ترجمات

هل بدأت نهاية «الشرق الأوسط الأميركي»؟

يرى الباحث مارك لينش في تحليل لـ«فورين أفيرز» أن الحرب على إيران والحرب الإسرائيلية على غزة أضعفتا النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وقللتا ثقة حلفاء واشنطن بضماناتها الأمنية، ما قد يدفع المنطقة نحو نظام أكثر تعددًا في مراكز القوة.

مشاركة:
حجم الخط:

يرى مارك لينش في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» أن الحرب على إيران، إلى جانب الحرب الإسرائيلية على غزة،

كشفت حدود الهيمنة الأميركية وأضعفت ثقة حلفاء واشنطن في ضماناتها الأمنية.

لأكثر من ثلاثة عقود، لعبت الولايات المتحدة دور القوة الرئيسية المنظمة للأمن والسياسة في الشرق الأوسط.

لكن هذا الدور يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا، بحسب تحليل سياسي نشرته مجلة «فورين أفيرز» للباحث مارك لينش.

ويذهب لينش إلى أن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، إلى جانب تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة،

لم تكن مجرد أزمة عسكرية جديدة، بل كشفت نقاط ضعف تراكمت داخل النظام الإقليمي الذي تشكل منذ نهاية الحرب الباردة.

وبحسب هذا الطرح، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنسحب من الشرق الأوسط بصورة مفاجئة،

وإنما ما إذا كانت قدرتها على فرض قواعد اللعبة الإقليمية قد بدأت تتراجع بصورة لا يمكن عكسها بسهولة.

حرب إيران تختبر النفوذ الأميركي

يرى المقال أن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق هدفهما المعلن تجاه النظام الإيراني أضعف الصورة التقليدية عن التفوق العسكري الأميركي.

كما أن عدم قدرة واشنطن على ضمان استمرار الملاحة في مضيق هرمز، أو منع وصول الهجمات الإيرانية

إلى بعض المواقع والقواعد في الخليج، أثار تساؤلات جديدة لدى حلفائها حول قيمة الضمانات الأمنية الأميركية.

وهنا تكمن نقطة التحول الأساسية، وفق لينش: فالقوة الأميركية لم تعد تُقاس فقط بحجم القواعد والأسلحة

المنتشرة في المنطقة، وإنما بقدرتها على حماية الحلفاء وفرض نتائج سياسية بعد استخدام القوة.

ثلاثة عقود من الهيمنة الأميركية

تشكل النظام الإقليمي الحالي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج عام 1991.

ومنذ ذلك الوقت، بنت واشنطن شبكة واسعة من القواعد والترتيبات الأمنية بهدف احتواء الخصوم، خصوصًا العراق وإيران، وحماية حلفائها في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، حاولت الولايات المتحدة بناء إطار أوسع يجمع إسرائيل والدول العربية في منظومة أمنية مشتركة،

مع إبقاء إيران والقوى المتحالفة معها خارجها.

وقد استمر هذا النظام، بحسب المقال، رغم تغيرات كبيرة شهدتها المنطقة والعالم، من حرب العراق إلى الربيع العربي ثم صعود أدوار الصين وروسيا وتغير أولويات دول الخليج.

الثمن الذي دفعته المنطقة

لكن الاستقرار الذي وفره النظام الأميركي، وفق تحليل لينش، جاء بتكلفة مرتفعة على سكان المنطقة.

فقد شهدت العقود الماضية حروبًا متكررة، وتدخلات عسكرية، وعقوبات، وانهيار دول، إضافة إلى استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ويشير المقال إلى العراق بوصفه أحد أبرز الأمثلة، حيث أدت سنوات العقوبات ثم الغزو الأميركي عام 2003 إلى تداعيات بشرية وسياسية واقتصادية واسعة.

كما يربط الكاتب بين التدخلات العسكرية والسياسات الأمنية وبين توسع أنماط القمع السياسي وتراجع المساحات الديمقراطية في عدد من دول المنطقة.

غزة كسرت ما تبقى من الشرعية المعنوية

يضع لينش الحرب الإسرائيلية على غزة في قلب التحولات الحالية.

فبحسب تحليله، أدى الدعم الأميركي لإسرائيل، خصوصًا خلال إدارة جو بايدن، إلى تآكل ما تبقى

من السلطة المعنوية لواشنطن لدى قطاعات واسعة من المنطقة.

وفي الوقت نفسه، أدى استمرار الحرب وتراجع فرص التسوية الفلسطينية إلى تعقيد المشروع الأميركي

الرامي إلى دمج إسرائيل في منظومة أمنية إقليمية تضم الدول العربية.

وبذلك، لم تعد القضية الفلسطينية ملفًا منفصلًا عن الحسابات الإقليمية، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في علاقة واشنطن بحلفائها العرب.

الخليج يعيد حساباته

يرى المقال أن أحد أخطر آثار الحرب يتمثل في تغير حسابات دول الخليج.

فالدول التي اعتمدت لعقود على المظلة الأمنية الأميركية أصبحت أكثر إدراكًا لاحتمال اختلاف المصالح بين واشنطن وحلفائها.

والأهم أن الحرب مع إيران اندلعت، وفق المقال، رغم معارضة بعض دول الخليج لها، ما جعل هذه الدول تواجه تداعيات الصراع دون أن تكون صاحبة القرار في بدايته.

ومن هنا، قد يصبح تنويع الشراكات الأمنية والسياسية خيارًا أكثر أهمية بالنسبة إلى دول المنطقة خلال السنوات المقبلة.

هل تتجه دول الخليج نحو استقلالية أكبر؟

لا يتوقع المقال أن تنفصل دول الخليج عن الولايات المتحدة بصورة فورية.

فالاعتماد العسكري والأمني والاقتصادي المتبادل ما زال كبيرًا، كما لا توجد في الوقت الحالي قوة بديلة قادرة على الحلول محل واشنطن بالكامل.

لكن لينش يعتقد أن الاستمرار في التعاون مع الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة استمرار النظام الإقليمي القديم بالشكل نفسه.

فقد تتجه الدول الخليجية إلى توسيع علاقاتها مع إيران والصين وروسيا، أو عقد ترتيبات أمنية ثنائية وإقليمية تقلل اعتمادها على الضمانات الأميركية.

إسرائيل وإيران… قوتان خارج السيطرة الأميركية؟

يشير التحليل إلى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام قوتين إقليميتين يصعب التحكم في مسارهما.

فإسرائيل، بحسب المقال، تبدو أكثر استعدادًا لاستخدام القوة بصورة مستقلة، بينما قد تسعى إيران، بعد الحرب، إلى إعادة بناء نفوذها الإقليمي وتعزيز قدرتها على الردع.

وهذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تحافظ على تحالفاتها من دون أن تتحول إلى طرف مضطر لدعم كل قرار تتخذه حلفاؤها؟

منافسة سعودية إماراتية على النفوذ

ولا تقتصر التحولات المحتملة على العلاقة مع الولايات المتحدة.

فبحسب المقال، يمكن أن تصبح المنافسة بين السعودية والإمارات أحد المحاور الرئيسية للنظام الإقليمي الجديد، خصوصًا مع اختلاف مصالح البلدين في ملفات مثل سوريا واليمن والقرن الأفريقي.

وفي المقابل، قد تبحث الرياض عن تحالفات أوسع تضم دولًا مثل مصر وتركيا وقطر وباكستان لموازنة النفوذ الإماراتي والإسرائيلي المدعوم أميركيًا.

ماذا عن الصين وروسيا؟

لا يعني تراجع الهيمنة الأميركية بالضرورة انتقال المنطقة إلى هيمنة صينية أو روسية.

الأرجح، وفق المنطق الذي يطرحه المقال، أن يصبح الشرق الأوسط أكثر تعددًا في الشراكات.

فالدول الإقليمية قد تتعامل مع واشنطن في ملف، ومع بكين أو موسكو في ملف آخر، بينما تحتفظ بعلاقات مباشرة مع طهران أو غيرها من القوى الإقليمية.

وبذلك، قد يكون التحول الحقيقي هو الانتقال من نظام تهيمن عليه قوة واحدة إلى نظام أكثر تنافسًا وتعددًا في مراكز النفوذ.

هل تتكرر لحظة السويس؟

يقارن لينش التحول الحالي بأزمة السويس عام 1956، عندما كشفت الأزمة حدود القوة البريطانية والفرنسية ومهدت لتحول كبير في النظام الدولي.

لكن الكاتب يحذر من أن التحولات الكبرى لا تحدث بين ليلة وضحاها.

فبريطانيا وفرنسا لم تختفيا من الشرق الأوسط مباشرة بعد أزمة السويس، بل استمر نفوذهما لسنوات.

وبالمثل، لن تختفي الولايات المتحدة من المنطقة فجأة، حتى إذا بدأ نظامها الإقليمي في التراجع.

لماذا قد يستمر النفوذ الأميركي رغم التراجع؟

رغم كل هذه التحولات، ما زالت الولايات المتحدة تمتلك أدوات نفوذ هائلة.

وتشمل هذه الأدوات القواعد العسكرية، والتعاون الاستخباراتي، والدفاع الصاروخي، والعلاقات العسكرية، إلى جانب الروابط الاقتصادية والسياسية.

لذلك، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس انسحابًا أميركيًا كاملًا، وإنما تراجع تدريجي في قدرة واشنطن على التحكم في قرارات حلفائها.

وهذا فارق جوهري بين نهاية الوجود الأميركي ونهاية الهيمنة الأميركية.

هل تستطيع واشنطن بناء نظام إقليمي جديد؟

يقترح لينش أن إعادة بناء النفوذ الأميركي تتطلب تغييرًا في طريقة تعامل واشنطن مع المنطقة.

ويضع في مقدمة ذلك تقليص الاعتماد على التدخل العسكري، وتوسيع الدور الدبلوماسي، والتركيز على الدفاع الجماعي وحرية الملاحة بدل اللجوء المتكرر إلى القوة.

كما يدعو إلى دمج إيران في ترتيبات أمنية إقليمية بدل استمرار سياسة الاحتواء العسكري، مع إعادة النظر في طبيعة العلاقة الأميركية مع إسرائيل.

وبحسب هذا الطرح، فإن واشنطن تحتاج أيضًا إلى إعطاء مساحة أكبر لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، بدل الاعتماد الحصري على العلاقات مع الحكومات القائمة.

نظام إقليمي جديد… أم فوضى أطول؟

المشكلة أن انهيار النظام القديم لا يعني تلقائيًا ظهور نظام أفضل.

فإذا تراجعت الهيمنة الأميركية من دون ظهور ترتيبات بديلة، فقد تصبح المنطقة أكثر عرضة للصراعات والمنافسة بين القوى الإقليمية.

وقد يؤدي ذلك إلى زيادة التدخلات في دول مثل سوريا واليمن وليبيا والسودان ولبنان، مع صعوبة أكبر أمام واشنطن في إدارة هذه الأزمات.

وفي المقابل، قد يفتح تراجع النظام القديم الباب أمام ترتيبات أكثر استقلالية، تتولى فيها دول المنطقة مسؤولية أكبر عن أمنها وعلاقاتها الخارجية.

المصدر: مارك لينش، فورين أفيرز.

شارك المقال: