علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد عبد الشكور
محمد عبد الشكور

كاتب وصحفي

محمد عبد الشكور يكتب: المرتزقة.. بندقية مأجورة لا تصنع نصرًا

في ليبيا، تدفقت أسراب المرتزقة من تشاد والسودان وأوروبا الشرقية لتأجيج نيران الحرب الأهلية وحراسة حقول النفط لصالح أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تعبث بمقدرات الشعب الليبي

مشاركة:
حجم الخط:

في عالمٍ تلاشت فيه قيم الشهامة والاستبسال ورسخت فيه تجارة الحروب بوقاحةٍ غير مسبوقةٍ، أصبحت الصراعات والعمليات القذرة تُدار بمنطق التصدير والاستيراد لبيوت الموت والدمار، لم يعد القتال يتطلب عقيدةً ولا انتماءً لتراب وطنٍ، بل يكفي أن تملك المال لِشِراء بندقيةٍ مستأجرةٍ تقاتل لمن يدفع أكثر، وتتوارى خلف هذا المشهد البائس.حكوماتٌ ودولٌ كبرى وإقليمية تستغل الأزمات الاقتصادية الخانقة، والبطالة الممنهجة، وحروب العصابات الطويلة لتجفيف ينابيع الأرواح وتحويل أبنائها إلى سلعةٍ رخيصةٍ للقتل في أسواق النخاسة العسكرية الدولية.

إن مصطلح “تصدير المرتزقة” في العصر الحديث لا يحدث بمعزلٍ عن غرف التخطيط في تلك العواصم التي توفر الغطاء السياسي، وتترك شبكات التجنيد السريعة والمنظمات الوهمية تعبث بأقدار البشر، مستغلةً فقر الشعوب لتغذية حروب الإنابة المشتعلة في منطقتنا العربية وفي شتى بقاع الأرض.

خريطة تصديرالمرتزقة: كولومبيا وروسيا وأوروبا الشرقية وأفريقيا

حين نتأمل خريطة العالم الحية، نجد أن ظاهرة تصدير المرتزقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بدولٍ عانت طويلاً من الحروب الأهلية والفقر

المدقع، مما أفرز خزاناتٍ بشريةً ضخمةً من المقاتلين المحترفين المستعدين لبيع أدمغتهم وأسلحتهم.

تأتي في مقدمة هذه الدول كولومبيا التي أصبحت المصدر الأول للعسكريين والمحاربين القدامى؛ فبسبب عقودٍ طويلةٍ من حروب

العصابات الداخلية وتجارة المخدرات، بات الجيش الكولومبي مصنعًا لضباط وجنودٍ ذوي كفاءةٍ قتاليةٍ عاليةٍ يتم تجنيدهم عبر

شبكاتٍ خفيةٍ للعمل في بؤر التوتر العالمية، بدءًا من أمريكا اللاتينية كحوادث الاغتيالات في هايتي، وصولاً إلى جبهات القتال في

أوكرانيا، ومنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا كالیمن والسودان.

وعلى خطٍ أخر، تبرز روسيا كدولةٍ توظف آلتها العسكرية وعناصرها المدربة عبر هياكل ومجموعاتٍ رديفةٍ للقتال ودعم الحلفاء، أو

لحماية المناجم الحيوية والمنشآت الاستراتيجية في دولٍ أفريقيةٍ مثل مالي، وإفريقيا الوسطى، وليبيا، وسوريا، فضلاً عن خطوط

الجبهة في أوروبا الشرقية.

ولا تقف القائمة عند هذا الحد، بل تمتد لتشمل دول أوروبا الشرقية والبلقان مثل صربيا وأوكرانيا، حيث توفر الأزمات الاقتصادية

الطاحنة خزانةً بشريةً قادرةً على التعامل مع السلاحين السوفيتي والحديث، ليطير هؤلاء المقاتلون إلى أتون النزاعات في أفريقيا

والشرق الأوسط بحثًا عن الأجور الفلكية. وفي قلب القارة السمراء، تلعب دول غرب ووسط أفريقيا مثل تشاد، والنيجر، والسودان

دورًا محوريًا كمناطق تجنيدٍ غير رسميةٍ يستغل فيها سماسرة الحروب تفشي الفقر والبطالة والنزاعات القبلية لدفع آلاف الشباب

للقتال في حروبٍ أهليةٍ وإقليميةٍ مجاورةٍ كما حدث في ليبيا واليمن وغيرها، حيث تتقاطع مصالح الميليشيات مع تمويلات إقليمية

ودولية تغض الطرف عن هذه الجرائم المنظمة.

أرباب الدم والحروب المشتعلة في منطقتنا وخارجها

إن استقدام هذه الجيوش المأجورة لم يكن عبثًا، بل جاء لخدمة أجنداتٍ استعماريةٍ ومشاريع توسعيةٍ تهدف إلى تدمير استقرار

الدول وتفتيت وحدتها الوطنية، خاصةً في منطقتنا العربية التي تحولت إلى مسرحٍ مفتوحٍ لتجار الدماء.

ففي ليبيا، تدفقت أسراب المرتزقة من تشاد والسودان وأوروبا الشرقية لتأجيج نيران الحرب الأهلية وحراسة حقول النفط لصالح أطرافٍ إقليميةٍ ودوليةٍ تعبث بمقدرات الشعب الليبي.

وفي سوريا واليمن، لعب المرتزق العابر للحدود دور رأس الحربة في تدمير البنية التحتية وإطالة أمد الصراعات المسلحة، هادفًا

إلى منع أي تسويةٍ سياسيةٍ تعيد سيادة الدول الوطنية وتنهي الفوضى الممنهجة.

إن هذه العناصر لا تملك هويةً سوى هوية الحساب البنكي، ولا تدافع عن قضيةٍ عادلةٍ بل تدافع عن رصيد العميل الذي موَّل

طلقاتها، مما يجعل وجودها في أي بقعةٍ بمثابة قنبلةٍ موقوتةٍ تهدد الأمن الإقليمي والدولي بأسره.

سقوط البندقية المأجورة وحتمية هزيمة المرتزقة

تثبت شواهد التاريخ القديم والحديث أن المرتزقة لم يحسموا معركةً قط ولم يصنعوا نصرًا مؤزرًا؛ فالقتال من أجل صفقةٍ ماليةٍ وراتبٍ شهريٍ لا يمنح المقاتل صلابة الشكيمة ولا عقيدة الدفاع عن الأرض والعرض.

لقد استعانت إمبراطوريات عاتية عبر التاريخ بالمرتزقة، فكانت النتيجة دائمًا هي الهزيمة الساحقة والفرار المخزي بمجرد اشتداد وطأة المعارك وهبوط

مؤشرات الأرباح، فالمرتزق يحارب ليعيش ويقبض، والحروب الحاسمة لا يحسمها إلا الأحرار الشرفاء الذين يحاربون ليموتوا كي تحيا أوطانهم. وبناءً عليه،

تتحول هذه الجيوش المأجورة في نهاية المطاف إلى عبءٍ ثقيلٍ وبؤرٍ إجراميةٍ تعيث فسادًا حتى في الدول التي استعانت بهم؛ فالذي يبيع وطنه ودماءه

بالمال الفاسد، لا عهد له ولا أمان، وستظل طلقة المرتزقة ترتد حتمًا على نحر من أطلقها في يوم الحساب الوطني والتاريخي.

شارك المقال:

شاركنا برأيك