زلزال هرمز (9 ) صراع السرديات في اليوم الثامن
لم تعد الحرب في يومها الثامن مجرد اشتباك للنيران بقدر ما هي "اشتباك للصور الذهنية"، حيث تتبنى الوكالات العالمية استراتيجية "التأطير العقائدي" للحدث.

في اليوم الثامن، انتقلت الحرب من مرحلة “الصدمة والترويع” الميدانية إلى مرحلة “تفتيت الوعي”؛ حيث تتحول الشاشات والمنصات الرقمية إلى جبهات قتال لا تقل ضراوة عن مضيق هرمز أو منشآت أصفهان
هندسة “الإدراك” وتصنيع الحقيقة الموازية
لم تعد الحرب في يومها الثامن مجرد اشتباك للنيران بقدر ما هي “اشتباك للصور الذهنية”، حيث تتبنى الوكالات العالمية استراتيجية “التأطير العقائدي” للحدث. فبينما تسعى الصحافة الغربية الكبرى مثل نيويورك تايمز The New York Times إلى صياغة سردية “الضرورة الجراحية”، عبر تقديم الحرب كعملية استئصال تقنية لتهديد نووي أو إقليمي لضمان تدفق الطاقة العالمي، نجد في المقابل أن الإعلام الإيراني المحوري (عبر قنوات مثل Press TV ووكالة Fars) يعيد إنتاج سردية “المظلومية المقتدرة”، مستلهماً الرمزية التاريخية للصمود أمام “الاستكبار”. هذا التدفق للمعلومات ليس عفوياً، بل هو عملية “تطهير معرفي” يتم فيها استبعاد الحقائق المزعجة وتضخيم الانتصارات الرمزية، مما يجعل المتلقي العالمي يقف أمام “حقيقتين” متوازيتين، كل منهما تملك منطقها الداخلي الخاص، وتستخدم لغة بصرية مصممة بدقة لكسر إرادة الخصم قبل كسر خطوطه الدفاعية.
كبريات الصحف العالمية: بين “العقلانية الباردة” و”البروباغندا العاطفية”
تكشف قراءة مضمون الصحافة العالمية في الأيام الثمانية الماضية عن تباين بنيوي في توزيع الأدوار؛ فصحيفة الجارديان The Guardian البريطانية، على سبيل المثال، تميل في تحليلاتها إلى “التحذير الوجودي” من انهيار النظام الدولي، مستخدمةً لغة رصينة تحلل تداعيات الحرب على سلاسل التوريد، وهو ما يخدم سردية الضغط الاقتصادي الناعم. أما وكالة بلومبيرج Bloomberg، فهي تمارس حرباً نفسية عبر “الأرقام”، من خلال نشر تقديرات مرعبة لارتفاع أسعار النفط وتكلفة إعادة الإعمار، وهي رسائل موجهة بالدرجة الأولى للداخل الإيراني لزعزعة الثقة في الجدوى الاستراتيجية للصمود. وفي المقابل، نجد أن التغطيات الصادرة من “الشرق” (مثل South China Morning Post) تحاول اتخاذ مسافة نقدية، واصفةً الصراع بأنه “فشل للدبلوماسية الغربية”، مما يمنح طهران شرعية سياسية في الفضاء الآسيوي، ويخلق توازناً في القوى الناعمة يحول دون عزلها كلياً عن النظام العالمي الرقمي.
الحرب النفسية العابرة للحدود: من “تأثير الصدمة” إلى “استنزاف اليقين”
في غرف العمليات النفسية التي ترافق اليوم الثامن، يتم توظيف تقنيات “الغمر المعلوماتي”؛ حيث يتم إغراق الفضاء الإلكتروني ببيانات متناقضة تجعل من المستحيل على المواطن العادي استنباط الحقيقة، وهو ما يؤدي إلى حالة من “الشلل الإدراكي”. تستخدم الاستخبارات الإعلامية المعادية لإيران في هذه المرحلة تكتيك “الإحباط المتدرج”، عبر تسريبات منسقة لصحف مثل ( وول ستريت جورنال The Wall Street Journal) حول “نفاد مخزونات الصواريخ الدفاعية” أو “انقسام في الحرس الثوري”
وهي أخبار لا تهدف للإخبار بل للتأثير في الروح المعنوية للقوات على الجبهات. وفي الجانب المقابل، تبرع الماكينة الإعلامية الإيرانية في استخدام “سينما الصمود”، عبر بث لقطات عالية الجودة لمسيرات تضرب أهدافاً بعيدة، موظفةً الموسيقى التصويرية والزوايا السينمائية لخلق شعور بـ “التفوق التقني المفاجئ”، وهي محاولة لاستعادة توازن الرعب النفسي وتثبيت الجبهة الداخلية ضد أي اختراق إعلامي خارجي.
من يكتب مسودة التاريخ في الثواني الأولى؟
إن من يملك السردية اليوم ليس من يملك الحقيقة، بل من يملك “سرعة الوصول والانتشار”. في هذا الصراع، نجد أن وكالات الأنباء مثل Reuters وAFP تعمل كـ “قضاة للواقع الميداني”، حيث تمنح شرعية فورية لأي رواية تتبناها. عندما تنشر هذه الوكالات صور الأقمار الصناعية التي تظهر دماراً في منشأة معينة، فإنها تحسم الجدل لصالح الرواية المهاجمة، حتى لو كانت المعطيات على الأرض مغايرة.
هذه “السلطة التفسيرية” تجعل من الإعلام طرفاً مباشراً في القتال؛ فالخبر المنشور في اليوم الثامن عن “فشل الهجوم المضاد” قد يكون أكثر فتكاً من الهجوم نفسه، لأنه يصادر الأمل ويصيغ الوعي الجمعي العالمي بصورة الهزيمة الحتمية، مما يجعل المعركة الإعلامية هي المختبر الحقيقي لمفهوم “الحرب الهجينة” التي تذوب فيها الفواصل بين الرصاصة والكلمة.






