لماذا تضرب إيران في دول الخليج؟
هذه القواعد ليست مجرد منشآت رمزية، بل قواعد عمليات عسكرية تنطلق منها طائرات وسفن وأجهزة قيادة تشارك في عمليات عسكرية في المنطقة. وعندما تنطلق طائرات من هذه القواعد لتضرب أهدافًا في بلد ما،

حين يترك الأصل ويحاكم الفرع
محمد الروبي
كلما تصاعد التوتر في المنطقة، يتكرر السؤال نفسه في وسائل الإعلام وعلى منصات النقاش:
لماذا تضرب إيران دول الخليج؟
ويبدو السؤال في ظاهره منطقيًا، لكنه في حقيقته يقوم على إزاحة جوهر القضية إلى الهامش. فقبل أن نسأل لماذا تضرب إيران هذه الدول، ينبغي أن نسأل سؤالًا أبسط وأكثر مباشرة: ما الذي يوجد أصلًا داخل أراضي هذه الدول؟
الحقيقة المعروفة أن عددًا من دول الخليج تستضيف قواعد عسكرية أمريكية كبيرة، مثل قاعدة العديد الجوية في قطر، والأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، إضافة إلى منشآت عسكرية أخرى في السعودية مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية.
هذه القواعد ليست مجرد منشآت رمزية، بل قواعد عمليات عسكرية تنطلق منها طائرات وسفن وأجهزة قيادة تشارك في عمليات عسكرية في المنطقة. وعندما تنطلق طائرات من هذه القواعد لتضرب أهدافًا في بلد ما، فإن السؤال المنطقي يصبح: أين مصدر الضربة؟

لكن ما يحدث في كثير من النقاشات هو قلب المعادلة: يُترك الأصل ويُسأل عن النتيجة. يُغض الطرف عن القواعد العسكرية التي تنطلق منها العمليات، ويجري التركيز فقط على الرد عليها. وكأن المطلوب أن نقبل الضربة الأولى دون أن نتساءل عن مكان انطلاقها.
ليس المقصود هنا تبرير الحرب أو الدفاع عن سياسات أي طرف، فالحروب في النهاية خراب للجميع. لكن النقاش الجاد يقتضي قدرًا من النزاهة الفكرية: إذا كانت هناك قواعد عسكرية أجنبية تُستخدم في عمليات قتالية، فمن الطبيعي أن تُعد في حسابات الصراع أهدافًا عسكرية محتملة.
المشكلة إذن ليست في السؤال عن الضربة، بل في تجاهل السياق الذي أنتجها. فحين يُفصل الحدث عن سببه، يتحول النقاش من محاولة للفهم إلى محاولة لإعادة صياغة الواقع.
ولهذا يبدو من الضروري إعادة ترتيب الأسئلة:
قبل أن نسأل لماذا يُقصف هذا المكان، ينبغي أن نسأل أولًا: ما الذي كان يحدث فيه؟
ففي السياسة كما في المنطق، لا يمكن فهم النتيجة إذا تعمدنا تجاهل السبب.






