علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

د.محمد فؤاد يكتب: كامل القليوبي ثائر السينما وذاكرتها (2-2)

بالنسبة للقليوبي لم تكن المسألة مجرد مخالفة إدارية أو نزاع حول ملكية مواد، بل كانت قضية سيادة ثقافية، فمن يملك أرشيف السينما يملك جزءًا من ذاكرة الوطن.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تكن السنوات الأخيرة في حياة الدكتور محمد كامل القليوبي مجرد رحلة مخرج وأستاذ يواصل الكتابة والتدريس، بل كانت سنوات معركة مفتوحة من أجل ما اعتبره القضية الأخطر في تاريخ السينما المصرية: مصير الأرشيف السينمائي.

فمنذ توليه رئاسة المركز القومي للسينما، اصطدم الرجل بواقع مؤلم، كنوز سينمائية عمرها عشرات السنين مهددة بالتلف والسرقات ( المشروعة )

ومواد أرشيفية لا تجد مشروعًا حقيقيًا للحفظ والترميم، ونظرة مؤسسية تتعامل مع التراث السينمائي باعتباره ملفًا ثانويًا لا باعتباره جزءًا من الذاكرة الوطنية.

ازدادت حدة موقفه عندما ظهرت قضايا تتعلق بخروج نسخ ومواد أرشيفية من أماكن حفظها الي قنوات وشركات مجهولة وراءها مافيا واصابع خفية.

وما أثاره ذلك من مخاوف حول مصير تراث مصر السينمائي 

بالنسبة للقليوبي لم تكن المسألة مجرد مخالفة إدارية أو نزاع حول ملكية مواد، بل كانت قضية سيادة ثقافية، فمن يملك أرشيف السينما يملك جزءًا من ذاكرة الوطن.

كنت أراه أستاذًا في المعهد العالي للسينما يحمل هذا القلق معه إلى قاعات الدرس.

لم يكن يتحدث عن السينما باعتبارها مهنة منفصلة عن التاريخ، بل كان يرى أن المخرج الذي لا يعرف ذاكرة الفن الذي ينتمي إليه يشبه إنسانًا فقد ذاكرته الشخصية ويحاول أن يعيش بلا ماضٍ.

كان يؤمن أن السينما ليست فقط ما يُصنع اليوم، بل ما صُنع بالأمس أيضًا، وأن كل فيلم قديم هو شاهد على زمن لا يمكن استعادته إذا ضاع الشريط، أو ضاعت معه الحكايات التي تحيط به.

لم يكن قلقا من تلف الفيلم.. بل العقلية التي لا ترى في الذاكرة ثروة.

من السهل أن نختصر معركة القليوبي في عبارة شاعرية مثل “كان يدافع عن تراث السينما”، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأكثر صدامًا. فالرجل كان يواجه مشكلة متجذرة في الثقافة المؤسسية: التعامل مع الأرشيف باعتباره عبئًا وليس أصلًا من أصول القوة الناعمة للدولة.

كان يرى أن المشكلة ليست فقط في نقص الإمكانات التقنية اللازمة لحفظ وترميم الأفلام، بل في غياب فلسفة واضحة تجاه قيمة هذه الأفلام.

فالدول التي تمتلك وعيًا بتاريخها لا تنتظر حتى تنهار ذاكرتها لتبدأ البحث عنها، لأنها تدرك أن الفيلم القديم ليس مجرد مادة ترفيهية انتهى عمرها، بل وثيقة تكشف المجتمع في لحظة تاريخية محددة.

وعندما فتح النار علي المافيا لم يكن يتعامل مع مشكلة حقوق ملكية او تقنية تتعلق بالتخزين أو الترميم فقط، وإنما مع سؤال ثقافي وسياسي:

كيف تعامل مصر تاريخها السينمائي؟

وهل يجوز أن تتحول أفلام أنتجتها الدولة أو شارك في صناعتها فنانون مصريون إلى أصول قابلة للتصرف بعيدًا عن أي رؤية وطنية؟
ولهذا كانت لهجته في هذه القضية حادة أحيانًا لأنه لم يكن يرى نفسه مطالبًا بالدفاع عن أفلام فقط، بل عن حق الأجيال القادمة في امتلاك تاريخها البصري.

وكان هذا كافيا لانهاء فترة انتدابه بطريقة لم تكن متناسبة مع حجم دوره، وتعرضت بعض مشروعاته الفنية للتأجيل والتعطيل، لكنه لم يتراجع عن موقفه.

لقد اختار أن يخسر معركة إدارية قصيرة مقابل أن يبقى مخلصًا لمعركة أكبر تتعلق بذاكرة وطن

الخيط الذي لم ينقطع بين الفيلم والتاريخ والإنسان

إذا كان فيلم “محمد بيومي ووقائع الزمن الضائع” قد كشف مبكرًا طبيعة معركته، فإن بقية أعماله الروائية جاءت وكأنها الوجه الآخر للقضية نفسها.

ففي الفيلم التسجيلي كان يبحث عن مبدع ابتلعه النسيان، أما في أفلامه الروائية فكان يبحث عن إنسان معاصر يواجه أشكالًا أخرى من الغياب.

وهنا تظهر الوحدة العميقة في مشروع القليوبي، فهو لم يكن ينتقل بين موضوعات مختلفة، بل كان يطارد سؤالًا واحدًا بأشكال متعددة:

كيف يحافظ الإنسان على وجوده في عالم يهدده بالمحو؟

في “أحلام مسروقة” لم يكن القليوبي يقدم حكاية عن أشخاص لم تتحقق أحلامهم فقط، بل كان يطرح سؤالًا اجتماعيًا وفلسفيًا:

ماذا يحدث للإنسان حين يصبح الحلم نفسه رفاهية لا يملكها؟

فالأحلام في عالم القليوبي ليست رغبات شخصية عابرة، بل هي دليل على بقاء الإنسان حيًا من الداخل.

وعندما تُسرق هذه الأحلام، فإن الخسارة لا تكون مادية فقط، بل تصبح خسارة للمعنى.

كان اهتمامه دائمًا منصبًا على الشخصيات التي لا تجد من يسمعها.

لكنه لم يتعامل معها بمنطق الشفقة أو الرؤية الاجتماعية المباشرة، بل منحها تعقيدها الإنساني الكامل.

كان يرى أن الإنسان البسيط ليس أقل عمقًا من أصحاب السلطة، وأن الهامش أحيانًا يكشف حقيقة المركز أكثر مما يكشفها الذين يقفون في قلب الصورة.

أما “إتفرج يا سلام” فكان تجربة أكثر تأملًا في علاقة المصري بالسينما نفسها.

لم يكن الفيلم مجرد احتفاء بالفرجة، بل كان مساءلة لمكانة السينما في وجدان الناس.

فالقليوبي كان دائمًا مشغولًا بالسؤال: ماذا يحدث عندما تفقد السينما علاقتها بذاكرتها؟

وماذا يبقى من الفن عندما يتحول من تجربة ثقافية إلى مجرد استهلاك؟

ثم جاء “خريف آدم” ليصل مشروعه إلى منطقة أكثر قسوة وتأملًا.

فهذا الفيلم لا يتوقف عند مأساة شخصية، بل يذهب إلى سؤال الإنسان حين يشعر أن العالم من حوله فقد معناه.

آدم عند القليوبي ليس فردًا فقط، بل رمز للإنسان الذي يبحث عن مكانه وسط عالم متغير، عالم تتآكل فيه الروابط وتصبح العزلة قدرًا.
“أسطورة روز اليوسف” و”إسمي مصطفى خميس” حين يصبح التاريخ وجهًا آخر للحاضر

لم يكن القليوبي عندما يعود إلى التاريخ يبحث عن الماضي لذاته، بل كان يبحث عن الحاضر المختبئ داخله.

في “أسطورة روز اليوسف” لم يقدم شخصية تاريخية باعتبارها تمثالًا، بل حاول استعادة روح إنسانة صنعت تأثيرها داخل زمنها.

كان يرى أن التاريخ الحقيقي ليس مجموعة تواريخ جامدة، بل صراع بشر وأفكار وأحلام.

وهذا ما امتد إلى أعماله التسجيلية الأخرى، ومنها “إسمي مصطفى خميس”، حيث استمر في فتح الملفات التي تتجاوز الحكاية المباشرة إلى أسئلة أكبر عن الإنسان والمجتمع والذاكرة.

الأستاذ الذي ترك مدرسة في حرية الفكر من بعده

ربما كان أعظم انتصار حققه محمد كامل القليوبي أنه لم يترك أفلامًا فقط، بل ترك طريقة في التفكير.

ففي المعهد العالي للسينما لم يكن أستاذًا للسيناريو والإخراج فقط، بل كان أستاذًا في معنى أن يكون الفنان مسؤولًا عن الزمن الذي يعيش فيه.

ومن هنا تأتي أهمية تلاميذه الذين حملوا أثره، وفي مقدمتهم الدكتورة سناء هاشم، أستاذة السيناريو، التي تمثل امتدادًا لهذا الخط الفكري.

خط يرى أن تعليم السينما ليس تدريبًا على الحرفة فقط، بل بناء وعي قادر على الدفاع عن الفن وتاريخه.

لقد حملت سناء هاشم جانبًا من شعلة أستاذها ليس بتكرار أفكاره، وإنما باستمرار السؤال الذي عاش من أجله:

كيف نحمي السينما من أن تتحول إلى لحظة عابرة بلا جذور؟

ولهذا كان ارتباط تلاميذه به مختلفًا؛ سواء في معهد السينما أو في مؤسسة نون للثقافة والفنون او في مهرجان الاقصر السينمائي ومن بعده مهرجان شرم الشيخ السينمائي كما رصدها المخرج سامي محمد علي في فيلمه الاثير ( محمد كامل القليوبي .. صديق الحياة )

لم يشعروا أنهم فقدوا أستاذًا فقط، بل شعروا أنهم فقدوا صوتًا كان يمنحهم الثقة بأن للسينما معنى أكبر من الصناعة.

الرجل الذي ترك معركة مفتوحة

ربما لم يرَ القليوبي كل ما كان يحلم به يتحقق، وربما ظلت معركة الأرشيف أطول من عمر رجل واحد، لكن قيمة أصحاب القضايا الكبرى ليست فقط في النتائج التي يحققونها، بل في الأسئلة التي يتركونها خلفهم.
لقد رحل محمد كامل القليوبي، لكن المعركة التي خاضها لم ترحل.
ولهذا سيظل حاضرًا؛ لا باعتباره مخرجًا صنع أفلامًا، بل باعتباره رجلًا وقف أمام النسيان وقال: هناك أشياء لا يحق للزمن أن يسرقها ..

شارك المقال:

شاركنا برأيك