مقالات
محمد حماد
محمد حماد

كاتب صحفي

محمد حماد يكتب: شرط مجتبى خامنئي؟

الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على توجيه ضربات قاسية، لكنهما تدركان أن توسيع الحرب قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها. وإيران بدورها قادرة على إرباك الإقليم

مشاركة:
حجم الخط:

الأمن للجميع أو لا أمن لأحد

في خضم الحرب المشتعلة اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة المقابلة، وردت عبارة في بيان الحرس الثوري الإيراني الصادر بعد إعلان مجبتى خامنئي خلفًا لوالده تبدو العبارة للوهلة الأولى جملة سياسية عادية، لكنها في الحقيقة تلخص فلسفة الحرب التي تديرها طهران في هذه اللحظة.

العبارة تقول بوضوح: “الأمن والاستقرار في المنطقة إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد”

هذه الكلمات ليست شعارًا دعائيًا، بل هي ما يمكن اعتباره العقيدة الاستراتيجية للحرب الإيرانية الجارية. فإيران تقول بوضوح إن أمنها القومي لا يمكن عزله عن أمن الإقليم كله، وإن أي محاولة لتهديدها منفردة ستعني تلقائيًا أن الإقليم كله سيدخل دائرة الخطر.

المعادلة التي تطرحها طهران بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في نتائجها: إذا كان الأمن في الشرق الأوسط انتقائيًا، فإن البديل سيكون فوضى عامة لا ينجو منها أحد.

هذا الشرط الإيراني يفسر كثيرًا من مسار الحرب خلال الأيام الاثني عشر الماضية. فمنذ اللحظة الأولى لم تتعامل طهران مع الضربات الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل باعتبارها اختبارًا لقاعدة الردع التي تحاول ترسيخها منذ سنوات: أي تهديد لإيران سيصبح تهديدًا للإقليم كله.

ولهذا السبب تحديدًا لم تبقِ إيران ردودها داخل حدودها الجغرافية الضيقة. فالصراع لم يعد مقتصرًا على الضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، بل امتد ليشمل محيطًا إقليميًا أوسع، خصوصًا دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية. الرسالة هنا ليست عسكرية بقدر ما هي سياسية واستراتيجية: إذا كان أمن إيران مستهدفًا، فلن يكون أمن المنطقة بمنأى عن الاضطراب.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الحرب الجارية بوصفها حربًا تدور داخل ما يمكن تسميته “توازن الفوضى”.

جميع الأطراف تمتلك أدوات الإيذاء، لكن لا أحد يمتلك القدرة على الحسم الكامل.

الولايات المتحدة وإسرائيل قادرتان على توجيه ضربات قاسية، لكنهما تدركان أن توسيع الحرب قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها. وإيران بدورها قادرة على إرباك الإقليم، لكنها تدرك أن الحرب الشاملة تحمل مخاطر لا تقل خطورة عليها.

في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز بوصفه الورقة الأكثر حساسية في التوازن كله. فالمضيق ليس مجرد ممر بحري تمر عبره ناقلات النفط، بل هو شريان حيوي للاقتصاد العالمي.

يكفي أن يصبح احتمال تعطيله حاضرًا في الحسابات الدولية حتى ترتفع أسعار النفط، ويهتز الاستقرار الاقتصادي في العالم كله. ولهذا فإن إيران لا تحتاج فعليًا إلى إغلاق المضيق حتى تحقق تأثيره السياسي؛ يكفي أن تضعه داخل معادلة الردع حتى تتحول كل خطوة في الحرب إلى حساب شديد التعقيد.

هذه هي بالضبط الفكرة التي تختصرها عبارة “الأمن للجميع أو لا أمن لأحد”.

إيران لا تقول إنها قادرة على هزيمة خصومها عسكريًا، لكنها تقول إنها قادرة على جعل كلفة الحرب أعلى من قدرة الجميع على تحملها.

وهذا هو جوهر ما نسميه “توازن الفوضى”، قدرة متبادلة على الإيذاء تمنع الحسم لكنها تمنع أيضًا تجاهل المخاطر.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم التحول النسبي في الموقف الأمريكي.

فالحرب التي بدأت بتنسيق واضح بين واشنطن وتل أبيب، وبطموح معلن لدى بعض الدوائر الأمريكية لإضعاف النظام الإيراني أو حتى إسقاطه، تبدو اليوم محاطة بحسابات أكثر حذرًا. وبات التصعيد المفتوح بلا سقوف لا يعني غير انتقال الصراع من حرب إقليمية محدودة إلى أزمة دولية واسعة، خصوصًا إذا دخلت الممرات البحرية وأسواق الطاقة في قلب المواجهة.

والواقع أن الشرق الأوسط يقف الآن أمام لحظة اختبار حقيقية لفكرة الأمن نفسها.

لعقود طويلة كان الأمن في المنطقة يُدار بمنطق الانتقاء: أمن بعض الدول مضمون بقوة التحالفات الدولية، بينما تبقى دول أخرى في دائرة التهديد.

لكن الحرب العدوانية الجارية اليوم تضع هذا المنطق كله موضع شك. فقد قام الأمن في الشرق الأوسط طويلًا على افتراض أن التوتر يمكن احتواؤه داخل حدود دولة بعينها دون أن يمتد أثره إلى بقية الإقليم.

غير أن ما تكشفه هذه الحرب هو العكس تمامًا: فكل ضغط على دولة يتحول سريعًا إلى اضطراب أوسع في محيطها. وعند هذه النقطة يتغير معنى الأمن نفسه، إذ لا يعود ممكنًا فصله بين دولة وأخرى، بل يصبح استقرار المنطقة كلها معلقًا بتوازن هش، يكفي أن يختل في موضع واحد حتى يمتد أثره إلى الإقليم بأسره.

لهذا تبدو العبارة في بيان الحرس الثوري أكثر من مجرد موقف سياسي عابر.

هي على الحقيقة إعادة تعريف معادلة الأمن في الشرق الأوسط. فإما أن يكون الأمن نظامًا إقليميًا يشمل الجميع، أو أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للفوضى المتنقلة.

السؤال المطروح اليوم ليس من سينتصر في هذه الجولة من الحرب، بل أي شرق أوسط سيخرج من تحت دخانها.

الحروب الكبرى في هذه المنطقة لم تكن مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت دائمًا لحظات يعاد فيها رسم قواعد اللعبة كلها.

طهران التي تكرر العدوان عليها مرتين في أقل من سنة، صار شرطها الذي لا رجعة عنه يتلخص في أن الأمن للجميع أو لا أمن لأحد،
لذلك فالسؤال الذي ستجيب عنه هذه الحربعندما تسكت المدافع هو: ما إذا كان الشرق الأوسط قادرًا على قبول هذه القاعدة، أم أنه يتجه إلى مرحلة أطول وأكثر قسوة من توازن الفوضى.

شارك المقال: