آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

الحرب المفتوحة: عندما يتحول هرمز إلى رهينة في شطرنج الردع الكبير

غير أن طهران، وخلافاً لرهانات الاحتواء الأمريكي، ردّت بقسوة ميدانية تجاوزت جغرافيا المضيق إلى صدام مباشر مع الوجود العسكري والإقليمي الامريكي

مشاركة:
حجم الخط:

نار فوق الماء

لم يعد المشهد في خليج هرمز يقبل الوقوف عند المناطق الرمادية أو الاستغراق في التوصيفات العامة.

فالأسبوع الأخير من شهر يوليو 2026 شهد انتقال النزاع رسمياً إلى مرحلة “الحرب المفتوحة متعددة الجبهات” بين واشنطن وطهران، متجاوزاً أوهام التهدئة ومخلّفاً معادلة نارية غير مسبوقة: “العمق الجغرافي بالعمق الجغرافي، والدماء بالدماء”

د. محمد فؤاد يكتب: ترامب يعود من بوابة الفوضى

د. محمد فؤاد يكتب: همجية جنكيز خان ورعونة ترامب

لقد بلغت المواجهة ذروتها الميدانية عقب سلسلة من الضربات الجوية والبحرية الأمريكية المركّزة التي نفّذتها قيادة المنطقة المركزية (CENTCOM) للليلة الحادية عشرة على التوالي.

استهدفت هذه الموجات القاسية شريان البنية التحتية الإيرانية في الجنوب وفي القواعد الحاكمة حيث طالت الغارات الأمريكية البنية المائية والكهربائية في محافظة هرمزغان، ودمرت جسر (بندر عباس – رودان) المحوري، والأنفاق والوصلات الحديدية، وقواعد الصواريخ في جزيرة قشم وسيريك وحاجي أباد.

هذه الضربات التي جاءت في سياق تطبيق واشنطن لتهديدها الصريح بتدفيع طهران ثمناً مادياً باهظاً مقابل أي مساس بالشحن البحري، أسفرت -بحسب البيانات الإيرانية ومؤسسات الرصد الميداني- عن سقوط ما يزيد على 50 قتيلاً ومئات الجرحى في المواقع الإيرانية المستهدفة.

غير أن طهران، وخلافاً لرهانات الاحتواء الأمريكي، ردّت بقسوة ميدانية تجاوزت جغرافيا المضيق إلى صدام مباشر مع الوجود العسكري والإقليمي الامريكي.

جاءت الضربات الصاروخية والمسيّرة الحاسمية للحرس الثوري لتستهدف مباشرة قاعدة “موفق السلطي” الجوية في منطقة الأزرق بالأردن، وهو ما أسفر عن مقتل 4 جنود أمريكيين وإصابة آخرين، ليضافوا إلى حصيلة القتلى الأمريكيين المتصاعدة في هذه المواجهة.

ولم يتوقف الرد الإيراني عند الساحة الأردنية؛ بل امتد ليضرب محطات الطاقة وتحلية المياه في الكويت، ومصالح ورادارات وأنظمة ملاحة في البحرين تُحسب على التمركزات الأمريكية هناك، فضلاً عن استهداف منشآت ومراكز بيانات في المنامة كوديعة ردع صريحة مفادها أن أي انطلاق أمريكي من القواعد الإقليمية سيواجه بتدمير متبادل للبنية التحتية.

في خضم هذا التراشق الذي وضع الإقليم بأكمله على شفا الانفجار، تتسارع المحاولات الدبلوماسية لنزع فتيل الصاعق؛ حيث برزت محاور وساطة مكثفة وموازية تقودها إسلام آباد والدوحة.

تسعى باكستان عبر قنواتها الأمنية والدبلوماسية المفتوحة مع القيادة العسكرية في طهران وواشنطن إلى الاندفاع بنشاط نحو اتفاق وقف إطلاق نار آسن.

في حين تواصل الدوحة فتح خطوط التواصل السريعة للتوصل إلى بروتوكول أمني يقضي بوقف ضربات العمق الإيراني مقابل تراجع الحرس الثوري عن استهداف القواعد والملاحة في المضيق.

إلا أن هذه المساعي تصطدم حتى اللحظة بتعنت الميدان واشتراط طهران انسحاباً كاملاً للحظر البحري الأمريكي.

هذا الانسداد الميداني ألقى بظلاله الحارقة على الأسواق العالمية

إذ هبطت حركة عبور الناقلات عبر هرمز إلى مستويات غير مسبوقة، وقفزت أسعار التأمين ضد أخطار الحروب لمعدلات قياسية، مما يهدد بتجاوز برميل خام برنت لحاجز الـ 120 دولاراً مع تفاقم موجات التضخم التدميرية في الاقتصادات الكبرى.

استشراف هذا الصراع الجلل يضع الإقليم أمام ثلاثة سيناريوهات حاسمة:

 المسار الأول (استنزاف العمق وتوازن الرعب الناري):

استمرار واشنطن في دك القواعد والبنى الإيرانية لإنهاك الحرس الثوري، مقابل مواصلة طهران ضرب القواعد الأمريكية في الأردن والكويت والبحرين واستهداف حركة الشحن. هذا المسار يُبقي أسعار النفط في قمم قياسية ويفرض حالة حرب غير معلنة على الإقليم بأكمله.

– المسار الثاني (الانفجار الإقليمي الشامل):

كأن تؤدي ضربة أمريكية إلى تدمير منشأة استراتيجية كبرى كمنشأة “دارخوين” أو محطة بوشهر، أو أن ينجح الحرس الثوري في إغراق قطعة بحرية أمريكية ضخمة.

حينها ستندفع واشنطن نحو حملة تدمير شامل للموانئ والجزر الإيرانية، مما يتبعه إغلاق محكم للمضيق بالألغام وقصف منشآت الطاقة بالخليج، لتتدحرج المنطقة نحو ركود اقتصادي عالمي وتدمير واسع للبنى التحتية الإقليمية.

– المسار الثالث (اتفاق اللحظة الأخيرة عبر محور الدوحة-إسلام آباد):

نضوج الوساطة القطرية-الباكستانية لفرض خطة تهدئة تدريجية تبدأ بوقف استهداف البنى التحتية والعمق الإيراني مقابل وقف الردود الإيرانية على القواعد البحرية والإقليمية، وإعادة العودة لميكانيزم ملاحي مرن.

ورغم أنه الخيار الوحيد لتفادي الكارثة، إلا أنه يواجه معضلة الثقة التامة وتشدد صناع القرار في واشنطن وطهران

خلاصة القول

إن معركة هرمز تجاوزت كونها نزاعاً على خطوط النفط؛ لقد تحولت إلى مواجهة مباشرة سقطت فيها الخطوط الحمراء بالكامل بين ضرب العمق الإيراني بالصواريخ والضربات الغربية، وبين تساقط القتلى والمصابين الأمريكيين وتضرر البنى الحيوية بالخليج والأردن.

واليوم، تقف المنطقة برمتها على مسافة طلقة واحدة أو خطأ تكتيكي واحد من تحول هذا التراشق إلى حريق إقليمي لا تبقي نيرانه ولا تذر.

شارك المقال: