(نهاية الأساطير) قصة محمد زكريا
نهاية الأساطير قال لي إن كائن العنقاء الأسطوري لن يعود أسطوريًا بعد الآن.هززت رأسي، ولم اخبره أني لا أعرف ما هو طائر العنقاء هذا.وغاب. حتى نسيت أمره.وحين عاد، جلس بجانبي،…

اللوحة للفنان التشكيلي والشاعر المصري المبدع حسن وهبه
نهاية الأساطير
قال لي إن كائن العنقاء الأسطوري لن يعود أسطوريًا بعد الآن.
هززت رأسي، ولم اخبره أني لا أعرف ما هو طائر العنقاء هذا.
وغاب. حتى نسيت أمره.
وحين عاد، جلس بجانبي، بملامح وجهه القلقة التي يحملها دائمًا، وعيناه الجامدتين كقطعَتَي زجاج، وشعره الأسود الخشن الممتلئ بالخيوط البيضاء.
وقال لي بصوت منخفض، وهو يتلفت حوله بشيء يوحي بالريبة والقلق إن التنانين ستعود قريبًا.
ولم أجب، وهو أغمض عينيه، بينما كان يهز رأسه في شيء من اليقين، وترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة، توحي بالثقة واليقين.
وغاب وسار قطار الأيام، حتى نسيته. ونسيت أمر كائناته الخرافية.
لكنه عاد، وجلس بجانبي.. رحبت به بحرارة، لكنه كان صامتًا وباردًا مثل قطعة ثلج.
ملت بجسدي علي كرسيه، وبنبرة ممتلئة بالفضول والسخرية سألته عن أخبار أشيائه الأسطورية.
لكنه صمت، ولم ينظر لي، وشعرت بالخجل، وطال صمته، حتى سألني بلا مقدمات وبصوت محايد بلا أدلة:
ــ كم ليلة أمضيتها وأنت تفكر في الانتحار؟
في الغالب كلما مررت بأزمة. فهذا يعني أنني في كل يوم، تقريبًا، فكرت في الموت.
لم أجبه بشيء. بل ابتسمت. وامتدت الابتسامة إلى ضحكة طويلة بلا سبب.
قال لي بصوت مشروخ إن طائر العنقاء الأسطوري الذي جاء به عنوة من عالم خرافته البعيدة قد انتحر.
لم أعرف ما الذي يجب عليَّ قوله فلم أوضع في موقف انتحار عنقاء من قبل.
ــ الله يرحمه.
قُلتها وسكت.. وهو صمت.. وطال جلوسه، ثم غاب،
وطال غيابه هذه المرة، وظل عالقًا في رأسي.

من أعمال الفنان حسن وهبه
حتي في الأحلام يأتيني بنفس ملامحه السمراء الجامدة، وعينيه الزجاجتين.
وينظر لي نظرة بلا معني، ويطول صمته، ثم يخبرني فجأة، بطريقته المعتادة بأشياء لا أفهمها، ويغادر.
وفي الصباح كلما لمحت أي طائر، تجلت ملامحه كأني أراه أمامي.
وعاد بعد غياب طويل، وجلس بجانبي بصمته المعتاد، وتجاهل تهلل وجهي ونبرتي المتلهفة، وقال دون أن ينظر لي حين سألته عن طول غيابه: إن الأيام تتوالى دون أن نشعر بها، وتجر معها سنوات في غفلة منا.
ثم صمت. وأنا بدأت أثرثر، بلا شعور بالخجل هذه المرة، الاعتياد يخلق ألفةً مع ما ننفره.
طلبت من القهوجي شايًا، لكنه أخبرني بعدما جاء الشاي، إنه يريد حلبة.
وحين وصلت، ابتلعها ساخنة بلا مبالاة.
وكان بعض الزبائن قد وصلوا فانشغلت بمتابعتهم.
أخبرني وهو ينظر في عيني بثبات، بينما تتشكل في عينيه أشياء لا أفهمها، ان التنانين يصعب السيطرة عليها. لأنها لا تعرف إلا لغة النار، وإن الإنسان مسكين، مسكين وهش.
وفي الليل، وأنا في طريقي إلى البيت، بدأت أفكر في كلامه بجدية. وأشعر بالقلق بلا سبب.
وحين وصلت، حكيت لـ “نور” لأول مرة عن هذا الرجل الغريب.
وشعرت بالخجل وهي تخبرني ضاحكة بأن العنقاء والتنانين كائنات ليس لها وجود. ولم يكن لها وجود إطلاقًا.
وزادت ضحكتها حد الجنون وهي ترى علامات الدهشة تكسو ملامحي.
ومنذ هذا اللقاء الأخير، وأنا أحمل القلق معي بلا داعٍ.
حتى طار النوم من عيني. وانتشرت البقع السوداء حول جفني كغيمة.

رابط المقال المختصر:





