مقالات
د. محمود عبد اللطيف
د. محمود عبد اللطيف

خبير تربوي

محمود عبد اللطيف يكتب: أما السيادة أو الفوضى

ينما تتساقط الصواريخ الإيرانية على قواعد أمريكية في بعض الدول العربية، نجد تلك الدول ذاتها تهرول إلى استجداء مساعدة الآخرين.بينما كانت هي نفسها قد اتخذت قرار استضافة تلك القواعد منفردة، دون تشاور مع جيرانها الذين تحملوا ويلات العدوان الإسرائيلي لعقود.

مشاركة:
حجم الخط:

القواعد الأجنبية: احتلال ناعم بثمن فادح

لم تكن القواعد العسكرية الأمريكية على الأراضي العربية يومًا مجرد منشآت دفاعية ثنائية، بل كانت وما زالت محور معادلة إقليمية معقدة.

استُخدمت لعقود في حماية إسرائيل وتأمين تفوقها العسكري.

ثم تحولت لاحقًا إلى أهداف مكشوفة في صراعات بالوكالة لا تمت للدول المضيفة بصلة.

اليوم، وبينما تتساقط الصواريخ الإيرانية على قواعد أمريكية في بعض الدول العربية، نجد تلك الدول ذاتها تهرول إلى استجداء مساعدة الآخرين.

بينما كانت هي نفسها قد اتخذت قرار استضافة تلك القواعد منفردة، دون تشاور مع جيرانها الذين تحملوا ويلات العدوان الإسرائيلي لعقود.

إنه المشهد الأكثر تعبيرًا عن مأزق الأمن العربي الراهن:

دول تدفع ثمن قراراتها المنفردة، وأخرى تدفع ثمن عدوان إسرائيلي استمر بفعل غطاء أمريكي انطلق من قواعد على أراضٍ عربية، والجميع في النهاية يخرج من المعادلة خاسرًا، بينما تبقى الشعوب العربية وحدها تدفع الفاتورة الأغلى: الدماء، والسيادة، والمستقبل.

استغلال القواعد: من حماية إسرائيل إلى فتح جبهات إقليمية

لطالما شكلت القواعد العسكرية الأمريكية في الدول العربية العمود الفقري للاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

فمن البحرين إلى قطر، ومن الكويت إلى العراق والإمارات، لعبت هذه القواعد دورًا محوريًا في تأمين التفوق العسكري الإسرائيلي، وتوفير غطاء لوجستي واستخباراتي مكّن إسرائيل من مواصلة عدوانها على الدول العربية المجاورة: لبنان، سوريا، وفلسطين.

هذه القواعد لم تكن مجرد نقاط تمركز عسكري، بل كانت بمثابة بنادق موجهة نحو الأمن القومي العربي. فإسرائيل، التي استفادت من هذا الغطاء، استمرت في انتهاك السيادات العربية، ووسعت عدوانها إلى إيران عبر استغلال الأجواء والقواعد الأمريكية في المنطقة، مما أدى إلى تحويل الدول العربية إلى ساحة مفتوحة للصراع الإيراني-الأمريكي.

والنتيجة؟ المنطقة العربية أضعفت نفسها بيدها. أصبحت دولها خزانات لصراعات الآخرين، بينما تآكلت سيادتها وتفككت منظوماتها الأمنية الإقليمية.

التناقض الفاضح: قرار فردي واستجداء جماعي 

المفارقة الأكثر إيلامًا أن بعض الدول التي استضافت هذه القواعد، ووافقت عليها باتفاقات ثنائية دون أدنى تشاور مع الدول العربية الأخرى، باتت اليوم تطلب المساعدة من تلك الدول نفسها للدفاع عن القواعد الأمريكية على أراضيها، وليس للدفاع عن الدولة ذاتها أو عن سيادتها الوطنية.

هذا المشهد يعكس خللًا بنيويًا في مفهوم الأمن العربي:

أمن فردي على حساب الجماعة، ثم استجداء جماعي عندما يفشل الأمن الفردي.

كيف يُطلب من الدول العربية أن تساند دولة في مواجهة عدوان إيراني على قاعدة أمريكية على أراضيها، بينما تلك الدولة لم تتحمل يومًا مسؤولية التضامن مع جيرانها الذين تعرضوا للعدوان الإسرائيلي بغطاء من نفس القواعد؟ كيف يُنتظر من الدول العربية أن تترك موقف المراقبة والبيانات، بينما لم تُشرك في القرار الذي أوصل المنطقة إلى هذا المأزق؟

موقف المراقب لم يعد خيارًا

صحيح أن بيانات الشجب والاستنكار لم تعد مجدية، لكن الأكثر خطورة أن الدول العربية المتضررة من نتائج الحرب الحالية لم تعد تملك خيار المراقبة السلبي أيضًا. فالوضع اليوم يتطلب أكثر من مجرد بيانات، ويتطلب أكثر من ردود فعل متفرقة.

المنطقة اليوم أمام مفترق طرق:

إما الاستمرار في حالة التفكك، حيث تبقى القواعد الأجنبية تجلب الصراعات، وتُطلب المساعدة لحمايتها، بينما تُترك الشعوب العربية تحت وطأة الحروب والتدخلات الخارجية، وتظل إسرائيل تستفيد من الغطاء ذاته لمواصلة عدوانها.

وإما الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل العربي المشترك، تقوم على تصور واضح: لا لقواعد أجنبية تُستخدم ضد الأمن القومي العربي، ولا لصراعات بالوكالة على الأراضي العربية، ولا لاستمرار العدوان الإسرائيلي دون ردع حقيقي.

بناء منظومة أمنية عربية: من السيادة المنفردة إلى السيادة المشتركة

الخلاص من هذه الحلقة المفرغة لا يكون بمزيد من التحالفات الفردية مع القوى الخارجية، بل بإعادة بناء منظومة أمنية عربية قائمة على السيادة المشتركة والدفاع الجماعي.

هذه المنظومة تتطلب:

· مراجعة شاملة لاتفاقيات القواعد العسكرية الأجنبية.
· آلية تشاور عربي ملزمة قبل السماح لأي قوة خارجية باستخدام الأراضي العربية لأغراض عسكرية.
· استراتيجية دفاع عربي موحد قادرة على ردع العدوان الإسرائيلي، وليس فقط إدارة الصراعات بالوكالة.
· فصل المصالح العربية عن الصراعات الإقليمية، بحيث لا تدفع الدول العربية ثمن صراعات لا تمت لها بصلة.

الخلاصة :

اليوم، والمنطقة تشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد أمام الدول العربية سوى خيارين: إما أن تستمر في مسارها الحالي، فتظل رهينة لصراعات الآخرين وتدفع الثمن مضاعفًا، وإما أن تتخذ قرارًا جريئًا ببناء أمنها بيدها، بعيدًا عن الاستقواء بالخارج والاستجداء له.

حان الوقت لأن تكون القرارات العربية جماعية، والدفاع عنها مشتركًا، والثمن الذي تدفعه الشعوب عادلاً وليس مضاعفًا.

فإما السيادة المشتركة، أو الفوضى المقسومة.

شارك المقال: