مقالات
سالم رخا
سالم رخا

كاتب صحفي

إبراهيم عيسى البهلوان!

في لحظة مفصلية، قرر أن ينسى هذا الإرث ليرتدي عباءة "الليبرالي الصادم". الخطورة هنا ليست في "التطور الفكري" وهو حق مشروع بل في تلك الخفة التي يتم بها استبدال الثوابت

مشاركة:
حجم الخط:

الرجل الذي فقد ذاكرته أكثر من مرة

لو كان الأستاذ الكبير الراحل “صلاح عيسى” حياً بيننا اليوم، لربما ابتسم تلك الابتسامة الماكرة التي توزع الاتهامات بالذكاء الحاد والساخر، ولأدرج صاحبنا في كتابه “مثقفون وعسكر”طبعة جديدة ، أو ربما أفرد له فصلاً خاصاً في “هوامش المقالات أو شخصيات لها العجب”، لا بصفته صاحب رأي، بل بصفته “حالة درامية ” تمشي على قدمين، تتقن فن “التبخر الفكري” وإعادة التكثف في صورٍ تناقض مذهل.
بين “صحفي المعارضة” المشاغب في تسعينيات القرن الماضي، وبين “المنظر السوسيولوجي” الذي يطل علينا اليوم من شاشات “الدراما” والبرامج وآخيرا الاعلانات الفاخرة ، مسافة لا تُقاس بالسنوات، بل بحالات من “النسيان المنظم”. إبراهيم عيسى ليس مجرد كاتب أو إعلامي، بل هو “ظاهرة” تستحق التفكيك، لا لمعرفة ما يقوله، بل لمعرفة “كيف” ولماذا يغير ما قاله؟

ظاهرة عيسى 

تعتمد ظاهرة إبراهيم عيسى على مبدأ “إحراق المراكب” مع كل تحول. في مراهقته الفكرية، كان يقتات على إرث “الناصرية” واليسار والقرب من نبض الشارع وهمومه البسيطة. ثم، في لحظة مفصلية، قرر أن ينسى هذا الإرث ليرتدي عباءة “الليبرالي الصادم”. الخطورة هنا ليست في “التطور الفكري” وهو حق مشروع بل في تلك الخفة التي يتم بها استبدال الثوابت؛ وكأن الرجل يملك “ممحاة سحرية ” يمررها على ذاكرته وذاكرة قرائه مع كل منعطف سياسي أو اجتماعي، ليبدأ من جديد بيقين “الأنبياء” الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
يفكك المحلل لمسيرة عيسى تقنية “الصدمة” التي يتبعها. حين فقد القدرة على التأثير عبر “المعارضة السياسية” التقليدية، اتجه نحو “المعارضة التاريخية والدينية”. هو يدرك أن الذاكرة الجمعية للمصريين حساسة تجاه “المقدس” و”الموروث”، فاستخدم مشىط الجراح لا للمداواة، بل لإحداث حالة تضمن بقاءه تحت الأضواء. إبراهيم عيسى هو “رجل الضجيج” بامتياز؛ فإذا صمت الناس عن السياسة، استدعى “خالد بن الوليد” ليحاكمه، وإذا ملوا التاريخ، هاجم “الصيدلي” الذي يقرأ القرآن. إنه هروب مستمر إلى الأمام، كي لا يواجه ذاكرته القديمة التي كانت تحتفي بما يهاجمه الآن.

تحول فتحول ثم تحول 

التحول الأبرز في “ذاكرة” عيسى هو التحول الطبقي في الخطاب. إبراهيم الذي كان يكتب بلغة “الدستور” و”التحرير” بروح تلامس المهمشين، تحول إلى كاتب “نخبوي” يرى في الشعب “كتلة صماء” تحتاج إلى “تنوير قسري”. في رواياته وأفلامه الأخيرة، يظهر الترفع الواضح على “العوام”؛ الحارة عنده لم تعد مكاناً للجدعنة، بل أصبحت وكراً للجهل والتطرف. لقد فقد ذاكرة “الرصيف” واستبدلها بذاكرة “الاستوديو المكيف”،
وأنا هنا لست في حل من إعادة ما كتبه الصديقين محمود صالح وطايع الديب في هذا الصدد عن ضنا الأيام التى خلت، فأصبح يخاطب الجمهور من برج عاجي، متهماً إياهم بأنهم هم من فقدوا الذاكرة، بينما هو الوحيد الذي يملك “كتالوج” الحقيقة.

من كتابة لكتابة لكتابة 

حين ضاقت عليه مساحات المقال، التجأ إلى “الدراما” (فاتن أمل حربي، صاحب المقام، الملحد). هنا، لم يعد عيسى يحكي قصصاً، بل أصبح يكتب “مناشير سياسية” متنكرة في زي حوار درامي. الشخصيات عنده ليست بشراً من لحم ودم، بل هي “أبواق” تردد أفكاره الحالية، وتمحو أفكاره السابقة. الدراما عند “الرجل الذي فقد ذاكرته” هي وسيلة لإعادة كتابة التاريخ الشخصي؛ ليظهر دائماً في ثوب “المستنير الوحيد” الذي يحارب طواحين الهواء، متجاهلاً أنه في مرحلة ما كان يغذي بعض هذه الطواحين بقلمه.
مشكلة إبراهيم عيسى الحقيقية ليست في تبدل المواقف، بل في “فقدان الاتساق النفسي”. إنه يعيش في “الآن” المطلق؛ لا ماضٍ يحاسبه، ولا مستقبل يقلقه. هو الرجل الذي يخرج من جلده كل بضع سنوات، ليقنعنا أن جلده الجديد هو الحقيقة المطلقة.
إن “الرجل الذي فقد ذاكرته أكثر من مرة” يراهن على “قصر ذاكرة الجمهور”، لكن الفن والتاريخ لا ينسيان. فبينما يظن هو أنه “ينوّر” العقول، يرى الكثيرون أنه مجرد “استعراضي” ماهر، يجيد الرقص على حبال التحولات، تاركاً خلفه إرثاً من التناقضات التي لا يجمعها سوى “أنا” متضخمة، تأبى أن تعترف بذلك
ولعل الفصام الأكبر في ذاكرة عيسى يتجلى حين تطل ‘الحرب’ برأسها من جديد؛ فإبراهيم عيسى الذي كان في حرب تموز 2006 يسكب الحبر فخراً ببطولات ‘حزب الله’ ويرى في صموده كسرًا لغطرسة المشروع الصهيوني، هو نفسه الذي يطل علينا اليوم بذاكرة ‘مغسولة’ تماماً. لقد استبدل عيسى بوصلة ‘المقاومة’ ببوصلة ‘الواقعية السياسية’ المتدثرة بالرداء الخليجي، بل وذهب بعيداً ليتماهى في خطابه مع الرواية الصهيونية التي ترى في أي مجابهة مع المحتل مجرد ‘مغامرة إيرانية’ مشبوهة.

عشق ثم كراهية فعشق فكراهية 

المأساة هنا ليست في كراهية النظام الإيراني وهو حق سياسي بل في الانقلاب على ‘المنطق والثوري’ الذي كان يتشدق به؛ فكيف يتحول المناضل على صفحات جريدة الدستور في نظره عام 2006 إلى ‘وكيل تخريب’ في 2.٢٦؟ وكيف صار يتبنى مفردات ‘التطبيع الناعم’ والتحريض على الاستسلام الكامل حيث أصبح يروج مع كل طلعة شمس أن السادات زعيم وطنى كبير وتوفيق عكاشة أفضل سياسي انجبته مصر وفاروق حسنى أفضل من ثروت عكاشة وعبدالناصر وحسن نصرالله مراهقين سياسيا ، بعدما قضى عقوداً يحذرنا من ‘التبعية للامبريالية’؟ إنها حالة من الارتداد الكامل، حيث لم يعد العدو هو ‘المحتل’ والمقاوم هو الجاني !
في النهاية ، ليست الخطيئة في أن إبراهيم عيسى غيّر مواقفه؛ فالتاريخ الإنساني حافل بمن تطورت عقولهم وظلوا أوفياء لبوصلة ضمائرهم، إنما المأساة تكمن في إصراره على إقناعنا بأن ‘إبراهيم القديم’ لم يكن إلا مسودة أُحرقت، وأن جوهره الحقيقي لم يولد إلا اليوم. قد ترهق الشعوب من وطأة التحولات، لكنها لا تُصاب بـ ‘ألزهايمر’ الجمعي؛ وما يظنه صاحبنا ‘تنويرًا’، يراه الناس محاولة دؤوبة لتحميل الضحايا وزر مآسيهم. وحين تشتعل الخصومة بين الكاتب وذاكرة الناس، فالمشكلة لا تكمن أبداً في الذاكرة.. بل في صاحبها الذي يخشى مواجهة ظله القديم.

شارك المقال: