آراء و تحليلات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: تركيا وميراث الفوضى

تركيا كبيرة بما يكفي لكي تزعج الجميع، لكنها ليست قوية إلى الحد الذي يسمح لها بتجاهل الجميع

مشاركة:
حجم الخط:

يصعب وضع تركيا في خانة واحدة منذ بدأت المنطقة تدخل هذه المرحلة المضطربة. خطابها تجاه إسرائيل شيء، وعلاقاتها الاقتصادية والسياسية شيء آخر، موقفها من إيران لا يشبه موقفها من السعودية، وحضورها في سوريا يتجاوز بكثير حدود الدولة التي تشترك معها في حدود طويلة. قد يبدو ذلك تناقضا إذا افترضنا أن كل دولة مطالبة باختيار معسكر، لكنه يصبح أكثر قابلية للفهم إذا رأينا أن أنقرة تحاول ألا تخرج من إعادة تشكيل المنطقة وهي خارج غرفة القرار.

تصريح أحمد داود أوغلو عن التجارة مع إسرائيل يلتقط جزءا من هذه الصورة. بعض الأرقام التي أوردها تحتاج إلى تدقيق مستقل، لكن أصل المشكلة ليس مختلقا. العلاقات الاقتصادية التركية الإسرائيلية كانت عميقة قبل الحرب، وظلت آثارها حاضرة حتى بعدما اتخذت أنقرة قرارات متدرجة لتقييد التجارة ثم وقفها رسميا. وفي الوقت نفسه كان أردوغان يرفع سقف خطابه ضد إسرائيل إلى مستوى غير مسبوق. التناقض هنا ليس بين دولتين تتاجران، فالتجارة لا تتبع دائما لغة السياسة، وإنما بين خطاب يريد أن يحتفظ بموقع سياسي وأخلاقي في الشارع الإسلامي، ومصالح دولة لا تستطيع أن تتعامل مع الجغرافيا كأنها قابلة للمحو بالخطابات.

لكن تركيا التي تستطيع أن ترفع صوتها في وجه إسرائيل ليست تركيا حرة الحركة إلى الحد الذي قد يوحي به خطابها. عضويتها في الناتو تضع فوق خياراتها سقفا لا تستطيع تجاهله، حتى وهي تدفع منذ سنوات باتجاه استقلالية استراتيجية أكبر عن واشنطن. تركيا تحتاج إلى الحلف في بيئة بحر أسود مضطربة، وتحتاج في الوقت نفسه إلى الولايات المتحدة في ملفات السلاح والطاقة والاقتصاد والتوازن مع روسيا، لكنها لا تريد أن تتحول عضويتها إلى التزام دائم بالسياسات الأميركية التي تخالف حساباتها في سوريا وفلسطين وإيران.

ولهذا تبدو العلاقة مع موسكو شديدة الحساسية. روسيا ليست حليفا يمكن لتركيا أن تنصرف عنه، ولا خصما تستطيع أنقرة التعامل معه من وراء ظهر الجغرافيا. في سوريا، البحر الأسود، الطاقة، القوقاز، وحتى ملف الحبوب، تراكمت بينهما مصالح جعلت الصدام المباشر مكلفا، رغم أن كل واحدة منهما تنظر إلى الأخرى بوصفها منافسا على المجال نفسه. تركيا تشتري من روسيا وتختلف معها، تتعاون معها في ملفات وتنافسها في أخرى، وتحتاج إلى بقائها قوة يمكن التفاوض معها، لا إلى انهيارها أمام الغرب.

معتز منصور يكتب: من يمنح ؟ ومن يمنع ؟

الصين تضيف طبقة أخرى لا تظهر كثيرا في الخطاب السياسي اليومي. بكين ليست قوة تتحرك على الحدود التركية، لكنها حاضرة في التجارة والطاقة والبنية التحتية وسلاسل الإمداد، وفي الطريق الذي تريد تركيا أن تجعل نفسها جزءا مركزيا منه بين آسيا وأوروبا. أنقرة تريد أن تكون عقدة في هذا الطريق، لا مجرد سوق طرفية له. وهذا يعني أن علاقتها بالصين لا يمكن أن تخضع فقط لحسابات واشنطن أو للخطاب المتعلق بآسيا الوسطى والأتراك الإيغور، كما لا تستطيع أن تنظر إلى بكين بمنطق المنافسة وحده.

وفي قلب كل ذلك تقف المسألة الكردية، وهي الجرح الذي لا تسمح الجغرافيا التركية بإخفائه. وجود كردي مسلح أو شبه مستقل في سوريا والعراق ليس بالنسبة إلى أنقرة ملفا خارجيا عاديا. إنه امتداد مباشر لأمنها الداخلي، ولذلك تصبح كل علاقة تركية مع واشنطن أو موسكو أو طهران مرتبطة، بطريقة أو بأخرى، بما تفعله هذه القوى مع الأكراد.

وهنا يدخل الإيرانيون إلى المشهد من باب مختلف. تركيا وإيران تتنافسان على النفوذ، لكنهما تواجهان أيضا مشكلة مشتركة في احتمال تحول القضية الكردية إلى مشروع عابر للحدود. وهذا ما يفسر لماذا تستطيع أنقرة أن تختلف بشدة مع طهران في سوريا والقوقاز، ثم تجد مساحة للتفاهم معها حين يصبح الأمر متعلقا بمنع تغيير خرائط الأكراد. المسألة ليست تحالفا، بل تقاطع مصالح مؤقتا فوق خصومة أعمق.

كل هذه القيود تفسر شيئا من البراغماتية التركية التي تبدو أحيانا انتهازية وأحيانا ذكية، بحسب موقع الناظر إليها. أنقرة لا تستطيع قطع إيران، ولا مواجهة روسيا، ولا خسارة الصين، ولا الانسحاب من الناتو، ولا التخلي عن سوريا، ولا خوض حرب مع إسرائيل، ولا ترك الملف الكردي يتشكل من دونها. ولذلك صارت إدارة التناقضات بديلا عن اختيار طريق واحد.

في سوريا تحديدا تتجمع هذه الأعباء كلها. تركيا تريد دولة سورية لا فراغا أمنيا على حدودها، وتريد إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش، لكنها تريد أيضا أن يكون لها تأثير حقيقي في هذا البناء. بالنسبة إليها، خروج إيران من سوريا لا ينبغي أن ينتهي بخروج تركيا أيضا. أما إسرائيل فتقرأ أي إعادة بناء عسكري سوري تحت مظلة تركية باعتباره تغيرا في ميزان القوة، لا مجرد خطوة سورية داخلية.

لهذا جاءت ضربة أبو الظهور في 18 أغسطس أكثر دلالة من حجم الموقع نفسه. إسرائيل قصفت القاعدة بعد زيارة وفد تركي، وسط مخاوف من تمركز عسكري تركي فيها، ثم ظهرت الحاجة إلى تحرك أميركي لمنع احتكاك مباشر بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا. نفت أنقرة ودمشق روايات عن إنشاء قاعدة تركية دائمة، لكن الواقعة نفسها قالت ما يكفي: كلما تحولت المساعدة التركية لسوريا من دعم سياسي واقتصادي إلى بنية أمنية وعسكرية، اقتربت من الخط الذي تعتبره إسرائيل جزءا من أمنها الخاص.

وهذا الخط ليس محصورا بالجنوب. شمال سوريا وشرقها والعلاقة مع تركيا كلها تدخل في الحساب الإسرائيلي، لأن الدولة السورية التي تريد أنقرة مساعدتها على استعادة مؤسساتها ليست الدولة التي تريد إسرائيل أن تبقى عليها بعد الحرب. دمشق تحتاج إلى جيش، وإسرائيل تريد أن تعرف أي جيش سيكون ذلك، ومن سيسلحه، ومن سيدربه، وأين سينتشر. تركيا تريد أن تكون حاضرة في الإجابة عن هذه الأسئلة، وإسرائيل تريد أن تحتفظ لنفسها بحق الاعتراض عليها.

في هذا المناخ جاءت مكة. اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان في 7 أغسطس ينص على أن أي عدوان مسلح على دولة منها يعد عدوانا على الدول الثلاث. الاتفاق لا يسمي إيران خصما، وأنقرة تقول إنه لا يستهدف دولة بعينها، لكن توقيته وتركيب أطرافه يجعلان من الصعب فصله عن التحول الذي أحدثته الحرب في ميزان الأمن الإقليمي. السعودية تحمل ثقل الخليج، وباكستان تملك قوة عسكرية ونووية، وتركيا تملك جيشا كبيرا وصناعة دفاعية وعلاقة بالناتو. اجتماع هذه العناصر في صيغة دفاعية واحدة ليس مجرد إعلان تضامن بين ثلاث دول.

ومع ذلك لا تستطيع تركيا أن تتعامل مع هذا الاتفاق باعتباره بداية قطيعة مع إيران. مصالحها مع طهران، وحدودها، وملف الأكراد، والطاقة، والتجارة، تجعل المواجهة المفتوحة خيارا شديد الكلفة. لذلك تستطيع أنقرة أن تجلس مع السعودية وباكستان في اتفاق دفاعي، وتترك في الوقت نفسه بابها مفتوحا أمام إيران. بالنسبة إلى تركيا، ليست هذه ازدواجية مؤقتة، بل طريقة عمل فرضتها عليها خريطة لا تسمح لها برفاهية الاصطفاف الكامل.

حتى علاقتها بإسرائيل تدخل في الحساب نفسه. أردوغان يستطيع أن يهاجم إسرائيل سياسيا، وأن يدعم القضية الفلسطينية، وأن يضغط اقتصاديا، وفي الوقت نفسه يتجنب الحرب المباشرة. لكن هامش المناورة يضيق عندما تنتقل المنافسة إلى سوريا، لأن تركيا هناك لا تتحدث فقط باسم موقف سياسي، بل تدخل في بناء دولة وجيش ونظام أمني. وهنا يصبح الاحتكاك الإسرائيلي التركي أكثر واقعية وأقل قابلية للإدارة بالبيانات.

المشهد كله يكشف أن القوة التركية ليست بلا أثمان. تركيا كبيرة بما يكفي لكي تزعج الجميع، لكنها ليست قوية إلى الحد الذي يسمح لها بتجاهل الجميع. تحتاج الناتو، لكنها تريد استقلالية أكبر عنه. تحتاج موسكو، لكنها لا تريد أن تقع في مجالها. تحتاج الصين اقتصاديا، لكنها تتحرك ضمن تحالف تقوده واشنطن. تنافس إيران، لكنها تحتاج إلى التفاهم معها في ملفات لا تستطيع تجاهلها. تحاصر الحركة الكردية، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع قوى كردية أصبحت جزءا من ترتيبات الأمن الإقليمي. وتريد نفوذا في سوريا، لكنها تعرف أن أي توسع زائد هناك يمكن أن يضعها وجها لوجه أمام إسرائيل.

لهذا لا تبدو تركيا دولة تتحرك فوق الخريطة، بل دولة محكومة بها أيضا.

الفوضى منحت أنقرة فرصا هائلة، لكنها ورثتها معها. تراجع النفوذ الإيراني فتح أبوابا في سوريا والعراق، لكنه وضع تركيا أمام مسؤولية أكبر عن أمن تلك المساحات. ضعف النظام السوري القديم منحها فرصة لإعادة تشكيل العلاقة مع دمشق، لكنه جعل كل خطوة تركية محسوبة في تل أبيب وموسكو وواشنطن. الحرب مع إيران فتحت مجالا لإعادة توزيع القوة، لكنها جعلت أمن الخليج والبحر الأسود والحدود التركية أكثر ترابطا من ذي قبل.

حتى مكة يمكن قراءتها من هذا الباب. تركيا لا تدخل تحالفا دفاعيا مع السعودية وباكستان لأنها حسمت موقعها في مواجهة إيران، بل لأنها تريد أن تكون داخل أي بنية أمنية ستولد من هذه الحرب. وهي لا تحتاج إلى أن تعلن أن الاتفاق موجه ضد طهران كي تستفيد من وجودها في شبكة تستطيع، عند الحاجة، أن تحد من قدرة إيران على الحركة.

وهكذا يصبح ميراث الفوضى شيئا مزدوجا. تركيا ترث مواقع نفوذ، لكنها ترث معها صراعات هذه المواقع. كل مساحة تدخلها تجر وراءها خصما أو حليفا مشروطا أو قوة دولية لها حساباتها. وكلما اتسع مجال الحركة التركية، تقلصت قدرتها على الادعاء بأنها مجرد وسيط.

أنقرة تريد أن تكون القوة التي لا يستطيع الإقليم الاستغناء عنها. وهذا هدف مختلف عن أن تكون حليفا لواشنطن، أو خصما لإسرائيل، أو منافسا لإيران، أو راعيا لسوريا، أو شريكا للسعودية. هذه كلها أدوات داخل مشروع أوسع، مشروع أن تصبح تركيا مركزا من مراكز القرار التي لا يمكن تجاوزها حين يعاد رسم المنطقة.

لكن هذا المشروع يحمل مفارقته داخله. كلما نجحت تركيا في تحويل ضعف الآخرين إلى قوة لها، أصبحت هي نفسها أكثر وضوحا على شاشة خصومها. إسرائيل ستراقبها، روسيا ستوازنها، إيران ستنافسها، الولايات المتحدة ستضغط عليها، والأكراد سيبقون عقدتها الداخلية والإقليمية، بينما ستحتاج إلى الصين بقدر ما تحتاج إلى الغرب.

لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل تركيا مع إيران أم ضدها، مع إسرائيل أم ضدها، مع الخليج أم ضده؟

تركيا تحاول ألا تكون مضطرة إلى اختيار واحد من هذه الأسئلة.

لكن الإقليم الذي يولد من الحرب قد لا يمنحها هذه الرفاهية طويلا.

فالفوضى التي أتاحت لتركيا أن توسع مجالها، قد تكون هي نفسها التي تجبرها في النهاية على دفع ثمن هذا التوسع.

شارك المقال: