مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: حكايات سينمائية (1)  يوم وضعتني أمي في يد الجنيّة

كيف حفظت أمي كل هذا؟ كيف استطاعت امرأة لا تقرأ أن تحفظ أحداث فيلم وحواراته ومواقفه بهذه الدقة وطوال هذه السنوات؟

مشاركة:
حجم الخط:

كانت علاقتي، أنا وأقراني من  أطفال شبرا، بالسينما لا تتجاوز سينما “فلوريدا” القابعة أمام بيتنا في شارع أبي الفرج.

كانت أفلامها الثلاثة، في عرضها المستمر، نزهتنا الأسبوعية الأحب.

ننزل إليها في الصباح، ولا نخرج منها إلا في المساء.

ننتقل من فيلم إلى آخر، ونظل طوال اليوم داخل ذلك العالم الذي لم نكن نريد له أن ينتهي.

كانت السينما بالنسبة لي هي “فلوريدا”

ولم أكن أعرف أن خلف تلك القاعة التي ألفناها عالمًا آخر، وأن للسينما أبوابًا كثيرة يمكن أن تفتحها في روح طفل.

محمد الروبي يكتب: ماذا لو وجدتُ الباب؟ ذلك هو السؤال

حتى جاءت اللحظة الساحرة.

كان عيد ميلادي السادس، وكان يمكن أن تكون هديتي ساعة، أو دراجة، أو لعبة جديدة.

لكن أمي، السيدة عائشة، رحمها الله، اختارت لي هدية أخرى.

اصطحبتني إلى إحدى دور سينما وسط البلد.

وكان الفيلم “صوت الموسيقى”

كلما عدت بذاكرتي إلى تلك اللحظة، يدهشني سؤال لا أجد له جوابًا:

من أين جاءت لهذه المرأة البسيطة تلك الفكرة المدهشة؟

لماذا اختارت أن تهدي طفلها فيلما؟ كيف خطر لها أن تمنحني ساعات من الضوء والصورة والموسيقى، بدل ساعة أو دراجة أو لعبة؟

في مدخل القاعة وقفت مبهورا بجمال حوائطها وسلالمها.

ثم سحرتني مقاعدها الوثيرة المختلفة عن مقاعد فلوريدا الخشنة. وقبل أن أفيق من دهشتي انطفأت الأنوار،ثم ظهرت “ماريا”.

كانت تركض فوق الجبال، وثوبها يتحرك مع الريح، والموسيقى تصعد معها حتى بدا لي أن الطبيعة كلها تغني.

كنت أحدق في الشاشة مبهورًا.

لم أكن أعرف كيف يمكن للصورة أن تكون بهذا الاتساع، ولا كيف تستطيع الموسيقى أن تجعلني أشعر بأنني أركض مع امرأة لا أعرفها في مكان لم أره من قبل.

ثم ظهر الأطفال السبعة، دخلوا الحكاية، ودخلوا معها إلى قلبي.

صار لكل واحد منهم وجهه وحركته وصوته، وأصبحوا، في دقائق قليلة، أصدقاء أعرفهم وأنتظر ظهورهم.

فيلم صوت الموسيقى
فيلم صوت الموسيقى

أتذكر حتى الآن مشهد “دو ري مي” في الحديقة.

ماريا والأطفال، والغناء والحركة، والسلالم التي بدت كأنها جزء من اللحن، والحديقة التي تحولت أمام عيني إلى مسرح كبير.

كنت في مقعدي، لكنني كنت أركض معهم.

ثم بدأ شيء ما يتغير.

دخل الحب إلى الحكاية، ودخل معه ذلك الارتباك الذي لم أكن أفهمه تمامًا.

كنت أرى ماريا والكابتن فون تراب، وأشعر بأن شيئًا جديدًا يحدث، شيئًا أكبر من عالم الأطفال والأغنيات.

ثم جاء الخوف.

لم أكن أعرف يومها معنى السياسة، ولا معنى النازية، ولا لماذا أصبح هؤلاء الذين أحببتهم مهددين. لم أفهم كل ما يجري، لكنني شعرت به.

وربما كانت هذه واحدة من أولى حيل السينما التي تعلمتها من دون أن أعرف، أن تفهم شيئًا قبل أن تعرف اسمه.

وحين جاءت لحظة الهروب، وصعدت الأسرة نحو الجبال، كنت مشدودًا إلى الشاشة كأن مصيرهم يعنيني شخصيًا.

لقطة من فيلم صوت الموسيقى
لقطة من فيلم صوت الموسيقى

خرجت من السينما وأنا أحمل الفيلم معي.

حفظته عن ظهر قلب..مشاهده، وأغنياته، وشخصياته، وتسلسل أحداثه، وبعض حواراته.

لكن ما لم أكن أتوقعه أن أكتشف، بعد سنوات طويلة، أن أمي حفظته هي الأخرى.

فحين أعيد عرضه في التلفزيون بعد سنوات ،وكنت أجلس إلى جوارها، فاجأتني بأنها تسبق الشاشة لتخبرني:

” سيقول لها الآن كذا… ستذهب مع الأولاد إلى الحديقة… سيغضب… سيحبها… سيهربون”

وأظل مندهشًا.

كيف حفظت أمي كل هذا؟

كيف استطاعت امرأة لا تقرأ أن تحفظ أحداث فيلم وحواراته ومواقفه بهذه الدقة وطوال هذه السنوات؟

وكلما فكرت في الأمر الآن أعود إلى السؤال الأول:

من أين جاءت لأمي تلك الفكرة المدهشة؟

لماذا السينما؟

لماذا لم تشترِ لي ساعة؟ لماذا لم تأخذني إلى متجر لأختار لعبة؟

لقد أختارت أن تهديني السينما، فوضعتني، من حيث لا تدري، في يد الجنيّة.

تلك الجنيّة الصغيرة، المشاغبة، الساحرة، التي لا نراها، لكنها تعرف كيف تدخل الروح من باب الصورة، وكيف تجعل مشهدًا عابرًا يسكن الذاكرة نصف قرن.

وكيف تجعل موسيقى قديمة تعيد إلينا، فجأة، رائحة مقعد السينما، ويد أم تمسك بيد طفل، ودهشة طفل يرى العالم على شاشة كبيرة.

مع مرور السنوات كبرتُ أنا، وكبر معي شغفي بالسينما.

وكلما استرحت على مقعد في دار عرض أشاهد فيلماً جديدًا، أتمتم بيني وبين نفسي:

  “الله يرحمك يا أُمّه”

شارك المقال: