الأمم المتحدة تواجه خطر الانهيار المالي
تنظر إدارة ترامب الحالية للأمم المتحدة ومؤسساتها باعتبارها بيئة "بيروقراطية ومسرفة" ولا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة بالشكل الكافي.

صورة تعبيرية للتقرير
وكالات الانباء – آخر الكلام
في تطور مفاجئ يعكس حجم الأزمة التي تضرب النظام الدولي الحالي، تواجه منظمة الأمم المتحدة خطرًا حقيقيًا بالوصول إلى حافة “الإفلاس المالي والانهيار الإداري”.
الأزمة لم تعد مجرد توقعات أو عجز في ميزانيات فرعية، بل تحولت إلى تهديد مباشر لبقاء المنظمة الدولية وشلل قدرتها على إدارة الأزمات حول العالم.
وجاءت الصدمة الكبرى بعد تقرير نشرته صحيفة وال ستريت جورنال الأمريكية، كشف فيه الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، عن “سباق متسارع نحو الإفلاس”، محملاً المسؤولية مباشرة إلى أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم:
الولايات المتحدة الأمريكية والصين، بسبب تمنعهما واحتجازهما لمليارات الدولارات من حصصهما التمويلية الإلزامية المقررة للمنظمة، مما يضع مستقبل العمل الدولي المشترك أمام منزلق خطير غير مسبوق.
د. أيمن منصور ندا يكتب: التقرير الذي عرف الأعراض وخاف من اسم المرض
أولاً: خفايا الأزمة.. ميزانية خاوية وصراع الكبار
بنيت منظمة الأمم المتحدة تاريخيًا على نظام حصص تمويلية تلتزم بها الدول الأعضاء بناءً على حجم اقتصادها، وتعد الولايات المتحدة والصين هما الممولان الأكبر للمنظمة ولعمليات حفظ السلام حول العالم.
التقارير المالية المسربة توضح أن الموقف المالي للمنظمة شهد تدهورًا متسارعًا وخطيرًا في الأشهر الأخيرة.
حيث قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالتزامن مع خطوات مماثلة من بكين، تجميد دفع مئات الملايين من الدولارات المستحقة كحصص أساسية.
هذا التزامن في حبس الأموال أدى إلى جفاف فوري في السيولة النقدية لدى المنظمة، وجعلها عاجزة عن الوفاء بأبسط التزاماتها الدورية.
مثل دفع رواتب الموظفين والمستشارين، وتشغيل المقار الرئيسية، وتمويل البعثات الدبلوماسية الإنسانية في مناطق النزاع المشتعلة.
ثانياً: لماذا تحتجز واشنطن وبكين أموال الأمم المتحدة؟
تحرك القوتين العظميين لحبس أموال التمويل لا يأتي من أزمة اقتصادية لديهما، بل هو استخدام صريح لسلاح المال للضغط السياسي وتحقيق مصالح خاصة:
1. الموقف الأمريكي وعقيدة ترامب:
تنظر إدارة ترامب الحالية للأمم المتحدة ومؤسساتها باعتبارها بيئة “بيروقراطية ومسرفة” ولا تخدم المصالح الأمريكية المباشرة بالشكل الكافي.
واشنطن تستخدم سلاح تجميد الحصص لإجبار المنظمة على إجراء تعديلات جذرية في إدارتها، وتقليص نفوذ بعض الدول المنافسة، والضغط لتمرير قرارات سياسية معينة تصب في مصلحة سياسة “أمريكا أولاً”.
2. الموقف الصيني وموازين النفوذ:
من جانبها، تحتجز بكين حصتها المالية كورقة مساومة موازية؛ فالصين تريد من الأمم المتحدة اعترافًا أكبر بنفوذها المتصاعد في آسيا وإفريقيا، وترفض استخدام واشنطن للتمويل كوسيلة ضغط أحادية.
هذا الصراع المباشر بين القطبين الكبيرين حوّل المنظمة الدولية من ساحة لفض النزاعات إلى ضحية مباشرة للحرب الباردة والاقتصادية المستعرة بين أمريكا والصين.
ثالثاً: مخاطر الانهيار.. ما الذي ينتظر العالم؟
تحذيرات أنطونيو غوتيريش من “الانهيار المالي” تعني أن العالم يقف أمام سيناريوهات كارثية إذا لم يتم تدارك الأمر سريعًا، وتتمثل أبرز المخاطر في:
توقف المساعدات الإنسانية:
إن إفلاس المنظمة يعني التوقف الفوري لبرامج الإغاثة، ومكافحة المجاعات، ورعاية اللاجئين التي تديرها منظمات مثل “الأونروا” و”برنامج الأغذية العالمي”، مما يهدد حياة ملايين البشر في الشرق الأوسط وإفريقيا.
شلل قوات حفظ السلام:
تواجه بعثات حفظ السلام الأممية (الخوذ الزرقاء) المنتشرة في مناطق الحروب خطر الانسحاب أو العجز الميداني بسبب غياب التمويل والمعدات، مما يفتح الباب لاندلاع حروب أهلية جديدة وفوضى أمنية واسعة.
فقدان الشرعية الدولية:
انهيار الأمم المتحدة ماليًا يعني عمليًا نهاية النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، وترك الساحة العالمية لشريعة الغاب، حيث تفرض الدول القوية إرادتها عسكريًا واقتصاديًا دون أي رادع قانوني أو دولي.
يؤكد هذا التطور المتسارع أن الأمم المتحدة تمر بالمنعطف الأقسى في تاريخها الحديث؛ فالمنظمة باتت رهينة مباشرة للصراع المالي والسياسي بين واشنطن وبكين.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة؛ فإما أن تصل الدول الكبرى إلى تسوية سياسية عاجلة تفرج بموجبها عن الأموال المحتجزة لإنقاذ المنظمة من السقوط، وإما أن يستمر هذا “السباق نحو الإفلاس”، لتعلن الأمم المتحدة عجزها الرسمي وتدخل البشرية مرحلة جديدة من الفوضى السياسية وغياب المرجعية الدولية.





