مصر وسط عاصفة الشرق الأوسط
مصر في موقع فريد يسمح لها بالتواصل مع جميع الأطراف: من الولايات المتحدة وأوروبا ، إلى إيران ، مرورًا بجميع دول الخليج وتركيا

في زمن يضطرب فيه الشرق الأوسط كبحر هائج، تتصاعد الأحداث بسرعة مذهلة. فمنذ نهاية فبراير 2026، تشهد المنطقة تصعيدًا عسكريًا خطيرًا إثر الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تلاها من ردود إيرانية استهدفت القواعد الأمريكية في دول الخليج، لتضاف هذه الجولة إلى نزاعات مفتوحة في غزة ولبنان والسودان.
وسط هذا المشهد المأزوم، يبرز الموقف المصري كصوت يسعى للتهدئة والحوار، لكن السؤال الأهم: هل يكفي الموقف الحالي، أم أن المرحلة تتطلب خطوات أكثر جرأة واستباقية؟
ما هو موقف مصر من الأحداث الجارية؟
تتحرك الدبلوماسية المصرية على أكثر من مسار في آن واحد، حاملةً رسالة واضحة قوامها رفض التصعيد والتمسك بالحل السياسي.
ففي الأيام القليلة الماضية وحدها، أجرى الرئيس عبد الفتاح السيسي اتصالات هاتفية مع قادة قطر والإمارات ، والرئيس الإيراني ، والرئيس الفرنسي .
كما كثف وزير الخارجية بدر عبد العاطي اتصالاته ولقاءاته مع مسؤولي البحرين والكويت ، وأمير قطر ، ومسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي ، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو .
هذا الحراك المكثف يعكس رؤية مصرية تقوم على عدة ثوابت:
· الرفض القاطع لاستهداف الدول العربية: تكرر في كل البيانات المصرية “الإدانة الكاملة والرفض المطلق” للهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق، مع التأكيد على أن هذه الدول لم تشارك في الحرب .
الأمن امتداد طبيعي
يصر المسؤولون المصريون على أن “أمن الخليج امتداد للأمن القومي المصري” ، وهي مقولة تترجم إدراكًا عميقًا بأن استقرار المنطقة كل لا يتجزأ.
· أولوية الحل الدبلوماسي
تؤكد القاهرة مرارًا أن “الحلول العسكرية غير مجدية” وأن الأولوية يجب أن تكون للدبلوماسية والحوار لإنهاء الحرب ومنع الانزلاق إلى “فوضى شاملة” .
من أبرز ما طرحته مصر في هذا السياق هو الدعوة المتكررة لتفعيل آلية الدفاع العربي المشترك وتشكيل قوة عربية موحدة . هذه الدعوة، التي تستند إلى معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية عام 1950، تعكس إدراكًا مصريًا بأن التحديات الحالية تتجاوز قدرات الدول منفردة، وأن هناك حاجة ملحة لردع أي اعتداءات على الدول العربية بطريقة جماعية ومنظمة.

ما الذي يجب على مصر فعله؟
إذا كان الموقف الحالي يعكس تحركًا جيدًا على مستوى “إدارة الأزمة”، فإن طبيعة المرحلة تستدعي الانتقال إلى مستوى “صنع القرار” و”استباق الأحداث”.
هناك عدة خطوات يمكن لمصر أن تبادر بها لتعظيم تأثيرها:
أولاً: الانتقال من الدعوة إلى التنفيذ في ملف القوة العربية المشتركة
لا يكفي تكرار الدعوة لتشكيل قوة عربية مشتركة، بل يجب الانتقال إلى خطوات عملية.
يمكن لمصر أن تستضيف اجتماعًا طارئًا لوزراء الدفاع والخارجية العرب لوضع تصور عملي لهذه القوة. الفكرة لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحة في ظل عجز المنظومات القائمة عن حماية الدول العربية من الانتهاكات. الحديث عن “تفعيل مفهوم الأمن الجماعي” يجب أن يترجم إلى خريطة طريق واضحة بجداول زمنية.

ثانيًا: توظيف العلاقات المتوازنة للعب دور الوسيط
مصر في موقع فريد يسمح لها بالتواصل مع جميع الأطراف: من الولايات المتحدة وأوروبا ، إلى إيران ، مرورًا بجميع دول الخليج وتركيا.
هذا الرصيد الهائل من العلاقات يؤهل القاهرة للعب دور الوسيط الموثوق. بدلًا من أن تكون مجرد ناقل للرسائل
مبادرة شاملة لخفص التصعيد
يمكنها أن تتبنى مبادرة شاملة لخفض التصعيد تتضمن خارطة طريق متكاملة: وقف إطلاق النار، وآليات لضمان عدم استهداف الدول العربية، وعودة الجميع إلى طاولة المفاوضات.
هذا ما أشارت إليه التقارير حين تحدثت عن استعداد مصر “للبذل قصارى جهدها للوساطة” .
ثالثًا: تحصين الجبهة الداخلية اقتصاديًا
يدرك صانع القرار المصري أن الأمن القومي لا ينفصل عن الأمن الاقتصادي.
التصعيد الحالي في المنطقة تسبب بالفعل في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وزيادة تكاليف الشحن .
هنا، يجب أن يتوازى التحرك السياسي مع تحرك اقتصادي على جبهتين:
· داخليًا: التعجيل بتنفيذ الإصلاحات الهيكلية التي تزيد من صلابة الاقتصاد المصري وقدرته على استيعاب الصدمات الخارجية.
· خارجيًا: العمل مع دول الخليج على إنشاء شبكة أمان عربية للحد من التداعيات الاقتصادية للحرب على الدول الأكثر تضررًا.
رابعًا: عدم إغفال العمق الإفريقي
في خضم الانشغال بأحداث الشرق الأوسط، لا يجب أن تهمل مصر بُعدها الإفريقي، خاصة في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.
فالتقارير تشير إلى تحركات مصرية مكثفة في إفريقيا لحماية الأمن المائي وضمان سلامة الملاحة في البحر الأحمر .
هذه المنطقة شديدة الحساسية لأمن مصر القومي، وأي فراغ أو اضطراب فيها سيفتح جبهة جديدة للصراع. يجب أن يستمر التنسيق مع دول المنابع في إطار القانون الدولي، مع تعزيز الشراكات التنموية التي تجعل التعاون مصلحة مشتركة للجميع.
الخلاصة
تقف مصر اليوم أمام مسؤولية تاريخية. الموقف الذي تتبناه القاهرة حاليًا – القائم على دعم أشقائها الخليجيين، ورفض الاعتداءات، والدعوة للحل الدبلوماسي – هو موقف محترم ومطلوب. لكن العبرة ليست بالمواقف وحدها، بل بالقدرة على التأثير في مجرى الأحداث.
لا تننتظر النار
المرحلة لا تحتمل الانتظار، وتحتاج إلى مبادرة مصرية نشطة تتحول فيها القاهرة من متحدث باسم الموقف العربي إلى قائد فعلي لجهود التهدئة وصانع لتوافقات جديدة تعيد الاستقرار للمنطقة.
فإما أن ننتظر حتى تبتلعنا النار من كل اتجاه، وإما أن نبادر ببناء جدران الحماية العربية المشتركة التي تبقينا جميعًا في أمان. الخيار صعب، لكنه لم يعد يحتمل التأجيل.






