مقالات

ملحمة إنقاذ معبد ابو سمبل

تخيل لو استيقظ العالم ذات يوم ليجد أحد عجائبه الآثرية قد اختفى إلى الأبد تحت أمواج بحيرة صناعية.هذا هو المصير الذي كاد ان يلحق بمعبدي أبو سمبل،. فعلى الضفاف الصخرية…

مشاركة:
حجم الخط:

 

بقلم: م. هاني الحسيني

تخيل لو استيقظ العالم ذات يوم ليجد أحد عجائبه الآثرية قد اختفى إلى الأبد تحت أمواج بحيرة صناعية.هذا هو المصير الذي كاد ان يلحق بمعبدي أبو سمبل،. فعلى الضفاف الصخرية لبحيرة ناصر، يقف معبدا أبو سمبل كشاهد أبدي على عظمة الحضارة المصرية القديمة وبراعة الهندسة الحديثة هذه قصة الملحمة الأسطورية التي جمعت العالم في سباق مع الزمن لإنقاذ كنز إنساني من الغرق، في واحدة من أعقد وأجرأ عمليات الإنقاذ الهندسي في التاريخ.

عندما ينحت الفرعون مجده في الصخر: معبدا المجد والحب

في حوالي عام 1264 قبل الميلاد، أمر الفرعون الأسطوري رمسيس الثاني بنحت معبدين لا مثيل لهما في جبال النوبة الجنوبية. لم يكن مجرد بناء، بل كان رسالة خالدة منحوتة في الصخر تخلد مجده وقوته.

· المعبد الكبير: كُرّس هذا الصرح المهيب لتمجيد انتصار رمسيس الثاني في معركة قادش، ولعبادة الآلهة آمون رع، ورع حورآختي، وبتاح. وتتجلى عبقرية البناء في ظاهرة فلكية فريدة، حيث تخترق أشعة الشمس قدس الأقداس لتضيء وجه تمثال رمسيس الثاني مرتين سنوياً
من اعظم اسرار معبد ابو سنبل الكبير تلك الظاهرة الفلكيه الفريدة التي تحدث مرتين سنويا حيث تتسلل اشعة الشمس داخل المعبد لتضئ وجة الملك رمسيس الثاني في قدس الاقداس الي جانب تماثيل الالهين رع حور اختي وامون بينما يبقي تمثال الاله بتاح في الظلام احتراما لرمزيه العالم السفلي
لكن مالا يعرفه كثيرون ان هذه الظاهرة كانت تحدث يومي 21 فبراير و21 اكتوبرقبل نقل المعبد وبعد عمليه الانقاذ الهندسي تغيرت إحداثيات المعبد وأصبحت زاويه دخول الشمس مختلفة فاصبح التعامد يحدث يومي 22 فبراير و22 اكتوبر
الازاحة كانت يوما واحدا ولكن تكشف مدي تعقيد الحسابات الفلكية وربطها بإحداثيات المعبد ليدل علي عبقريه القدماء

واجهة المعبد الكبير هي الأكثر شهرة وقوة، وهي منحوتة مباشرة في الصخر لتبدو كواجهة صرح ضخم
على الواجهة أربعة تماثيل ضخمة جالسة للملك رمسيس الثاني وهو يرتدي التاج المزدوج لمصر العليا والسفلى . يبلغ ارتفاع كل تمثال من هذه التماثيل حوالي 20 مترًا
عند أقدام هذه التماثيل العملاقة، توجد تماثيل أصغر حجمًا لا تتجاوز ركب الملك، تصور أفراد عائلته: والدته الملكة تويا، وزوجته الملكة نفرتاري، وأبناءه وبناته.
فوق المدخل مباشرة، يوجد تمثال منحوت في الصخر للإله رع حور، الذي يمثل الشمس المشرقة
الأبعاد الداخلية
الارتفاع يبلغ ارتفاع الواجهة حوالي 33 مترًا وعرضها 38 مترًا
العمق : يمتد المعبد بعمق حوالي 60 مترًا داخل الجبل.
المساحة: يصعب تحديد “مساحة” بالمعنى التقليدي لأنه منحوت في الصخر، لكن يمكن تقدير المساحة الداخلية التي تشغلها القاعات والغرف بحوالي (900 متر مربع)يتكون من سلسلة من القاعات والأ

عمدة التي تقود إلى قدس الأقداس في النهاية.

· المعبد الصغير: في لفتة نادرة تعبر عن الحب الخالد، كرّس رمسيس الثاني المعبد الأصغر لزوجته الملكة نفرتاري، وللإلهة حتحور، إلهة الحب والجمال، ليكون بذلك أحد أقدم النصب التذكارية لتخليد حب زوجي في التاريخ
واجهة المعبد الصغير فريدة من نوعها في تكريمها للملكة
التماثيل: تتكون الواجهة من ستة تماثيل واقفة منحوتة في تجاويف صخرية. أربعة منها لرمسيس الثاني واثنان للملكة نفرتاري.

الارتفاع: يبلغ ارتفاع كل تمثال من هذه التماثيل حوالي 10 أمتار أي نصف ارتفاع تماثيل المعبد الكبير تقريبًا.
المساواة الرمزية اللافت للنظر هو أن تماثيل الملكة نفرتاري بنفس حجم تماثيل الملك، وهو تكريم استثنائي يبرز مكانتها الرفيعة.
الأبعاد الداخلية
الارتفاع يبلغ ارتفاع واجهة المعبد الصغير حوالي 12.5 مترًا وعرضها 28 مترًا
العمق : يمتد المعبد بعمق حوالي 25 مترًا

 داخل الجبل.
المساحة : تقدر المساحة الداخلية للمعبد الصغير بحوالي 300 متر مربع وهو أصغر حجمًا وأقل تعقيدًا من المعبد الكبير.

السد العالي: نعمة التنمية التي كادت تبتلع التاريخ

لآلاف السنين، وقف المعبدان شاهدين على التاريخ، حتى جاء مشروع السد العالي في ستينيات القرن الماضي. هذا الصرح التنموي العملاق، الذي كان ضرورياً لتوفير الكهرباء وتنظيم فيضان النيل، حمل في طياته تهديداً وجودياً. فبحيرة ناصر المتكونة خلفه كانت ستغمر منطقة النوبة بأكملها، ومعها معبدا أبو سمبل، في غياهب النسيان.

اليونسكو تعلن النفير: العالم يتحرك لإنقاذ ذاكرة الإنسانية

أمام هذا الخطر الداهم، تحركت مصر بسرعة. في عام 1959، وجهت الحكومة المصرية نداءً رسميًا إلى منظمة اليونسكو، التي أطلقت في 8 مارس 1960 حملة دولية غير مسبوقة. استجابت أكثر من 50 دولة، مقدمة دعمًا ماليًا وخبرات فنية بلغت قيمتها حوالي 40 مليون دولار( مبلغ كبير جدا في هذا الوقت)، في مشهد تاريخي جسّد مفهوم “التراث الإنساني المشترك”.

معجزة هندسية: عندما تحول الجبل إلى لغز ضخم ثم أعيد تركيبها

بعد دراسة مستفيضة، تم اعتماد الحل الأكثر جرأة: تقطيع المعبدين بالكامل ونقلهما! بدأت الملحمة الهندسية عام 1964 في سباق مع الزمن.

· التقطيع والترقيم: باستخدام مناشير فولاذية دقيقة، تم تقطيع المعبدين إلى 1,050 كتلة حجرية ضخمة، يصل وزن الواحدة منها إلى 30 طنًا. كان الأمر أشبه بلغز (بازل) معقد، حيث رُقمت كل قطعة بنظام تشفير دقيق لضمان إعادة تجميعها في مكانها الصحيح دون خطأ.
· النقل وإعادة البناء: نُقلت الكتل إلى موقع جديد يرتفع 65 مترًا عن منسوبها الأصلي ويبعد بمسافة 200 مترعن الموقع القديم
. لحظة إعادة التركيب كانت الأعقد، حيث استغرقت أربع سنوات من العمل الدؤوب. وللحفاظ على المظهر الأصلي للمعبدين كأنهما منحوتان في الصخر، تم بناء قبتين خراسانيتين ضخمتين فوقهما لتمثل الجبل الصناعي الذي سيحميهما للأبد

 

.

الخلود الثاني: إرث إنساني خالد للأجيال

في 22 سبتمبر 1968، وفي احتفال مهيب، تم افتتاح المعبدين في موقعهما الجديد بمشاركة الحكومة المصرية ومندوبي اليونس

كو والدول المشاركة. كانت تلك اللحظة تتويجاً لأعظم عملية إنقاذ أثرية شهدها العالم.

اليوم ونحن نقف أمام معبدي أبو سمبل، لا نرى فقط إرث فرعون عظيم، بل نرى إرثاً إنسانياً مختلفاً: إرث التعاون العالمي. إنقاذ أبو سمبل لم يكن مجرد نقل أحجار، بل كان رسالة خالدة من الماضي إلى المستقبل، تؤكد أن إرادة البشر حين تتحد قادرة على تحدي المستحيل، لتبقى هذه التحفة شاهداً للأجيال القادمة على أن ما صنعته يد الإنسان، تستطيع يد الإنسان الحفاظ عليه .

.

شارك المقال: