مقال بوك
د. احمد السيد الصاوي
د. احمد السيد الصاوي

أستاذ الأثار المصرية

ماذا لم تؤثر الاغتيالات في إيران؟

من نوافل القول أن الأنظمة التي تم اختراقها هيكليا لسنوات طويلة أو تولدت داخلها جماعات مصالح في غيبة من القانون يمكن أن تتداعى بمجرد القضاء على رؤوسها.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد حروب فروسية بل أوغاد

لأن الحروب لم تعد تخضع لقواعد الفروسية منذ أمد بعيد وأضحت على شكل متسارع مع التقدم التكنولوجي حروبا للجبناء الأوغاد لا البواسل الشجعان فقد تراجع مع تلك التغيرات الحاسمة دور “القائد الفرد” لاسيما مع تطور وسائل الاتصالات ونقل المعلومات والأوامر.

النظام الإيراني 

في الأنظمة المحافظة مثل النظام الإيراني تتباطئ وتيرة تغيير القيادات والزعامات التي تتصدر المشهد السياسي، يواكب ذلك غالبا نشأة ما يشبه الغلاف حول كل منها يضم مزيجا فريدا في تناقض مكوناته فهناك دوما الأتباع المخلصون Yes Men والفنيون والتكنوقراط من الخبراء وهؤلاء مهمتهم تحسين جودة القرارات والسياسات.

يرجع لهم دوما مما يجعلهم أقرب لعقل للنظام ولكنه عقل “المستشار” وليس عقل “القائد” ومع هؤلاء بالطبع لن يخلو المجال من الأقارب والعناصر الانتهازية بل والخونة أيضا.
وعندما تكون للنظام عقيدة أو إيديولوجية فإنه يبقى قادرا على توليد صفوف من القيادات المشتبعة بتلك العقيدة والتي تبقى في ظل القيادات.
لكن خبراتها وتأثيراتها تزداد تدريجيا بتقدم تلك القيادات العتيدة في السن وتخليها بالتفويض أو بالممارسة عن بعض صلاحياتها وجل تدخلاتها العميقة في صنع الرؤى واتخاذ القرارات.

حروب التحرير تختلف أوضاع القيادة 

هذا وضع يختلف كليا عن أوضاع القيادة مثلا في حروب التحرير أو حروب العصابات حيث الأوضاع أقل استقرارا ومؤسسية.

حيث يلعب القادة دورا محوريا يصعب تعويضه بسهولة حتى أن قتل القائد الرئيسي وعدد من مساعديه يمكن أن يدفع بالاوضاع للتشرذم والعودة لعدة سنوات للوراء.

الأنظمة المخترقة هيكليا
ومن نوافل القول أن الأنظمة التي تم اختراقها هيكليا لسنوات طويلة أو تولدت داخلها جماعات مصالح في غيبة من القانون يمكن أن تتداعى بمجرد القضاء على رؤوسها.

فالعملاء جاهزون لوراثة الأوضاع بكل سلاسة ومن هنا فإن خيار “قطع الرأس” الذي تحبذه العقلية الاستعمارية يبدو عمليا وأقل كلفة وأخصر للوقت

الاغتيال وسيلة معتمدة 

يمكن أن نلمح كيف سعت لندن وواشنطون وتل أبيب ومعهم عواصم عربية أيضا لاغتيال عبد الناصر ولم تتخل عن هذا الهدف لحظة ونقدر كيف كان رحيل الرجل مؤثرا بشدة.

لاحظنا بالطبع كيف أن واشنطون وتل أبيب اعتمدا في العقدين الأخيرين على الاغتيالات لتصفية قيادات إيرانية وفلسطينية ولبنانية وعراقية حتى أصبحت الاغتيالات وسيلة معتمدة خاصة مع تطور تقني هائل قلل لحد بعيد من مخاطر فشل عمليات الاغتيال السياسي والتصفيات الجسدية.

لن تفلح محاولات تغيير إيران من الخارج 

والنظام الإيراني طالما بقيت القناعة الشعبية به وبعقيدته فإن كافة محاولات تغييره من “الخارج” بما فيها الاغتيالات والتصفيات للقيادات التي تتصدر المشهد سيكون مصيرها الفشل.

بل ربما أدت إلى العكس من أهدافها بظهور قيادات قد تكون أقل شعبية وكاريزمية ولكنها أكثر إصرارا وتمسكا بنهج النظام لاسيما وأن الأعداء لم يقصروا في البرهنة على أنهم عدو لا تؤمن بوائقه ولا تصدق وعوده.

يمكن أن نرى ملمحا يؤكد ما نحاول توضيحه من فشل سياسة قطع الرؤوس في حالة حزب الله وإن كانت حالة أقل تماسكا وتجذرا من النظام الإيراني ولا تمتلك دولة ولا مقدرات بشرية ومادية وعسكرية تذكر.

عقود طويلة مرت على نظام “ولاية الفقيه” جعلت منه تجربة عقائدية لها دعائم استقرار لأمد ليس بالقصير ولم تعد ولاية الفقيه مغامرة أو طموحا شخصيا لروح الله آية الله الخميني.

شارك المقال: