارك المقال: