قطب العربي يكتب: محرقة رابعة عندما خسر الجميع
تحركت جماهير من التي انتخبت مرسي دفاعا عن إرادتها، وأصواتها تدافعوا للاعتصام في ميدان رابعة والنهضة، وطافت مظاهراتهم العديد من الأماكن

صورة من ميدان رابعة عقب فض الاعتصام
“هناك أيام لا ينبغي للأوطان أن تنساها لا لأنها تمنحها مجدًا، وإنما لأنها تذكّرها بما يمكن أن يفعله الإنسان بأخيه الإنسان”
تلك هي الجملة التي افتتح بها الروائي إبراهيم القاضي مقاله في موقع آخر الكلام في الذكرى الثالثة عشر لمذبحة رابعة
و”الخاسر كان مصر”
هي جملة النهاية في المقال، ومن -موقعي المختلف سياسيا مع الكاتب- أتفق معه في جملة الافتتاح وجملة الختام.
لكن ما بينهما يحمل بعضا من الاتفاق وبعضا من الاختلاف أيضا، وحديثي هنا ليس اشتباكا مع ما كتبه القاضي فقط، لكنه اشتباك مع كل الكتابات المماثلة.
قطب العربي يكتب: هل نجحت أساطيل غزة في تحقيق غرضها؟
مذبحة رابعة هي محرقة مصر
هي الحدث الأسوأ في تاريخ مصر، وليس من المبالغة هنا أن نضيف (قديمه وحديثه) ومن كان لديه في هذا التاريخ حادثة أسوأ فليذكرها لنا.
والحديث عن هذه المذبحة لا يبدأ بالغوص في تفاصيلها للتنقيب عن مبررات لهذا الطرف أو ذاك، ولكنه يبدأ من أصل (حق الاعتصام) دفاعا عن إرادة مغتصبة، ولا يعني ذلك بطبيعة الحال التهرب من مناقشة تفاصيل الاعتصام ومواقف الأطراف المختلفة إلخ، لكننا نتحدث عن ترتيب أولويات النقاش.
قام المصريون بثورة شعبية عظيمة هي ثورة يناير 2011
نجحت الثورة في خلع رأس النظام ونفرا من مساعديه، وأرست بدايات حياة ديمقراطية سليمة (كانت الشعار السادس لثورة الجيش في يوليو 1952 لكنها لم تنفذ على مدى ستين عاما)
أنتجت هذه البدايات دستورا جديا بموافقة ثلثي المصريين، وأنتجت برلمانا بغرفتيه بتمثيل واسع لكل القوى السياسية التي كانت محرومة من هذا التمثيل من قبل.
وأنتجت رئيسا مدنيا لأول مرة في تاريخ الجمهورية، صحيح أن انتخابه تم بأغلبية طفيفة 51.7% لكن هذه النتيجة في ذاتها تؤكد دقة وسلامة العملية الانتخابية وتماثلها مع النظم الديمقراطية.
فقد فاز الرئيس الفرنسي هولاند بالنسبة ذاتها (51,6%) في التاريخ ذاته (15 مايو 2012)
يا لها من معجزة فقد أصبح لدينا رئيس مدني لأول مرة
ونحن الذين كنا نتصور(على الأقل جيلنا) أننا محكومون للأبد بحكم عسكري، وأن غاية ما كنا نتمناه هو إصلاحات سياسية تسمح لنا بالتنفس السياسي.
لم تسمح النخبة العسكرية التي حكمت مصر طيلة الستين عاما الماضية لهذا الإنجاز -وأقصد الحكم المدني- أن ينجح أو يستمر.
هل نتذكر الصرخة الهاتفية الشهيرة لأحد رجال الأمن مخاطبا مدير أمن البحيرة ليلة 28 يناير(الشعب ركب يا باشا؟!)
ها هو الشعب يسترد مقاليد حكمه لنفسه، أو هكذا تصورنا، لكن أنى له ذلك؟
وكيف لجنرالات يعتقدون جازمين أنهم ولدوا ليحكموا لا ليعطوا التحية لغيرهم، وأن مصر هبتهم، وأن حكمها مكتوبا باسمهم، كيف لهم أن يستسلموا، وأن يتنازلوا عن ملكهم، ولمن؟ لمدنيين لا يعرفون كيف تدار الدول؟!
حتى لا أتهم بالخطابية المملة، ندخل سريعا لسبب الاعتصام فقد وقع الانقلاب على الرئيس المدني المنتخب، بل على التجربة الديمقراطية الوليدة التي أنتجتها ثورة يناير، والتي كان من الممكن أن تصحح أخطائها مع الوقت مثل غيرها من عمليات الانتقال الديمقراطي.
كان هناك أكثر من نصف المصريين ممن أدلوا بأصواتهم في الانتخابات صوتوا للرئيس مرسي، كانوا يمتلئون بدماء وطنية وثورية نقية، لم يقبلوا الانقلاب، شعروا أنهم ليسو أقل من غيرهم من الشعوب التي قاومت الانقلابات العسكرية ودفعت ثمنا كبيرا في تلك المقاومة.
كانت تجربة الانقلاب على هوجو تشافيز في فنزويلا حاضرة بقوة، لم يكن مر عليها عشر سنوات، ما إن وقع الانقلاب في مصر حتى تحركت جماهير من التي انتخبت مرسي دفاعا عن إرادتها، وأصواتها.
تدافعوا للاعتصام في ميدان رابعة والنهضة، وطافت مظاهراتهم العديد من الأماكن، لم يشاركهم هذه التحركات والمشاعر من صوتوا ضد الرئيس مرسي في الانتخابات، أو حتى بعضا ممن صوتوا له ثم اختلفوا معه وهذا حقهم.
المشكلة أن هؤلاء وقفوا إلى جانب الانقلاب بل مهدوا له، ودعوه للحكم، (ليسو جميعا بطبيعة الحال)
ودعوه لفض رابعة بالقوة، ورقصوا على أشلاء إخوانهم المصريين، وغنوا لمن قتلهم “تسلم الأيادي”، وروجوا لأغنية “انتو شعب وإحنا شعب”
الاعتصام في ميدان رابعة أو النهضة كان اجتهادا سياسيا
ربما كشفت التداعيات لاحقا خطأه، لكن هذا الاكتشاف لا يعني إدانة من نظموه، أو شاركوا فيه بأثر رجعي.
تجربة الحكم نفسها خلال عام بنيت على اجتهادات لمن يمارسون الحكم لأول مرة، أصابوا في بعضها وأخطأوا في بعضها.
لم يكن من نظموا الاعتصام ينوون شرا بجمهورهم، ولا أن يتاجروا بدماءهم، لا يمكن – بمزاعم الموضوعية- توزيع الاتهامات بدرجات متساوية على من نظموا الاعتصام والذي هو حق مشروع، وبين من انقضوا على هذا الاعتصام المشروع بكل القوة الغاشمة التي يفترض أنها قوة لحماية المصريين لا لقتلهم!
الحديث عن علم قيادة الاعتصام بموعد فضه
ومع ذلك لم يبلغوا المعتصمين بذلك هو محاولة اخرى لتبرئة القاتل، لقد كنت واحدا من المشاركين في الاعتصام أتنقل بين رابعة والنهضة، وكانت تردنا طيلة فترة الاعتصام أنباء عن فض الاعتصام غدا أو خلال ساعات.
وقد مرت الساعات والأيام دون فض، وتحولت تلك الأنباء وجديدها إلى مجرد تكهنات أو تنبؤات.
أو حتى شائعات تذكرنا بقصة الراعي والذئب، حيث كرر الراعي الادعاء بأن ذئبا يقترب من غنمه، ولم يكن ذلك صحيحا، وحين صرخ أخيرا بحق حين اقترب الذئب منه لم يجد من يصدقه!.
تقديري الشخصي أن إدارة الاعتصام كانت تتطلب عقلا سياسيا أكثر نضجا
وبدائل متعددة للتعامل مع كل الاحتمالات، كان المطروح خيارا واحدا وهو الاستمرار في الاعتصام وفقط، وهذا خطأ ينبغي الاعتراف به.
كان اختيار المكان وسط ثكنات عسكرية تحيطه من كل جانب خطأ آخر، فكيف تقاوم انقلابا عسكريا وأنت على أرضه، ووسط مدافعه ونيرانه؟!
لا أخجل من الاعتراف أن الدفاع عن الشرعية – رغم أنه واجب- لم يكن يستحق كل تلك الدماء، ولا كل هذه الجروح التي لا تزال تنزف.
فحين وقع انقلاب أبيض على رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان عام 1998، وطالبته قيادة الجيش بمجموعة من المطالب التعسفية، التي لا يمكن له تنفيذها ترك لهم السلطة وعاد إلى بيته، لم يدعو لاعتصام أو مظاهرات الخ،
ومرة أخرى هذا لا يقلل من قيمة ونبل الاعتصام (والمعتصمين) باعتباره حق مشروع في مواجهة باطل (الإنقلاب) أرهق مصر ولا يزال.






