مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

سياسي وقانوني

حدود القوة في مواجهة إيران

المواجهة الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تمثل واحدة من هذه اللحظات الكاشفة. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل اختبار أوسع لقدرة الردع

مشاركة:
حجم الخط:

الردع على حافة الحرب

المدخل التحليلي:
في لحظات التحول الكبرى في النظام الدولي، لا تكشف الحروب فقط عن ميزان القوة بين الدول، بل تكشف أيضًا حدود هذه القوة. فالتفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض النتائج السياسية، كما أن امتلاك أدوات الردع لا يضمن دائمًا السيطرة على مسار التصعيد. وفي مثل هذه اللحظات تصبح الأزمات الإقليمية مختبرًا لفهم طبيعة النظام الدولي ذاته: من يملك القدرة على ضبط الصراع، ومن يستطيع تحويل القوة إلى استقرار.

المواجهة الدائرة اليوم بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى تمثل واحدة من هذه اللحظات الكاشفة. فهي ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل اختبار أوسع لقدرة الردع على منع الحرب الشاملة، ولقدرة القوى الكبرى على إدارة الأزمات في عالم يتجه تدريجيًا نحو توازنات أكثر تعقيدًا.

ولهذا فإن السؤال المركزي في هذه الأزمة لا يتعلق فقط بمن يمتلك التفوق العسكري، بل بمن يستطيع تحويل القوة إلى نتيجة سياسية مستقرة دون أن يتجاوز الصراع الحدود التي يمكن التحكم فيها. ومن هذا المنظور يمكن قراءة المواجهة الراهنة بوصفها اختبارًا معقدًا لميزان الردع في الشرق الأوسط وحدود القوة في النظام الدولي المعاصر.

الردع: من التهديد إلى إدارة المخاطر

منذ أن صاغ توماس شيلينغ مفهوم الردع بوصفه «فن التأثير في قرار الخصم»، أصبح واضحًا أن الحرب ليست مجرد استخدام للقوة، بل إدارة دقيقة لاحتمالات استخدامها. فالردع لا يتحقق بإبادة الخصم، بل بإقناعه بأن التصعيد لن يخدم مصالحه.

هذا المفهوم تطور خلال الحرب الباردة ليصبح أحد الأعمدة الأساسية للاستقرار الدولي. فقد أدركت القوى الكبرى أن امتلاك القدرة على التدمير المتبادل لا يجعل الحرب مستحيلة فحسب، بل يجعل إدارتها أكثر تعقيدًا. فالقوة العسكرية لم تعد أداة لتحقيق النصر فقط، بل أصبحت أداة لإدارة المخاطر.

المواجهة الحالية في الشرق الأوسط تعكس هذا المنطق بوضوح. فالأطراف المتصارعة تدرك أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة إلى حد يصعب تحمله. ومع ذلك فإن التراجع الكامل قد يُفسَّر بوصفه ضعفًا يقوض مصداقية الردع.

ولهذا تتحرك الأطراف ضمن مساحة ضيقة بين التصعيد المحدود والاحتواء السياسي.

مركز القرار في الحرب

رغم أن مسرح العمليات يقع جغرافيًا في الشرق الأوسط، فإن مركز القرار الاستراتيجي في هذه الحرب لا يقتصر على المنطقة وحدها. فالصراع يُدار ضمن توازن معقد بين ثلاث عواصم رئيسية:

واشنطن – تل أبيب – طهران.

إسرائيل تمثل القوة العملياتية الأساسية في المواجهة العسكرية. أما الولايات المتحدة فتبقى الفاعل القادر على تحديد سقف التصعيد، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية أو احتواء الأزمة.

في المقابل تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تقوم على توزيع الضغط عبر مسارح متعددة، مستفيدة من شبكة نفوذ إقليمية واسعة.

هذا التباين في طبيعة الأدوات العسكرية يعكس اختلافًا في تصور الحرب نفسها:
فبينما يميل محور واشنطن–تل أبيب إلى استخدام التفوق العسكري المباشر، تعتمد إيران بدرجة أكبر على ما يمكن تسميته الردع غير المتكافئ.

التفوق العسكري وحدوده
تنفق الولايات المتحدة ما يقارب 900 مليار دولار سنويًا على الدفاع، وهو ما يمثل نحو 40٪ من الإنفاق العسكري العالمي. كما تمتلك إسرائيل منظومات دفاع جوي متقدمة مثل القبة الحديدية ومنظومات اعتراض متعددة الطبقات.
لكن التفوق التكنولوجي لا يعني حسمًا سياسيًا سريعًا.
تجارب العقدين الأخيرين أظهرت أن الضربات الجوية الدقيقة قادرة على تدمير منشآت وبنى عسكرية، لكنها لا تُسقط إرادة سياسية ولا تُنهي قدرة دولة على الاستمرار.
حرب العراق عام 2003 مثال واضح على ذلك. فقد حُسمت المعركة العسكرية بسرعة، لكن ما تلاها كان صراعًا طويلًا أعاد تعريف كلفة النصر. وكما يشير لورنس فريدمان فإن القوة العسكرية قد تحسم المعركة لكنها لا تحسم الاستقرار السياسي.
إيران، التي تمتد على مساحة تفوق 1.6 مليون كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها أكثر من 85 مليون نسمة، تمتلك عمقًا جغرافيًا وبنية صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية تجعل أي مواجهة معها صراعًا متعدد الجبهات.

الردع غير المتكافئ

تعكس الاستراتيجية الإيرانية نموذجًا لما يسميه منظرو الأمن الدولي الردع غير المتكافئ. ففي هذا النموذج لا يسعى الطرف الأضعف إلى تحقيق توازن عسكري تقليدي مع خصمه، بل إلى بناء قدرة كافية على إلحاق ضرر مؤلم يمنع الطرف الأقوى من تحقيق نصر حاسم.
هذا النوع من الردع يعتمد على أدوات متعددة، مثل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة والشبكات العسكرية غير النظامية.
الهدف هنا ليس هزيمة الخصم عسكريًا، بل جعل كلفة الحرب أعلى من المكاسب المتوقعة منها.

شبكة الردع الإقليمية الإيرانية
تعتمد الاستراتيجية الإيرانية منذ عقود على بناء شبكة ردع إقليمية متعددة المستويات.
في لبنان يمثل حزب الله أحد أهم عناصر هذه الشبكة.
في العراق توجد فصائل مسلحة مرتبطة بإيران.
في اليمن يشكل الحوثيون عنصر ضغط استراتيجي على خطوط الملاحة في البحر الأحمر.
كما أن غزة أصبحت في السنوات الأخيرة جزءًا من معادلة الضغط الإقليمي.
وجود هذه الشبكة يجعل أي مواجهة مع إيران قابلة للتحول إلى حرب متعددة الجبهات.

تمكن الحرس الثوري الإيراني من السيطرة على طائرة هيرميس 900 المسيّرة التابعة للجيش الإسرائيلي، وحالة الطائرة سليمة وبكامل تسليحها قبل بدء العملية الهجومية.

استهداف الخليج: توسيع مسرح الصراع
إذا استمر استهداف دول الخليج بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة فإن طبيعة الصراع قد تدخل مرحلة جديدة.
دول الخليج تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية.
أي تصعيد كبير في هذه المنطقة قد يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية.

الزمن: العامل الذي يعيد توزيع القوة

يشير كينيث والتز إلى أن توزيع القوة عبر الزمن قد يكون أكثر أهمية من حجمها اللحظي.

فالولايات المتحدة تتحرك ضمن بيئة سياسية داخلية تجعل الحروب الطويلة موضع مساءلة سياسية.

أما إيران فقد طورت قدرة على العمل تحت ضغط العقوبات الاقتصادية لفترات طويلة.

البيئة الدولية للأزمة

روسيا تميل إلى دعم إيران سياسيًا في إطار موازنة النفوذ الأمريكي.
الصين تفضل الحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي وتدفق الطاقة.
أما الاتحاد الأوروبي فيميل إلى دعم مسارات الاحتواء الدبلوماسي.

السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور الأزمة:

احتواء التصعيد
الاحتمال: 55–60٪
استمرار الضربات المحدودة والعمليات غير المباشرة.

توسع إقليمي محدود
الاحتمال: 25–30٪
اتساع الصراع إلى جبهات إضافية مثل لبنان أو الخليج.

انفلات الصراع
الاحتمال: 10–15٪
تحول الأزمة إلى حرب إقليمية واسعة.

اللحظة الحاسمة في الحرب

في كثير من الأزمات التي تقوم على الردع المتبادل لا يحدث التحول الحاسم في البداية، بل يظهر عندما يواجه أحد الأطراف اختبارًا استراتيجيًا يعيد تعريف قواعد الصراع.
قد يحدث ذلك إذا تعطلت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، أو إذا توسعت الحرب إلى جبهات متعددة بصورة تفقد الأطراف القدرة على ضبط التصعيد.

الخاتمة

الأزمة الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على إدارة الصراعات في عصر التحولات الكبرى.
فميزان القوة لم يعد يتحدد فقط بالتفوق العسكري، بل أيضًا باستقرار الاقتصاد العالمي ومواقف القوى الكبرى وقدرة الأطراف على ضبط التصعيد.
وفي الأزمات التي تُدار على حافة الصراع، لا يكون السؤال دائمًا متى تبدأ الحرب، بل متى يفشل الردع.

شارك المقال: