علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: بعد المخا هل يتكرر سيناريو 2014 لفتح الطريق أمام تحالف دولي في اليمن؟

لا يمكن وضع المخا والموصل في كفة واحدة. الموصل مدينة كبيرة في قلب العراق، بينما المخا مدينة ساحلية ذات قيمة جيوسياسية استثنائية. لكن ما يجعل المخا خطرة ليس حجمها.

مشاركة:
حجم الخط:

من الموصل إلى المخا

ليست كل الانسحابات العسكرية هزيمة، كما أن كل تقدم عسكري لا يعني بالضرورة أن الحرب حُسمت.

أحيانًا يكون الانسحاب نتيجة انهيار مفاجئ، وأحيانًا يكون إعادة تموضع، وأحيانًا أخرى يصبح جزءًا من مسار أكبر تتغير معه طبيعة الحرب نفسها.

من هذه الزاوية تحديدًا، يمكن النظر إلى ما يجري في اليمن اليوم.

فسيطرة الحوثيين على المخا، بعد حيس والخوخة، وتقدمهم باتجاه جزر حنيش، وتراجع القوات المناهضة لهم جنوبًا نحو ذباب، تضع الحرب اليمنية أمام نقطة تحول تتجاوز قيمة المدن التي سقطت.

فالمعركة تتحرك تدريجيًا نحو باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي أصبح منذ سنوات نقطة تماس بين الأمن اليمني والإقليمي والدولي.

وتشير أحدث المعطيات إلى أن الحوثيين باتوا أقرب إلى المضيق، فيما أعادت القوات المناهضة لهم تنظيم وجودها جنوب المخا. (Reuters⁠)

عبده فايد يكتب: انقلاب الشرق الأوسط على يد الحوثيين وإيران

وهنا تبرز أمامنا صورة من التاريخ القريب تستحق التأمل.

العراق 2014.

ليس لأن الحوثيين هم داعش، وليس لأن اليمن هو العراق، وإنما لأن آلية تحول الحرب المحلية إلى حرب دولية قد تتكرر بصورة مختلفة.

العراق 2014: عندما أصبح الانسحاب مقدمة للتدويل

في عام 2014، لم تبدأ قصة التحالف الدولي في العراق بقرار أمريكي مسبق لخوض حرب واسعة.

كانت البداية انهيارًا أمنيًا وعسكريًا سريعًا.

انهارت قطعات عسكرية وأمنية في مناطق واسعة، وسقطت الموصل، ثم تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في الأنبار وصلاح الدين وديالى وأجزاء أخرى، ووجد العراق نفسه أمام واقع أمني جديد تجاوز قدرة الدولة على احتوائه بمفردها.

وكان مشهد الموصل تحديدًا صادمًا: قوات كبيرة انسحبت، وتركت مواقعها ومعداتها، فتسارعت عملية سقوط المدينة ومناطق أخرى.

لكن أهمية ذلك الحدث لم تكن في سقوط الموصل وحدها.

الأهم أن سقوطها غيّر تعريف المشكلة.

قبل ذلك كان العالم يتعامل مع داعش باعتباره تهديدًا عراقيًا وسوريًا.

بعد تمدده وسيطرته على مساحات واسعة، أصبح التهديد عابرًا للحدود، وأصبح خطره يمس الأمن الإقليمي والدولي.

وهنا ولد التحالف الدولي.

وفي سبتمبر 2014 تشكلت القيادة المشتركة لعملية مواجهة داعش، ثم انطلقت عملية «العزم الصلب» بمشاركة دولية واسعة. وفي السنوات التالية فقد التنظيم معظم الأراضي التي سيطر عليها في العراق وسوريا. (Washington Institute⁠)

إذن الدرس ليس أن:

الجيش ينسحب → التحالف يأتي.

بل إن المعادلة الأدق هي:

انسحاب عسكري → تمدد الخصم → الوصول إلى نقطة استراتيجية → تحول التهديد إلى قضية عابرة للحدود → يصبح التدخل الدولي ضرورة سياسية وأمنية.

وهنا تحديدًا تبدأ المقارنة مع اليمن.

المخا ليست الموصل… ولكن باب المندب قد يكون أهم

لا يمكن وضع المخا والموصل في كفة واحدة.

الموصل مدينة كبيرة في قلب العراق، بينما المخا مدينة ساحلية ذات قيمة جيوسياسية استثنائية.

لكن ما يجعل المخا خطرة ليس حجمها.

إنه موقعها.

تقع المخا على مسافة تقارب 70 إلى 80 كيلومترًا من باب المندب، وتشكل جزءًا من المنظومة الجغرافية التي تتحكم في الوصول إلى المضيق. والسيطرة الحوثية عليها جاءت بالتزامن مع تحركات باتجاه جزر حنيش، بينما تراجعت القوات المناهضة للحوثيين نحو ذباب القريبة مباشرة من باب المندب وجزيرة بريم. 

وهنا يتغير معنى الحرب.

الحوثيون لا يتحركون فقط نحو مدينة أخرى.

إنهم يتحركون باتجاه ممر بحري دولي.

وباب المندب ليس شأنًا يمنيًا.

إنه طريق يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويرتبط مباشرة بحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.

ولهذا فإن أي قوة مسلحة تقترب من القدرة على التحكم في هذا الممر أو تعطيله لا تعود مجرد طرف في حرب أهلية.

تصبح عاملًا في أمن الاقتصاد العالمي.

من الحرب اليمنية إلى أزمة الملاحة الدولية

هذه هي النقطة التي أعتقد أنها تستحق أكبر قدر من الانتباه.

إذا بقي الحوثيون في شمال اليمن، فإن العالم يستطيع التعامل مع الأمر بوصفه جزءًا من الحرب اليمنية.

لكن إذا تمكنوا من تثبيت وجودهم على الساحل الغربي والتقدم باتجاه ذباب وباب المندب وجزر حنيش، فإن تعريف المشكلة يتغير.

تصبح القضية:أمن البحر الأحمر، أمن الملاحة الدولية، أمن الطاقة.

ثم:

أمن السعودية والخليج.

وعند هذه النقطة يصبح من الصعب جدًا على الولايات المتحدة والدول الأوروبية والقوى البحرية الكبرى أن تتعامل مع الوضع باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا.

وقد بدأت المؤشرات على هذا التحول بالفعل؛ إذ ربطت التقارير الأخيرة بين تقدم الحوثيين وبين مخاطر جديدة على حركة الشحن، وعلى صادرات الطاقة السعودية التي تعتمد بصورة أكبر على البحر الأحمر في ظل اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. 

والسؤال هنا: لماذا الانسحاب جنوبًا؟

هذه هي العقدة التي تستحق البحث.

القوات المناهضة للحوثيين لم تختفِ من المشهد.

بل تشير المعلومات إلى أنها أعادت تنظيم صفوفها جنوب المخا، وأن طارق صالح وجّه بتشكيل مركز قيادة بديل في مكان آمن، بالتشاور مع قيادة التحالف ومجلس القيادة الرئاسي. كما تحركت قوات أخرى باتجاه ذباب لتعزيز الجبهة القريبة من باب المندب. (نافذة اليمن⁠)

إذن نحن أمام احتمالين رئيسيين.

الأول: أن يكون ما جرى انهيارًا عسكريًا حقيقيًا أدى إلى فقدان المخا، ثم محاولة احتواء الانهيار جنوبًا.

والثاني: أن يكون الانسحاب، أو جزء منه، إعادة تموضع تنقل مركز المعركة من الدفاع عن المخا إلى الدفاع عن باب المندب.

ولا يمكن حتى الآن الجزم بأحد الاحتمالين.

لكن إذا كان الاحتمال الثاني هو الأقرب، فإننا أمام تغيير في وظيفة الجبهة.

القوات لم تعد مطالبة فقط بمنع الحوثيين من دخول المخا.

بل أصبحت مطالبة بمنعهم من الوصول إلى النقطة التي تجعل تدخل المجتمع الدولي أكثر احتمالًا.

هنا تظهر الإمارات

وهنا ينبغي ألا نختزل طارق صالح في شخصه.

طارق يمثل أحد المكونات العسكرية الرئيسية التي تشكلت في الساحل الغربي، وهو جزء من بنية عسكرية وسياسية ارتبطت تاريخيًا بالدعم الإماراتي وبالمشروع الأوسع لأبوظبي في السواحل والموانئ والجزر والممرات البحرية اليمنية.

ومن ثم فإن إعادة انتشار قواته لا ينبغي قراءتها باعتبارها قرارًا شخصيًا منفصلًا عن المعادلة الإماراتية.

السؤال الأهم هو:

هل تتغير وظيفة القوة الإماراتية والمحلية في الساحل الغربي من إدارة جبهة يمنية إلى المشاركة في منظومة أوسع لحماية باب المندب؟

هذا سؤال مختلف تمامًا.

فالإمارات بنت خلال سنوات الحرب شبكة علاقات ونفوذ في جنوب اليمن والساحل الغربي، وكان للموانئ والجزر والممرات البحرية مكان بارز في هذه السياسة.

ولهذا فإن خسارة المخا، على الرغم من أهميتها، لا تعني بالضرورة انتهاء الدور الإماراتي.

قد تعني، في سيناريو آخر، إعادة تعريف هذا الدور.

فإذا انتقلت المعركة إلى باب المندب، فإن قيمة القوات المحلية الموجودة جنوب المخا ستزداد، لا تنخفض.

طارق صالح… من الدفاع عن المخا إلى معركة باب المندب؟

من هنا يصبح موقع طارق صالح أكثر أهمية.

إذا نجحت قواته والقوات المتحالفة معها في الحفاظ على تماسكها جنوبًا، فقد تتحول المخا من قاعدة أمامية إلى منطقة خلفية، بينما يصبح ذباب وباب المندب خط الدفاع الحقيقي.

وهذا يعني أن خسارة مدينة لا تعني بالضرورة خسارة المعركة.

لكنها في الوقت نفسه تفرض سؤالًا صعبًا:

لماذا لم يتم الدفاع عن المخا حتى النهاية؟

وهذا السؤال لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام شخصي.

بل إلى سؤال عن القرار العملياتي والتحالفات التي تقف خلف الجبهة.

هل كانت القدرة على الدفاع غير كافية؟

هل فُضّل الحفاظ على القوات الثقيلة بدل استنزافها داخل المدينة؟

هل كان هناك تقدير بأن المعركة الحاسمة ستكون جنوبًا؟

أم أن الجبهة انهارت أسرع مما توقع الجميع؟

هذه الأسئلة ستحدد مستقبل القراءة.

اليمن 2026… هل يتكرر العراق 2014؟

هنا نصل إلى جوهر الفكرة.

في العراق:

انهارت الجبهة → تمدد داعش → أصبح الخطر إقليميًا → تشكل التحالف الدولي.

وفي اليمن يمكن أن تصبح المعادلة:

انهارت جبهة الساحل → تمدد الحوثيون → اقتربوا من باب المندب → أصبح الخطر بحريًا ودوليًا → يبدأ التحالف الدولي بالتحرك.

الفارق أن العراق احتاج إلى تهديد المدن والدول المجاورة كي يتبلور القرار الدولي.

أما اليمن فلا يحتاج إلى ذلك.

يكفي أن يصبح باب المندب غير آمن.

لأن أي تهديد حقيقي لهذا المضيق يعني تهديد طريق بحري عالمي.

وهنا تكمن المفارقة

قد يكون تقدم الحوثيين انتصارًا عسكريًا وتكتيكيًا.

لكن إذا دفعهم هذا الانتصار إلى الاقتراب من باب المندب، فقد يتحول إلى مشكلة استراتيجية بالنسبة إليهم.

لأن السيطرة على مدينة يمنية شيء.

والاقتراب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم شيء آخر.

كلما اقترب الحوثيون من باب المندب، ارتفعت قدرتهم على الضغط على خصومهم.

لكن في الوقت نفسه:

ترتفع مبررات التدخل الدولي ضدهم.

وهذه هي المفارقة التي يجب ألا تغيب عن التحليل.

من باب المندب إلى التحالف الدولي

لن يحتاج التحالف الدولي، إذا تشكل، إلى إعلان حرب شاملة على اليمن.

قد يبدأ الأمر بأهداف محدودة جدًا:

حماية الملاحة.

تأمين السفن.

حماية الممر البحري.

منع السيطرة على المضيق.

ضرب منصات الصواريخ والطائرات المسيّرة.

تأمين الجزر والممرات.

ثم تتوسع المهمة تدريجيًا إذا استمرت التهديدات.

وهذه هي الطريقة التي يمكن أن تتحول بها عملية بحرية محدودة إلى عملية عسكرية متعددة الأبعاد.

ومن هنا أعتقد أن الحديث عن «تحالف دولي» يجب ألا يُفهم بالضرورة بوصفه نسخة طبق الأصل من تحالف 2014 ضد داعش.

قد يكون تحالفًا بحريًا وجويًا في البداية.

ثم يتحول إلى دعم مباشر للقوات المحلية.

ثم إلى عملية عسكرية أوسع.

لكن اليمن لا يتحرك وحده

وهنا تتسع الصورة.

ما يجري في اليمن يأتي في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

في لبنان، تتواصل العمليات الإسرائيلية في الجنوب ضد ما تقول إسرائيل إنها بنى ومواقع لحزب الله، رغم وجود وقف إطلاق نار برعاية أمريكية، فيما يضغط المسار السياسي اللبناني على الحزب في قضية السلاح. (Reuters⁠)

وفي العراق، يبقى ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران ونزع سلاحها أو إخضاعه للدولة في صلب العلاقة بين بغداد وواشنطن، بالتزامن مع إعادة تعريف مهمة التحالف الدولي في العراق.

وفي اليمن، يقترب الحوثيون من باب المندب.

ثلاثة مسارح.

ثلاثة أذرع مسلحة.

ثلاثة مواقع مختلفة في الجغرافيا.

لكنها جميعًا تقع داخل الصراع نفسه على مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة.

هل يجري كسر شبكة الوكلاء الإيرانيين؟

هذه ربما تكون الفرضية الأوسع.

إيران بنت خلال العقود الماضية منظومة نفوذ تعتمد على حلفاء وقوى مسلحة خارج حدودها.

حزب الله في لبنان.

الفصائل المسلحة في العراق.

الحوثيون في اليمن.

قوة هذه المنظومة أنها تمنح طهران قدرة على فتح أكثر من جبهة دون أن تخوض الحرب كلها بقواتها النظامية.

لكن نقطة ضعفها هي أنها تصبح قابلة للاستهداف على مستوى الوكلاء.

ومن هنا يمكن تصور استراتيجية مختلفة:

بدل الذهاب مباشرة إلى حرب شاملة مع إيران، يتم الضغط على حلقات القوة المحيطة بها.

لبنان: إضعاف القدرة العسكرية لحزب الله.

العراق: حصر السلاح داخل مؤسسات الدولة.

اليمن: تحييد الحوثيين ومنعهم من تحويل باب المندب إلى ورقة إيرانية.

إذا نجحت هذه العملية، فإن إيران قد تحتفظ بقوتها داخل حدودها، لكنها تفقد جزءًا مهمًا من عمقها الاستراتيجي الخارجي.

وهذه، في رأيي، معركة أكبر من اليمن نفسه.

الجنوب اللبناني ليس ملفًا منفصلًا

من هذه الزاوية أيضًا، يصبح ما يجري في جنوب لبنان أكثر أهمية.

فالعمليات الإسرائيلية لا تستهدف فقط مواقع إطلاق النار، وإنما تركز على البنية العسكرية التي تسمح لحزب الله بإعادة بناء قوته في الجنوب. وقد أفادت تقارير حديثة عن استهداف منشآت وأنفاق ومخازن أسلحة تابعة للحزب. (Reuters⁠)

وهنا تظهر صورة إقليمية مثيرة:

في لبنان يتم الضغط على الذراع الإيراني شمالًا.

في العراق يجري الضغط على الذراع الإيراني شرقًا.

وفي اليمن قد يصبح الحوثيون تحت ضغط دولي من الجنوب.

أما إيران نفسها فتواجه السؤال الأكبر:

هل تستطيع الحفاظ على شبكة الردع الإقليمية إذا فقدت قدرة وكلائها على فتح الجبهات؟

ولكن هل هناك غرفة عمليات واحدة؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

التزامن بين الأحداث لا يثبت وحده وجود خطة واحدة.

لا نستطيع القول إن واشنطن أو إسرائيل أو السعودية أو الإمارات قررت مسبقًا «إسقاط المخا» من أجل استدعاء التحالف الدولي ما لم تظهر أدلة مباشرة على ذلك.

لكن يمكننا طرح فرضية استراتيجية أكثر تحفظًا:

قد تكون التطورات المتزامنة في لبنان والعراق واليمن جزءًا من بيئة إقليمية واحدة يجري فيها تقليص قدرة إيران على استخدام وكلائها، حتى لو لم تكن العمليات الثلاثة تُدار من غرفة عمليات واحدة.

وهذا أكثر قوة من نظرية المؤامرة.

لأنه يقرأ النتائج والمصالح والبنية الاستراتيجية بدل افتراض النوايا.

اللحظة التي يصبح فيها التدخل الدولي حتميًا

إذا أردنا تحديد نقطة التحول، فهي ليست سقوط المخا وحدها.

بل ما بعد المخا.

إذا وصل الحوثيون إلى ذباب.

إذا اقتربوا من جزيرة بريم.

إذا ثبت وجودهم العسكري في محيط باب المندب.

إذا عادت الهجمات على السفن التجارية.

إذا استُهدفت ناقلات النفط.

إذا تعطلت حركة الملاحة.

عندها ستنتقل المسألة من:

«حرب اليمن»

إلى:

«أمن البحر الأحمر».

وعندما يصبح أمن البحر الأحمر مهددًا، لن يكون التدخل الدولي ترفًا سياسيًا.

سيصبح ضرورة.

وهنا تحديدًا يمكن أن يتكرر درس العراق 2014.

ليس في التفاصيل.

بل في المنطق الاستراتيجي.

من الموصل إلى المخا

في الموصل، فتح الانسحاب العسكري الباب أمام تمدد داعش.

وفي اليمن، قد يكون انسحاب القوات من المخا قد فتح الباب أمام تمدد الحوثيين نحو منطقة أكثر حساسية بكثير من المخا نفسها.

في العراق، أصبح تمدد داعش سببًا في تشكيل تحالف دولي.

وفي اليمن، قد يؤدي تمدد الحوثيين نحو باب المندب إلى تشكيل تحالف دولي جديد، لكن تحت عنوان مختلف:

حماية الملاحة الدولية.

وهنا تصبح الجغرافيا أقوى من السياسة.

الخلاصة: المخا ليست نهاية الحرب

سقوط المخا مهم.

لكن الأهم هو ما الذي سيأتي بعد سقوطها؟

إذا توقف الحوثيون عند المخا، فقد تبقى المعركة ضمن حدود الحرب اليمنية.

أما إذا استمروا نحو ذباب وباب المندب وحنيش، فإنهم يقتربون من الخط الذي يفصل بين الحرب المحلية والأمن الدولي.

وهنا يمكن أن يحدث التحول.

قد تبدأ المرحلة المقبلة بانسحاب.

ثم إعادة تنظيم.

ثم إعادة بناء القوات جنوبًا.

ثم دخول الدعم الإقليمي بصورة أكبر.

ثم حماية بحرية دولية.

ثم عمليات جوية.

ثم، إذا تطورت الأحداث، تحالف دولي واسع لإعادة رسم ميزان القوة في اليمن والبحر الأحمر.

وفي هذه المعادلة لا ينبغي النظر إلى طارق صالح منفردًا، بل إلى موقع قواته داخل المعادلة الإماراتية والتحالفية في الساحل الغربي، وإلى الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه القوات في المرحلة المقبلة إذا انتقلت المعركة من المخا إلى باب المندب.

أما السؤال الأكبر، فيبقى:

هل انسحاب القوات من المخا كان بداية انهيار الجبهة، أم بداية انتقالها إلى مرحلة جديدة؟

لأن التاريخ العسكري يعلمنا أن بعض الانسحابات تنهي الحرب، وبعضها ينقلها إلى مكان آخر.

وفي اليمن، قد يكون المكان الجديد هو باب المندب.

وعند باب المندب لا تعود الحرب يمنية فقط.

هناك تبدأ مصالح العالم.

ومن هناك، قد يصبح التحالف الدولي ليس احتمالًا بعيدًا، وإنما النتيجة الطبيعية لتطورات بدأت بانسحاب عسكري وانتهت بتهديد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.

وربما يكون هذا هو المفتاح الحقيقي لفهم ما يجري:

الحوثيون قد يربحون المخا، لكن السؤال الاستراتيجي هو: ماذا سيخسرون إذا قادهم انتصارهم في المخا إلى باب المندب؟

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك