كيف نفهم المفاوضات الأمريكية- الإيرانية؟
المفاوضات التي جرت خلال الساعات الأخيرة عبر الوسطاء العمانيين والقطريين والباكستانيين أظهرت أن قضية الملاحة أصبحت البند الأكثر حساسية داخل محادثات وقف الحرب.

مضيق هرمز نقطة التحول في مفاوضات التسوية
بقلم: عزت إبراهيم
مضيق هرمز نقطة التحول
إيران تنظر إلى مضيق هرمز في هذه المرحلة باعتباره أكثر من مجرد ممر بحري أو ورقة ضغط مرتبطة بالحرب.
فهي تتعامل معه باعتباره نقطة إعادة تأسيس لدورها الإقليمي بعد شهور من المواجهة العسكرية والاستنزاف الاقتصادي والعقوبات.
لذلك تحاول طهران أن تحول سيطرتها الجغرافية على الضفة الشمالية للمضيق إلى نفوذ سياسي دائم يفرض نفسه على أي ترتيبات تخص أمن الخليج والطاقة والتجارة العالمية.
لهذا جاءت فكرة “سلطة مضيق الخليج الفارسي” باعتبارها محاولة لتحويل النفوذ العسكري المؤقت إلى بنية تنظيمية مستمرة تعطي إيران موقع “المنظم الإجباري” للملاحة في المنطقة.
ترامب: تم التفاوض على جزء كبير من الاتفاق مع إيران
إعلام عبري: إسرائيل تخشى اتفاقًا مرحليًا بين واشنطن وطهران
الوساطة وقضية الملاحة
المفاوضات التي جرت خلال الساعات الأخيرة عبر الوسطاء العمانيين والقطريين والباكستانيين أظهرت أن قضية الملاحة أصبحت البند الأكثر حساسية داخل محادثات وقف الحرب.
لأن النقاش لم يعد يقتصر على وقف الضربات أو تبادل التهدئة، وإنما انتقل إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بكيفية إدارة الخليج بعد توقف العمليات العسكرية؟
وهل تعود الملاحة إلى النظام القديم القائم على حرية المرور الكاملة؟
أم يتم الاعتراف ضمنيا بترتيبات أمنية جديدة تمنح إيران دورا دائما في تنظيم العبور؟
طهران تحاول استغلال حقيقة استراتيجية شديدة الأهمية، وهي أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، لا تستطيع إلغاء أثر الجغرافيا الإيرانية على التجارة العالمية.
فالمضيق الضيق الذي تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات النفط والغاز العالمية يمنح إيران قدرة على التأثير في الاقتصاد الدولي تتجاوز كثيرا وزنها الاقتصادي المباشر.
لذلك تعتمد القيادة الإيرانية على فكرة أن السيطرة على “العقدة الجغرافية” قد تكون أحيانا أكثر فاعلية من امتلاك التفوق العسكري التقليدي.
التحول الأخطر في السلوك الإيراني خلال الأيام الأخيرة أن طهران انتقلت من سياسة “التهديد بالإغلاق” إلى سياسة “إدارة المرور”
ففي الأزمات السابقة كانت إيران تلوح بإغلاق المضيق أو استهداف السفن.
أما الآن فهي تتحدث عن تصاريح عبور، ومسارات بحرية محددة، وتنسيق أمني إلزامي، ورسوم، وآليات إشراف.
هو تحول يكشف أن إيران تريد نقل الأزمة من مرحلة الضغط العسكري المؤقت إلى مرحلة إعادة صياغة قواعد الملاحة نفسها.
المحادثات الأخيرة كشفت أيضا أن واشنطن تنظر إلى الأزمة من زاوية أوسع بكثير من مجرد الحرب مع إيران.
فالإدارة الأمريكية تعتبر أن القضية الأساسية تتعلق بحماية النظام البحري العالمي الذي قامت عليه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
لهذا ترى واشنطن أن أي قبول عملي بفكرة الرسوم أو التصاريح الإيرانية قد يفتح الباب أمام دول أخرى لمحاولة فرض ترتيبات مشابهة في مضائق استراتيجية أخرى حول العالم.
تصريحات ترامب وروبيو خلال اليومين الماضيين حملت رسالة واضحة بأن الولايات المتحدة مستعدة لمناقشة ترتيبات مرتبطة بخفض التصعيد وعودة الملاحة تدريجيا.
لكنها ترفض بصورة قاطعة أي صيغة تمنح إيران شرعية دائمة في إدارة المرور داخل المضيق.
لأن واشنطن تخشى أن يتحول القبول المؤقت بهذه الترتيبات إلى واقع سياسي وقانوني دائم يصعب التراجع عنه لاحقا.
الصين تبدو في موقع معقد للغاية داخل هذه الأزمة.
فهي من جهة تعتمد بصورة كبيرة على النفط الخليجي وعلى استقرار التجارة البحرية.
ومن جهة أخرى لا تريد خسارة شراكتها الاستراتيجية مع إيران.
لهذا ظهر خلال الساعات الأخيرة نوع من التقارب غير المعلن بين بكين وواشنطن في رفض فكرة تحويل المضيق إلى نظام رسوم أو تصاريح سيادية.
لأن الصين تدرك أن نجاح النموذج الإيراني قد يشجع مستقبلا على تطبيق منطق مشابه في مضيق ملقا أو ممرات بحرية حيوية بالنسبة لها.
دول الخليج تنظر بقلق بالغ إلى المسار الذي تتجه إليه المفاوضات.
لأن العواصم الخليجية تخشى أن تنتهي الحرب بتفاهم أمريكي إيراني يمنح طهران نفوذا بحريا أوسع داخل الخليج.
لهذا كثفت الإمارات والسعودية خلال الأيام الأخيرة اتصالاتهما مع واشنطن والعواصم الأوروبية للتأكيد على رفض أي ترتيبات تمس السيادة البحرية الخليجية أو تسمح بتحويل هرمز إلى مساحة نفوذ إيرانية غير مباشرة.
إيران تستخدم الوقت نفسه كجزء من استراتيجيتها التفاوضية
فهي تدرك أن استمرار تعطل الملاحة وارتفاع أسعار التأمين والطاقة يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، ويجعل القوى الكبرى أكثر رغبة في الوصول إلى تسوية.
ولذلك لا تبدو طهران مستعجلة للوصول إلى اتفاق سريع بقدر حرصها على انتزاع أكبر قدر ممكن من الاعتراف السياسي بدورها الإقليمي.
المفاوضات الحالية تكشف أزمة ثقة عميقة بين واشنطن وطهران.
فإيران تخشى أن يؤدي فتح المضيق بالكامل قبل التوصل إلى اتفاق شامل إلى فقدان أهم أوراق الضغط التي تملكها.
بينما تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي القبول بترتيبات مؤقتة إلى تثبيت أمر واقع دائم يمنح إيران قدرة مستمرة على التحكم في الملاحة.
فكرة “الممرات الآمنة” التي تتحدث عنها إيران تحمل بعدا سياسيا أكبر بكثير من بعدها الأمني.
لأن طهران تريد أن يصبح مرور السفن مرتبطا بالتعامل معها باعتبارها القوة التي تحدد قواعد الأمن البحري في الخليج.
وهو ما يعني عمليا تحويل المضيق من مساحة عبور دولية إلى مساحة تفاوض سياسي دائم.
شركات الشحن والطاقة أصبحت جزءا غير مباشر من عملية التفاوض.
لأن الضغوط الاقتصادية الناتجة عن توقف السفن وارتفاع التأمين وأسعار النقل دفعت حكومات آسيوية وأوروبية إلى الضغط باتجاه الوصول إلى صيغة مؤقتة تعيد تدفق التجارة حتى قبل الوصول إلى تسوية سياسية كاملة.
القطاع البحري العالمي يعيش حاليا حالة غير مسبوقة من الارتباك.
فالمخاطر لم تعد مرتبطة فقط بالهجمات العسكرية أو الألغام البحرية، وإنما بالمخاطر القانونية والمالية أيضا.
حيث تخشى شركات التأمين والبنوك العالمية من أن يؤدي التعامل مع الرسوم أو التصاريح الإيرانية إلى تعريضها للعقوبات الأمريكية أو للمساءلة القانونية لاحقا.
الأزمة الإنسانية للبحارة العالقين داخل الخليج تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ملف دولي بحد ذاته، بعدما تحدثت تقارير دولية عن عشرات الآلاف من البحارة الذين يعيشون منذ أسابيع داخل سفن متوقفة وسط ظروف معيشية ونفسية صعبة.
وهو ما يكشف كيف تحولت الجغرافيا البحرية إلى مصدر ضغط إنساني عالمي.
المضيق تحول فعليا إلى “مقياس يومي” لنجاح أو تعثر المفاوضات.
فكل زيادة أو انخفاض في عدد السفن العابرة يتم التعامل معها باعتبارها مؤشرا سياسيا على اتجاه المحادثات، وهو ما جعل الملاحة نفسها تتحول إلى لغة تفاوض بين القوى المتصارعة.
القوى الأوروبية بدأت تنظر إلى الأزمة باعتبارها تهديدا مباشرا لبنية الاقتصاد العالمي، وليس مجرد مواجهة إقليمية في الخليج.
ولهذا ظهرت خلال الأيام الأخيرة تحركات داخل الأمم المتحدة وفي العواصم الأوروبية للبحث عن آليات دولية تضمن حرية الملاحة وتمنع تحول المضيق إلى منطقة نفوذ مغلقة.
الأزمة الحالية كشفت حدود القوة العسكرية التقليدية في إدارة الممرات البحرية
فالولايات المتحدة تمتلك أكبر قوة بحرية في العالم، لكنها لا تستطيع إزالة التأثير الذي تفرضه الجغرافيا الإيرانية على حركة التجارة والطاقة.
وهو ما يفسر لماذا تحولت المفاوضات إلى ساحة أساسية للصراع بالتوازي مع القوة العسكرية.
ما يحدث في هرمز يعكس تحولا أوسع في طبيعة النظام الدولي
حيث بدأت الممرات البحرية تعود لتصبح أدوات مباشرة لإعادة توزيع القوة العالمية بعد عقود من العولمة والانفتاح التجاري.
وهو ما يفسر القلق الدولي المتزايد من “عدوى المضائق” واحتمال انتقال هذا النموذج إلى مناطق أخرى حول العالم.
إيران تراهن على أن العالم يحتاج إلى استقرار المضيق أكثر مما تحتاج هي إلى إغلاقه.
ولذلك تحاول استخدام هذه الحاجة الدولية لفرض معادلة جديدة تجعل أي استقرار مستقبلي في الخليج مرتبطا بالاعتراف بدورها الأمني والسياسي، وليس فقط بوقف الحرب الحالية.
جوهر الصراع في الساعات الأخيرة لم يعد يدور فقط حول إنهاء العمليات العسكرية، وإنما حول من يملك حق تعريف “حرية الملاحة” نفسها.
وهل تبقى الممرات البحرية الدولية فضاءات محايدة تحكمها قواعد عامة؟
أم تتحول تدريجيا إلى مناطق نفوذ تديرها القوى الإقليمية القادرة على استغلال الجغرافيا كسلاح سياسي واستراتيجي؟






