تقارير

رائحة “الآبري” تقهر البارود في السودان؟

تنبعث رائحة مألوفة وعميقة تتسلل من نوافذ البيوت وخيام النزوح؛ إنها رائحة "الآبري" أو "الحلو-مر"، المشروب الذي قرر السودانيون ألا يسقطوه من حساباتهم، ليتحول من مجرد عادة رمضانية إلى سلاح للمقاومة النفسية وإثبات الهوية.

مشاركة:
حجم الخط:

مع اقتراب شهر رمضان، وعطفاً على المشهد القاتم الذي تفرضه الحرب في السودان، قد يظن المتابع أن أزيز الرصاص ورائحة البارود قد طمسا كل أثر للحياة الطبيعية. لكن في قلب هذا الركام، تنبعث رائحة مألوفة وعميقة تتسلل من نوافذ البيوت وخيام النزوح؛ إنها رائحة “الآبري” أو “الحلو-مر”، المشروب الذي قرر السودانيون ألا يسقطوه من حساباتهم، ليتحول من مجرد عادة رمضانية إلى سلاح للمقاومة النفسية وإثبات الهوية.

أكثر من مجرد عطش.. طقس نسائي يُعلن قدوم الشهر

لم يكن “الآبري” يوماً مجرد مشروب يروي ظمأ الصائمين في صيف السودان القائظ، بل هو إعلان شعبي بحلول شهر رمضان. تبدأ حكايته قبل أسابيع من الشهر الفضيل، حين تُزرّع ذرة “الفيتريتة”، وتُطحن وتُخمر، لتُعجن لاحقاً بتوليفة ساحرة من البهارات كالزنجبيل، والقرفة، والهبهان، والكركديه.

“عواسة الآبري ليست عملاً فردياً، بل هي لوحة تضامنية

تتجلى روح هذا المشروب في مرحلة “العواسة” (خبز العجين على صاج ساخن). قديماً، وقبل أن تفرق الحرب الجيران، كانت النساء يتجمعن في طقس يُعرف بـ “النفير”، يتقاسمن فيه الجهد والمال، وتتعالى ضحكاتهن وأحاديثهن وسط الدخان الكثيف المتصاعد من الصاج. تلك اللحظات كانت، ولا تزال في الذاكرة، روح رمضان السودانية.

فاتورة الحرب: عندما يصبح المشروب الشعبي ترفاً

لكن الحرب الدائرة لم ترحم هذا الطقس العريق. فقد ضرب الانهيار الاقتصادي والتضخم المفرط أسواق المحاصيل، ليقفز بأسعار الذرة والبهارات إلى أرقام فلكية، جاعلاً من صناعة “الآبري” عبئاً ثقيلاً على كاهل أسرٍ فقدت مصادر دخلها.

النزوح، وهو الجرح الأعمق، شتت شمل “النفير”. جارات الأمس افترقن بين مدن الداخل ومخيمات اللجوء ودول الجوار. وفي الخرطوم ومناطق النزاع، أصبح التجمع حول نيران “الصاج” مغامرة محفوفة بالمخاطر، ناهيك عن الانقطاع شبه التام للغاز والحطب والمياه.

“الحلو-مر”.. اسم على مسمى في زمن الشتات

رغم قسوة الظروف، رفضت المرأة السودانية الاستسلام. في خطوة تعكس مرونة مذهلة، أعادت السودانيات صياغة تقليد الآبري ليتناسب مع واقع الحرب:

  • رائحة الوطن في المخيمات: في معسكرات النزوح الآمنة نسبياً، تتشارك النساء ما تيسر من مكونات لصناعة كميات قليلة جداً من الآبري. الهدف لم يعد المخزون الشهري، بل خلق “رائحة” تذكرهم ببيوتهم التي تركوها خلفهم، وتمنح الأطفال إحساساً بطعم رمضان المفقود.
  • طوق نجاة اقتصادي: بذكاء فطري، حولت آلاف النساء النازحات صناعة الآبري إلى مشروع تجاري صغير. أصبح بيع رقائق الحلو-مر في الأسواق المحلية أو تصديره للخارج مصدر دخل رئيسي يعيل أسراً بأكملها وسط انعدام فرص العمل.
  • حنين عابر للحدود: في دول الجوار، وتحديداً مصر ودول الخليج حيث تتواجد جاليات سودانية ضخمة، أصبح الآبري سلعة استراتيجية. يُصنع بجهد مضاعف في شقق المغتربين أو يُهرب من الداخل السوداني بصعوبة بالغة. ارتشاف كوب من “الحلو-مر” في القاهرة أو الرياض لم يعد مجرد إفطار، بل هو استحضار لوطن جريح ومحاولة لتذوق ذكريات أيام السلم.

خلاصة المشهد

اليوم، يحمل مشروب “الحلو-مر” من اسمه النصيب الأكبر؛ “حلو” بتمسك السودانيين بجذورهم وتضامنهم المذهل، و”مر” بقسوة الحرب والتهجير. بقاء هذا التقليد حياً هو رسالة واضحة بأن المدافع قد تدمر المباني، لكنها أعجز من أن تمحو هوية شعب أو تطفئ نيران مواقده العتيقة.

 

شارك المقال: