مقال بوك
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب روائي

إبراهيم القاضي يكتب: فيلم (برشامة) ألازمة في النص

مشاركة:
حجم الخط:

بين ردهات دور العرض، نمضي أحيانًا بخطى متفائلة نحو شاشة نأمل أن نرى فيها مرآة لواقعنا، أو على الأقل.

نافذة تشرع أبواب المتعة والتسلية، هكذا دلفت إلى فيلم “برشامة”، وقضية الثانوية العامة تلقي بظلالها الثقيلة على عقولنا.

تلك القضية التي لا أراها —بحكم موقعي كمعلم يقف في الخطوط الأمامية لمرحلة الثانوية العامة— شائنًا يخص وزارة التعليم فقط.

بل صارت أمرًا يهدد الأمن القومي، حيث يُذبح تكافؤ الفرص على مقصلة “الغش”، وتُباع ضمائر الغد في سوق النخاسة التعليمية.

(برشامة) فيلم تشريح نفسي لمجتمع يقدّس الشهادة ويغتال الضمير

في الدقائق الأولى، استبشرت خيرًا، إذ جاء المشهد الافتتاحي غاية في الطرافة والغرابة.

تجسد في معركة كلامية حامية في سيارة أجرة، بين البطل “هشام ماجد” والفنانة “ريهام عبد الغفور”، أمطرت فيه ريهام هشام بوابل من الألفاظ القاسية والمهينة.

مما دفع السائق —في موقف شهامة عابر— إلى إيقاف سيارته حاسمًا، وآمراً إياها بالنزول الفوري انتصارًا للحق.

لكن الدراما التفت هنا بحركة شديدة الخبث والدهاء

حيث أخرجت البطلة، التي تعمل راقصة، بطاقة دعوة من حقيبتها وقدمتها للسائق، وفي ثوان معدودات، تبدلت موازين العدالة، فما كان من السائق إلا أن أطاح بالبطل خارج السيارة واستبقى الراقصة!

كان هذا المشهد الكوميدي الخارج عن المألوف يحمل فكرة طازجة وأداء عفوي.

فظننت أنني أمام عمل فني يستل السخرية سلاحًا، ويجعل من الكوميديا السوداء سوطًا يجلد به تحولات المجتمع وظواهره السيئة، وقلت في نفسي:

“ها هي السينما تستعيد عافيتها، وتتوسل بالضحكة الذكية لتشريح الوجع”

ولم يكد القطار ينطلق بعد تلك البداية الواعدة، حتى تهاوت المشاهد في واد سحيق من الاستخفاف والابتذال،.

تحولت الكوميديا الموعودة إلى استظراف فج، وإعادة تدوير لإيفيهات مستهلكة، وباتت الشاشة الكبيرة تتسول الضحكة بتلاعب طفولي بالألفاظ.

إن الجرم الأكبر الذي ارتكبه هذا العمل يكمن في تلك الخطيئة الدرامية التي جعلت من “الغشاشين” أبطالًا يتواطأ الوجدان معهم، ويُصفق الجمهور لذكائهم المزعوم.

​كيف لصناع العمل أن يستخفوا بقضية أرى آثارها الدامية كل عام في عيون تلامذتي؟

إنهم لا يدركون أن مصر تخسر على أقل تقدير خمسة آلاف طالب من الموهوبين والعباقرة سنويًا بسبب الغش.

هؤلاء الصفوة من شبابنا

حين يرون أحلامهم تُسرق أمام أعينهم، يتحولون بفعل القهر والظلم إلى دهاليز الاكتئاب.

أو مهاوي اليأس والإحباط واللامبالاة، وربما إلى التطرف انتقامًا من مجتمع لم ينصفهم.

في الوقت الذي يتصدر فيه الصفوف الأولى طلبة أقل منهم بكثير في الموهبة والذكاء، لكنهم ملكوا القدرة والسلطة والمال للتمكن من الغش.

​إن الغش قضية أمن قومي بامتياز.

تجهلها النخب السياسية والمثقفة أو تضعها في درجة متدنية من أولوياتها، ما يكشف إنعزال تلك النخب عن الشارع وتعاليها على هموم الناس، بالرغم أنها في غاية الخطورة والأهمية.

لقد كان التعليم في الماضي هو الملاذ الآمن لأبناء الفقراء والطبقة الوسطى.

والوسيلة النبيلة الوحيدة للترقي الاجتماعي وبناء الذات، واليوم، جاء الغش ليصنع حاجزًا كبيرًا بين الموهوبين المتفوقين وبين أحلامهم التي تضيع هباءً منثورًا لصالح اللصوص والانتهازيين.

​الأزمة، كل الأزمة، هي “أزمة ورق”

لدينا ممثلون يملكون الموهبة، لكنهم وقفوا عراة أمام نص مهلهل لا يحمل عمقًا ولا يملك رؤية.

لقد تآكلت النصوص السينمائية حتى باتت مجرد “اسكتشات” مبعثرة تفتقد لتماسك الرواية وعمق الفكرة.

​خرجتُ من القاعة وفي فمي مرارة، وفي نفسي عتب شديد على فن كانت يومًا يقود الوعي العربي، فلم يكن فيلم “برشامة” سوى تجربة مخيبة للآمال.

تؤكد أن معالجة القضايا الكبرى لا تحتاج إلى نجوم يملؤون الشاشة صخبًا.

بل إلى قلم مبدع، يدرك أن الضحك الحقيقي هو ذلك الذي يولد من رحم المأساة.

وليس الذي يتراقص على جثث القيم ويصنع من السارق بطلاً يقتدي به جيل تائه.

شارك المقال: