مقال بوك
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

إذا صفت رآت .. مقامات الصوفية (2)

الرمز في الأدب الصوفي مساحة يتسع فيها المعنى.. الصورة لا تُستعمل لإبهار القارئ.. تُستعمل لتوسيع الإدراك؛ فحين يتحدث النص عن النور.. فإن النور لا يُقصد به الضوء الفيزيائي وحده

مشاركة:
حجم الخط:

المقام الثاني

اللغة بين الرمز والكشف.. كيف تتكلم الروح؟

اللغة حين تتجاوز وظيفتها:
اللغة في استعمالها اليومي أداة تسمية وتحديد.. تشير إلى الأشياء كما هي في ظاهرها.. تضع لكل معنى إطارًا.. وتغلق الدلالة عند حدٍّ معلوم، غير أن اللغة في الأدب الصوفي لا تقف عند وظيفة الإشارة.. إنها تتقدم خطوة أخرى نحو التكوين.. تصنع المعنى بدل أن تنقله.. تستدعي التجربة بدل أن تصفها.. والكلمة هنا لا تؤدي دورًا إخباريًا.. إنها تفتح في الوعي مسافة جديدة للرؤية.
حين يكتب محيي الدين بن عربي في فصوص الحكم «فسبحان من أظهر الأشياء وهو عينها»¹ فإن العبارة لا تعمل في مستوى البيان المباشر.. التركيب اللغوي يحمل مفارقة داخلية.. الفعل أظهر يوحي بمغايرة بين المظهر والمُظهِر.. ثم تأتي عبارة وهو عينها لتقلب التصور المستقر للعلاقة بين الخالق والمخلوق في أفق التجلي الصوفي. القارئ هنا لا يتلقى تقريرًا عقديًا.. يدخل في حالة إعادة ترتيب ذهني.. اللغة تهز البديهيات كي تفتح باب التأمل في الأشياء التي نرى فيها جلال الخالق عز وجل وإبداعه.


الرمز كأفق للمعرفة:
الرمز في الأدب الصوفي مساحة يتسع فيها المعنى.. الصورة لا تُستعمل لإبهار القارئ.. تُستعمل لتوسيع الإدراك؛ فحين يتحدث النص عن النور.. فإن النور لا يُقصد به الضوء الفيزيائي وحده.. يُقصد به انكشاف البصيرة.. صفاء الرؤية.. حضور المعنى في القلب، وحين يتحدث عن البحر.. فإن البحر يصبح استعارة للاتساع.. للعمق.. للسر الذي لا يُحد.
في قصيدة الخمرية لـ ابن الفارض يقول «شربنا على ذكر الحبيب مدامة»².. اللفظة في ظاهرها حسية.. في باطنها تجربة وجدانية خالصة.. المدامة ليست شرابًا.. إنها حالة امتلاء روحي.. حالة انجذاب كلي إلى الحضور الإلهي كما يتصوره الشاعر.. هنا تعمل اللغة في مستويين متداخلين.. ظاهر يبقي على الإطار الحسي.. وباطن يفتح أفق الذوق: هل الخمر معناها خمر العقل وذهابه، أم معناها ذهاب الروح وتجليها في مقامات لا تستطيع اللغة المباشرة وصفها.
هذا الازدواج في الدلالة يجعل النص الصوفي نصًا مفتوحًا.. الكلمة لا تنتهي عند معنى واحد.. بل تظل قابلة للاتساع مع كل قراءة، الرمز هنا اعتراف بأن التجربة أوسع من العبارة المباشرة.
توتر الضمير وبناء الذات:
اللغة الصوفية تكشف أيضًا عن حركة داخل الذات.. الضمائر تتبدل.. الصوت ينتقل بين أنا وهو وأنت.. الحدود بين المتكلم والمخاطب تتسع حتى تكاد تذوب؛ ففي نصوص الحلاج تتكثف العبارة إلى حد يلامس المطلق³.. الجملة الشهيرة أنا الحق لا يمكن قراءتها قراءة حرفية سطحية.. إنها تعبير عن حالة ذوبان روحي.. عن شعور بالحضور يغمر الذات حتى لا ترى نفسها منفصلة.. وإن كان لنا وقفة عقدية معها في بطلان المعنى المباشر والصريح، فالله عز وجل فوق كل تصور، لكن التحليل اللغوي للخطاب الصوفي يكشف لنا أن هناك حالات من التجلي تصيب الصوفي تجعله يحاول بشتى الطرق أن يصيب معنى الاندماج في حب الله عز وجل حتى تصير الأشياء كلها تجلٍ لقدرته وتصبح مظاهر الكون هي مظاهر اسم الله البديع.


هذا التوتر في الضمير يعكس رؤية للإنسان لا تقوم على الثبات.. الإنسان في الخطاب الصوفي مشروع تحول دائم.. اللغة تحاول أن تمسك بهذا التحول.. فتأتي العبارة مشدودة إلى أقصى طاقتها.
بين البلاغة القديمة وتحليل الخطاب الحديث:
البلاغة العربية حين تحدثت عن الاستعارة والكناية والمجاز وضعت أدوات لفهم انتقال المعنى.. النص الصوفي يستخدم هذه الأدوات استخدامًا مكثفًا.. غير أن القراءة الحديثة تضيف زاوية أخرى وهي زاوية تحليل الخطاب.. حيث تُفهم اللغة بوصفها ممارسة تنتج واقعًا.. هل أصبح الكلام عميقًا.. حسنًا عزيزي القارئ لنبسط المفاهيم سويًا.. الصوفي يدخل في تجربة روحية يقترب فيها من إدماج كل شيء ليصبح دليلًا على حبه.. فلا يجد في اللغة العادية ما يعبر عن تجربته.. لذا يستخدم الرمز.. هل قلت “الرمز” حسنًا إنه ليس كودًا يكتبه على الآلة مثل الخوارزميات.. الرمز الصوفي لا يصف تجربة فحسب.. إنه يخلقها داخل القارئ.. يدفعه إلى إعادة النظر في موقعه من العالم.
لذا الكلمة في هذا السياق فعل.. تُحدث أثرًا.. تفتح أفقًا.. تعيد توزيع العلاقة بين الذات والمعنى. من يقرأ النص الصوفي قراءة سطحية يبحث عن تعريف.. ومن يقرأه قراءة خطابية يرى كيف تتحول العبارة إلى تجربة.
الرمز والواقع المعاصر:
قد يبدو الرمز الصوفي بعيدًا عن واقعنا اليومي المشغول بالسرعة والاستهلاك والتكنولوجيا.. غير أن هذا البعد الظاهري يخفي صلة عميقة.. الإنسان المعاصر يعيش في وفرة معلومات.. يملك أدوات معرفة لا حصر لها.. ومع ذلك يشعر بفراغ داخلي.. بشيء ناقص لا تملؤه البيانات.
اللغة الصوفية تقدم نموذجًا مختلفًا للمعنى.. لا تقوم على التكديس.. تقوم على الكشف.. في عالم يضج بالتصريحات المباشرة.. يعلّمنا الرمز كيف نقرأ ما وراء السطور.. كيف ننصت إلى ما لا يُقال. الصورة الصوفية لا تدعو إلى الهروب من الواقع.. تدعو إلى إعادة تأمله.. إلى إعادة اكتشاف العمق في ما يبدو مألوفًا.

حين يتحدث النص عن الطريق.. فإنه لا يحيل إلى مسار روحي منعزل عن الحياة.. يحيل إلى طريقة عيش.. إلى وعي جديد بالاختيار.. إلى يقظة داخل تفاصيل اليوم، والرمز هنا يصبح أداة مقاومة للسطحية.. مقاومة للابتذال اللغوي الذي يفرغ الكلمات من معناها.
الكشف بوصفه لحظة وعي:
الكشف في الأدب الصوفي ليس حدثًا خارقًا.. إنه لحظة صفاء داخلي يرى فيها الإنسان الأشياء بوضوح مختلف.. اللغة تحاول أن تسجل أثر هذه اللحظة.. أن تنقل ارتعاشتها الأولى.. غير أن ما يُكشف لا يُختصر في تعريف.. لذلك يظل النص الصوفي محتفظًا بمساحة غموض إيجابي.. مساحة تدعو القارئ إلى المشاركة لا إلى الاستهلاك.
الأدب الصوفي يربينا على قراءة أبطأ.. قراءة تستبقي السؤال مفتوحًا.. لا تبحث عن خاتمة حاسمة.. تبحث عن تحول داخلي، والرمز فيه ليس زخرفة بل أفق.. والكشف ليس نهاية الطريق بل بدايته.
خاتمة المقام:
حين تتكلم الروح لا ترفع صوتها.. لكن تتكلم بعمق ينشئ رمزًا، والرمز يفتح باب التأويل على اتساعه.. والكشف لا يُنهي الحيرة.. يمنحها معنى.. في عالم يفيض بالكلمات.. يبقى السؤال عن الكلمة التي تغيّر زاوية الرؤية هو السؤال الأهم.
ورد المقام.. الكلمة التي لا تهز يقينك لا تكشف لك شيئًا جديدًا.
الحواشي
1- محيي الدين بن عربي، فصوص الحكم، تحقيق أبو العلا عفيفي، بيروت: دار الكتاب العربي.
2- ابن الفارض، ديوان ابن الفارض، تحقيق يوسف زيدان، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3- الحلاج، الطواسين، تحقيق لويس ماسينيون، بيروت: دار الآفاق الجديدة.
أحمد عبد الجواد

شارك المقال: