مقال بوك

هيكل: كلمات في ذكرى رحيله

محاربين القدامى لا يموتون، وإنما هم مسافرون في الغروب، تختفي قسمات وجوههم من أمام نواظرنا، ثم تنسحب بعد ذلك أشكالهم وتتحول مع اتساع المسافات إلى ظلال تتصاعد مع الأفق

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم : محمد بدر الدين

منذ غادر حياة وطننا وأمتنا وعالمنا، محمد حسنين هيكل، إلى عالم آخر هو بإذن الله تعالى أجمل وأكمل وأعدل، قيلت في “الأستاذ” كلمات محبة كثيرة، وكتابات تقدير وتأمل بلا حصر.
لكني كلما مر وقت، أتأكد أكثر، أن أروع وأبدع من كل ما كتب، ومن كل ما قلته وقاله غيري… هو ما قاله وكتبه “محمد حسنين هيكل” نفسه، عند وداع صديقه المفكر المرموق محمد سيد أحمد .
نعم.. لم أجد قط، وأحسب أني لن أجد، أدق ولا أعمق، أجمل ولا أرهف، من هذه الكلمات الذهبية لمحمد حسنين هيكل.. وقد سمعتها منه بنفسي (في كبرى قاعات نقابة الصحفيين) في احتفاء كبير باسم وبإسهامات المفكر الراحل، وكان يجلس على المنصة محمد حسنين هيكل، وإلى جواره الكاتب المفكر الموسوعي محمد عودة، وكنت أنظر إليهما على مقربة وأنا أجلس في أولى الصفوف.. وأتأملهما وأقول في نفسي: كم هما.. “هيكل”، و”عودة”: الكاتبان المتفردان.. المخلصان المتفانيان من أجل الفكر والدور والمشروع العروبي الإنساني الحضاري الثوري: الذي رفع لواءه جمال عبد الناصر.. وكم هما، الكاتبان المفكران والعلمان: الأحب والأقرب إلى عقلي وقلبي ووجداني.. وكم منحتني الحياة أحلى وأغلى الهدايا، بالاقتراب الجميل والمبكر من كليهما، والصداقة الرائعة المستمرة، الفكرية والإنسانية لي معهما على مر عقود.

الحق أيضاً، أنني أعتبرهما حاليا وطول الوقت على مقربة مني ومن حياتنا، ومن قضايا ومجريات أمتنا وعالمنا… وأنها لم يبرحا قط، وأشعر دوماً أنهما يتابعان، ويبتسمان ويفرحان معنا حينما نحرز وننجز في قضية، ويحزنان حزنهما النبيل حينما نتعثر، أو نتقاعس في أمر! واعتقادي اليوم وعلى الدوام، هو: أنهما “معاً”… وأن بطل الأمة العربية والإنسانية: جمال عبد الناصر، “معهما” فلا يوجد دوماً وفي كل وقت: من هو في قلب حياتنا وعقلها وضميرها.. حاضراً مشعاً مرشداً: أكثر من “جمال عبد الناصر”.
لقد بدأت سطوري اليوم بالقول، عن محمد حسنين هيكل: (.. منذ غادر حياتنا..)، وكنت أعني ما قلت، فهو عندي لم يغادر سوى تفاصيل الحياة أو دقائق الواقع فحسب، لكن روحه تظل في قلب وعقل وروح هذه الحياة وهذا الواقع، وأعترف أنني حتى الآن، لم أستطع قط أن أقول، أو أستسيغ أي تعبير لأي أحد يشير إلى “محمد حسنين هيكل” بتعبير: (الراحل) أو (المرحوم) أو حتى (الله يرحمه)، عندما تقال في مقام الراحلين المتوفين.. تماماً مثلما حتى الآن، لم أستعمل ولم أقبل على الإطلاق، وعلى مدار عمري، تعبير: (الزعيم الراحل)، أو (القائد أو الرئيس الراحل)، عن “جمال عبد الناصر”.
نعود، ونتأمل، ونتنقى الكلمات الذهبية لمحمد حسنين هيكل ـ وبعض “درره” بأسلوب الكتابة البليغ البديع الفريد لديه، عند ارتحال صديقه “محمد سيد أحمد”، والتي مهما بحثنا ـ في تقديري ـ لن نجد أبداً أروع وأرقى وأعمق منها، في حديثنا اليوم ـ أو في أي يوم.. عن محمد حسنين هيكل. وقد تصدرت، كمقدمة، كتاباً تذكارياً قيما عن الأستاذ محمد سيد أحمد (بعنوان “لمحات من حياة غنية” ـ عن دار الشروق 2010).
يقول ويكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل :
” على بالي الأن ثلاثة خواطر:
الأول: إنني لست متحمساً للطريقة التي نتبعها في الاحتفال بالراحلين من أحبائنا، خصوصاً إذا كان هؤلاء الراحلون من المفكرين أو الكتاب، فنحن نكتفي بأن نخلع عليهم من الأوصاف مع ذهابهم ما سكتنا عنه في حضورهم ولو أنهم سمعوه في أوانه ـ لكان سنداً ودافعاً أكثر على الزيادة والعطاء، لكننا ـ على الأقل أحياناً ـ نقتصد في الحضور ونسرف في الغياب.
الثاني: إنني واحد من الذين يظنون أن الاحتفال بذهاب إنسان إلى ما وراء الحجاب ينبغي أن يجري على منوال مختلف، خصوصاً في حالة مفكر أو كاتب، ذلك أن المفكر أو الكاتب لا ينتهي حين يغيب، وإنما يظل حضوره ظاهراً طالما أن له فكراً يؤثر وذكراً يرد مع حضور فكره.
وظني في هذه النقطة قريب من التعبير الشائع بأن المحاربين القدامى لا يموتون، وإنما هم مسافرون في الغروب، تختفي قسمات وجوههم من أمام نواظرنا، ثم تنسحب بعد ذلك أشكالهم وتتحول مع اتساع المسافات إلى ظلال تتصاعد مع الأفق، وهناك يتركز الظل في نقطة، ثم تتحول النقطة عند الحافة إلى نجم بعيد!.
الثالث: إننا في ثقافات الشرق نتعسف حين نتعامل مع الموت، نتصوره نهاية للحياة، بينما هو ـ حسب ظني ـ طور من أطوارها، فهذه الحياة بدأت قبلنا وهي مستمرة بعدنا من أزل إلى أبد، وقد نصاب بالشجن والحنين حين يغيب عنا عزيز علينا متحسبين أنها النهاية، لكن ذلك إسراف في التشاؤم لأن الغياب مختلف عن النهاية!.
لعلي أقول إن بعضاً من هذه الخواطر تجلى أمامي ذات مرة وكنت في زيارة لجريدة الـ “ديلي تلجراف” زائراً لرئيس تحريرها السير “ماكس هاستنجر”، ثم وجدت بعد خروجي من مكتبه أن واحداً من محرريه يلاحقني مسرعاً وفي يده نص مطبوع قائلاً برقة: هذه نسخة من “النعي” (obituary) الخاص بك والموجود عندنا في المواد الاحتياطية الجاهزة للنشر في حينه، فهل تريد أن تراجع وتضيف عليه سابقاً أو لاحقاً شيئاً فاتنا في قصة حياتك؟ ولأول وهلة بدا لي الطلب مستغرباً وربما أكثر، ومع ذلك دعتني غريزة الصحفي إلى القراءة وفرغت منها وشردت ثواني ـ أراجع مشاعري ـ وهي موزعة، ثم أقول لنفسي: ولم لا؟ وأعدت قراءة النص ولم أجد داعياً لأن أضيف شيئاً، فالمعلومات صحيحة والتقييم بعدها يخص أصحابه، وعلى أي حال، فقد ظلت الواقعة أياماً ملحة علي داعية إلى إطالة التفكير.
ولعلي لا أصدم أحداً إذا حسبت أن الموت جزء من الحياة بل هو تجديد لها عبر تدفق إنساني شاءت له عناية الخالق الأعظم أن يتواصل بمثل تواصل الزمن ـ ذلك أنه بمقدار ما لكل فرد من الناس يوم ميلاد ويوم رحيل ـ فقد نتذكر أن بداية كل يوم في الزمان شروق، وختام كل يوم في الزمان غروب، ثم إن الغروب لا ينتهي بالظلام، بل إن ظلام ما بعد الغروب سهر في انتظار شروق جديد، وكذلك تمضي الحياة غلابة على الموت!”.
ثم ليس هناك أبلغ ولا أدق وأرقى، من أن نختم بما ختم به محمد حسنين هيكل (نفسه) حديثه  قال “الأستاذ”، مختتماً:
* “دعوني أؤكد في النهاية أن دور أي كاتب أصيل وكل مفكر خلاق يظل شعاعاً في المستقبل وليس كفناً في الظلمات. ثم دعوني ـ مشيراً إلى نجم يلمع بعيداً عند حافة الأفق ـ أقول له معكم:
ـ تحرك حول مدارك فنحن نراك.
ـ وتكلم عبر كتابك فنحن نسمعك”.

شارك المقال: