عزت إبراهيم يستعرض: حلقات اللوموند عن قناة السويس (1)
يقدم مقال صامويل فوري في «لوموند» قراءة تاريخية لقناة السويس بوصفها مشروعا بدأ كإنجاز هندسي فرنسي ذي خيال استعماري، ثم تحول تدريجيا إلى رمز للهيمنة الأوروبية، قبل أن تعيد مصر صياغة معناه بالكامل مع تأميم القناة عام 1956.

قناة السويس شريان العالم البحري
مفارقة قناة السويس بين هيكل ولوموند!
في وقت ينشغل الداخل المصري بنقاش حول تصريح عبثي بشأن قناة السويس وإمكانية طرحها بديلا لتسوية مديونيات خارجية قدمت صحيفة لوموند الفرنسية علي مدي ستة أيام درسا في الصحافة العميقة ب ٦ حلقات مطولة عن قناة السويس في التاريخ المعاصر وكيف كانت السبب في صعود وغروب إمبراطوريات.
حلقات اللوموند التي اعدها مراسلها في القاهرة تقدم إطلالة مبهرة عن تاريخ كتب فيه وعنه الكثير.
ولكن هذه الحلقات تشكل في هذا الظرف رسالة في وقتها عن المكانة الاستراتيجية الرفيعة التي تدفع كبري الصحف الفرنسية إلي قراءة جديدة لقناة يتجدد دورها الجيوسياسي في عالم يتغير بسرعة هائلة.
ملخص الحلقة الأولي:
يقدم مقال صامويل فوري في «لوموند» قراءة تاريخية لقناة السويس بوصفها مشروعا بدأ كإنجاز هندسي فرنسي ذي خيال استعماري، ثم تحول تدريجيا إلى رمز للهيمنة الأوروبية، قبل أن تعيد مصر صياغة معناه بالكامل مع تأميم القناة عام 1956.
عزت إبراهيم يقرأ كتاب: لوبي إسرائيل (1) لوبي لا يشبه غيره
لا يروي المقال تاريخ الممر الملاحي فقط، وإنما يتتبع «أسطورة السويس» نفسها:
كيف ولدت في المخيلة الأوروبية باعتبار القناة بوابة الغرب إلى الشرق، وكيف ارتبطت بالاستعمار البريطاني والفرنسي، ثم كيف انهارت هذه الأسطورة عندما انتقلت السيادة الفعلية إلى مصر.
يبدأ الكاتب من تمثال فرديناند دي لسبس في بورسعيد، أو بالأدق من القاعدة الخالية التي كان يقف عليها التمثال.
اختار المقال هذا المشهد مدخلا رمزيا:
الرجل الذي اعتبرته أوروبا صاحب القناة اختفى تمثاله، بينما بقيت القناة نفسها تحت السيادة المصرية. كان التمثال، الذي افتتح عام 1899، يرتفع نحو 17 مترا عند مدخل القناة، ويدير ظهره لبورسعيد فيما يشير إلى السفن القادمة من البحر.
حمل في يده مخططات القناة، ونقشت على قاعدته عبارة لاتينية تعني «فتح الأرض للبشر».
هذا التصور يلخص الرؤية الأوروبية للمشروع:
أوروبا تفتح الشرق أمام التجارة والحضارة.
يرجع المقال إلى 25 أبريل 1859، عندما وصل دي لسبس إلى الشريط الرملي الذي ستنشأ عليه بورسعيد وضرب أول معول في الأرض معلنا أن المشروع سيفتح الشرق أمام «تجارة الغرب وحضارته»
بدأت بعدها عملية هندسية هائلة لحفر قناة بلغ طولها وقت الافتتاح نحو 161 كيلومترا، بعرض يقارب 100 متر وعمق ثمانية أمتار، وسط المستنقعات والكثبان والتكوينات الصخرية ودرجات الحرارة المرتفعة.
عانى المهندسون الفرنسيون نقص المياه وظروف الصحراء إلى حد أنهم أطلقوا على المكان وصفا يقارنه بمستعمرة العقاب الفرنسية في كايين.
اعتمدت المراحل الأولى بصورة كبيرة على العمالة المحلية.
استدعي الصيادون المصريون لحفر قناة أولية عبر طمي بحيرة المنزلة، وانتزعوا الطين بأيديهم وراكموا الكتل على الجوانب حتى تشكل الساتر الذي أصبح من الأسس الأولى لبورسعيد.
بدأ الموقع بنحو 150 عاملا يعيشون في الخيام، ثم ارتفع العدد بعد عام إلى نحو ألفي شخص، وبعد عقد بلغ سكان بورسعيد عند افتتاح القناة نحو عشرة آلاف نسمة.
ولدت المدينة فعليا من مشروع القناة، ثم أصبحت لاحقا واحدة من أهم مدن البحر المتوسط.
لم يكن التحدي هندسيا فقط.
اصطدم المشروع بالمنافسة بين فرنسا وبريطانيا وبمخاوف الدولة العثمانية. خشيت لندن أن تتحول القناة إلى موطئ قدم استعماري فرنسي في مصر، وربطت مشروع نابليون الثالث بذكريات حملة نابليون بونابرت.
أما الدولة العثمانية فخشيت اتساع استقلال مصر داخل الإمبراطورية، خاصة بعد موجة الحركات القومية التي أدت إلى استقلال اليونان.
افتتحت القناة رسميا في 17 نوفمبر 1869، بعد عشر سنوات من بدء الحفر.
حول النجاح دي لسبس إلى شخصية عالمية، وقدم المشروع باعتباره دليلا على قدرة الهندسة الحديثة على إعادة رسم الجغرافيا. استخدمت في العمل تقنيات حديثة في عصرها، من بينها الجرافات الميكانيكية، وصممت القناة منذ البداية لتتلاءم مع السفن البخارية، لا مع السفن الشراعية التي كانت ما تزال حاضرة بقوة في التجارة البحرية.
أحدثت القناة انقلابا في المسافات البحرية بين أوروبا وآسيا.
أصبحت الرحلة من لندن إلى بومباي تستغرق نحو عشرين يوما بدلا من الالتفاف الطويل حول رأس الرجاء الصالح. ساهم هذا التحول في تغذية المخيلة الأوروبية حول السفر والعالم الجديد المترابط.
يشير المقال إلى أن جول فيرن استلهم هذه الإمكانية الجديدة في روايته «حول العالم في ثمانين يوما» الصادرة عام 1872.
أصبحت السويس جزءا من الثقافة الشعبية الأوروبية، وليست مجرد منشأة ملاحية.
سرعان ما أدركت بريطانيا أنها أخطأت في معارضة المشروع.
أصبحت أكبر مستخدم للقناة لأنها وفرت الطريق الأقصر إلى الهند، أهم ممتلكاتها الإمبراطورية.
في 1875 اشترت الحكومة البريطانية أسهم الخديو إسماعيل في شركة قناة السويس، ثم احتلت مصر عام 1882.
منذ ذلك التاريخ ترسخ نظام معقد:
بريطانيا تسيطر سياسيا وعسكريا على مصر، بينما ظل للفرنسيين نفوذ واسع في إدارة شركة القناة والاستفادة من أرباحها.
تحولت القناة بذلك إلى أحد الأعمدة الأساسية للإمبراطورية البريطانية.
ظهر تعبير «شرق السويس» لوصف العالم الممتد من البحر الأحمر إلى الهند وشرق آسيا، واكتسب دلالات ثقافية واستعمارية عميقة.
استخدم روديارد كبلينغ التعبير في قصيدته «ماندالاي» حيث أصبح الشرق فضاء متخيلا للحرية والمغامرة والخروج من القيود الاجتماعية الأوروبية.
يوضح المقال أن المرور عبر القناة لم يكن بالنسبة لكثير من الأوروبيين مجرد انتقال جغرافي، وإنما عبور رمزي من أوروبا إلى عالم استعماري مختلف.
استفادت بورسعيد من هذا الدور وأصبحت مدينة دولية مكتظة بالبحارة والسياح والعمال والتجار والمغامرين.
انتشرت الفنادق الفاخرة والمتاجر والمسارح، وفي الوقت نفسه ازدهرت مناطق اللهو والبغاء في الشوارع الخلفية.
كان المسافرون يشترون من متاجر المدينة الملابس المناسبة للمناخ الاستوائي والخوذ الاستعمارية قبل التوجه إلى آسيا وأفريقيا.
صنعت القناة بهذا المعنى اقتصادا محليا وحياة مدينية جديدة، لكنها صنعت أيضا مجتمعا مرتبطا مباشرة بالوجود الأوروبي.
يستعيد المقال كذلك قصة مشروع لم يكتمل في مدينة السويس.
كان النحات الفرنسي فريدريك أوغست بارتولدي يقترح إقامة تمثال ضخم لامرأة مصرية تحمل شعلة تحت اسم «الحرية تنير الشرق»
لم ينفذ المشروع، ثم طور بارتولدي الفكرة في مشروع آخر أصبح لاحقا تمثال الحرية في نيويورك.
يستخدم الكاتب هذه الواقعة للتأكيد على حجم التأثير الثقافي والرمزي الذي أحاط بقناة السويس في أوروبا والولايات المتحدة.
أما الرواية المصرية فكانت مختلفة جذريا.
يستشهد المقال بالمؤرخ عبد الرحمن الرافعي الذي اعتبر ضربة المعول الأولى في المشروع ضربة أولى لاستقلال مصر.
موّلت الدولة المصرية قسما كبيرا من المشروع، واعتمدت أعمال الحفر الأولى على أعداد ضخمة من المصريين في ظروف شديدة القسوة، بينما حصلت البلاد على نصيب محدود من العوائد مقارنة بالأرباح التي تدفقت على الشركة والمساهمين الأوروبيين.
لذلك أصبحت القناة في الوعي الوطني رمزا للاختلال بين ما دفعته مصر وما حصلت عليه.
أدى المشروع أيضا إلى تفاقم الأزمة المالية المصرية في القرن التاسع عشر.
تحملت الدولة تكاليف ضخمة مرتبطة بالقناة وبمشروعات التحديث الواسعة في عهد الخديو إسماعيل، ثم اضطرت إلى بيع أسهمها في الشركة لبريطانيا عام 1875.
ربطت الحركة الوطنية بين السيطرة الأجنبية على القناة والتدخل الأوروبي المتزايد في المالية المصرية، ثم الاحتلال البريطاني.
من إنجاز هندسي تحتفي به أوروبا تحولت القناة داخل مصر إلى دليل مادي على فقدان السيادة.
بلغ هذا الصراع ذروته في 26 يوليو 1956 عندما أعلن جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس.
يقدم المقال الخطاب باعتباره لحظة انقلاب كامل في معنى القناة.
كرر عبد الناصر اسم دي لسبس أثناء الخطاب باعتباره كلمة السر لتنفيذ عملية الاستيلاء على منشآت الشركة، وحول المشروع الذي كان يمثل في المخيال الأوروبي نجاحا استعماريا إلى رمز للتحرر الوطني والسيادة الاقتصادية.
ردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالعدوان الثلاثي.
هاجمت إسرائيل سيناء، ثم نزلت القوات البريطانية والفرنسية في بورسعيد.
انتهت العملية سياسيا بالفشل بعد الضغط الأمريكي والدولي على لندن وباريس للانسحاب.
خرج عبد الناصر من الأزمة منتصرا سياسيا رغم الخسائر العسكرية، وأصبح تأميم القناة أحد أهم رموز صعود القومية العربية وحركات التحرر في آسيا وأفريقيا.
غادرت آخر القوات البريطانية والفرنسية بورسعيد في 23 ديسمبر 1956. قبيل الرحيل وضعت القوات علمي البلدين في يد تمثال دي لسبس في حركة استفزازية.
بعد ذلك تعرض التمثال للتفجير واختفى من مكانه.
يرى المقال أن مصير التمثال اختصر مصير الأسطورة نفسها:
الرجل الذي مثل انتصار أوروبا على الجغرافيا أصبح تمثاله رمزا لنظام استعماري رفضه المصريون.
امتدت آثار أزمة السويس إلى ما وراء مصر. كشفت الأزمة ضعف الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية وقدرتهما المحدودة على العمل بعيدا عن موافقة الولايات المتحدة.
بالنسبة لبريطانيا أصبحت السويس علامة واضحة على نهاية عصر الإمبراطورية. وبعد اثني عشر عاما قررت لندن الانسحاب من قواعدها العسكرية الرئيسية «شرق السويس»
أما فرنسا فاستخلصت من التجربة ضرورة امتلاك قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي عن واشنطن، وهو ما ارتبط لاحقا بتطوير القوة النووية الفرنسية وسياسات شارل ديغول.
ربط المقال أيضا السويس بموجة إنهاء الاستعمار.
أعطى انتصار مصر السياسي دفعة قوية للحركات الوطنية، ثم حصلت الجزائر على استقلالها من فرنسا بعد حرب طويلة.
اكتسب عبد الناصر مكانة دولية كبيرة في دول العالم الثالث، وأصبحت القناة نموذجا على إمكان استعادة الدول المستقلة حديثا السيطرة على الموارد والمشروعات التي أنشئت في الحقبة الاستعمارية.
لم ينته الدور الجيوسياسي للقناة بعد التأميم.
أصبحت خلال الصراع العربي الإسرائيلي خط مواجهة مباشرا. أغلقت بعد حرب يونيو 1967 وظلت مغلقة ثماني سنوات.
تحولت ضفتاها إلى جبهة عسكرية خلال حرب الاستنزاف، ثم عبر الجيش المصري القناة في أكتوبر 1973.
أعاد الرئيس أنور السادات افتتاحها للملاحة الدولية عام 1975، لتبدأ مرحلة جديدة تراجعت فيها الوظيفة الاستعمارية القديمة وأصبحت القناة مرفقا مصريا واستثمارا وطنيا وممرا دوليا في آن واحد.
يؤكد المقال أن مصر احتاجت أكثر من قرن لكي تحقق سيادة كاملة وغير منقوصة على الممر الذي شق في أراضيها.
بدأت القناة كمنطقة ذات طابع دولي وشركة ذات نفوذ أجنبي واسع، ثم أصبحت محور الصراع بين الاحتلال والحركة الوطنية، وبعد 1956 تحولت السيادة عليها إلى أحد أهم مرتكزات الدولة المصرية الحديثة.
ينتهي المقال بفكرة مختلفة عن السردية البطولية التقليدية للقناة.
تراجع الجانب الأسطوري للسويس مع تحول النقل العالمي. لم يعد المسافرون يتوقفون في بورسعيد وهم في طريقهم إلى الهند وآسيا، إذ حلت الطائرات محل السفن في حركة الأفراد.
كما ظهرت طرق برية وجوية وممرات وشبكات لوجستية منافسة.
تستطيع بعض السفن الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح عندما تفرض الأزمات الأمنية أو الاقتصادية ذلك، وأثبتت الأزمات الحديثة أن طريق السويس بالغ الأهمية لكنه ليس الطريق الوحيد.
تكيفت القناة باستمرار مع هذه التحولات.
توسعت أبعادها عدة مرات منذ القرن التاسع عشر، وزاد عمقها وقدرتها على استقبال السفن الأكبر، واتسعت التجمعات العمرانية على ضفتيها.
انتقلت من مشروع استثنائي يبهر أوروبا إلى جزء منتظم من البنية التحتية للتجارة العالمية.
يرى الكاتب أن هذه «العادية» تمثل في حد ذاتها نهاية للأسطورة الاستعمارية القديمة.
الخلاصة الأساسية للمقال الأول أن تاريخ قناة السويس يمكن قراءته في ثلاث مراحل مترابطة:
ولدت القناة في القرن التاسع عشر داخل مشروع أوروبي يربط الهند وآسيا بالاقتصاد والإمبراطوريات الغربية، تحولت بعد الاحتلال البريطاني إلى أحد أهم شرايين النظام الاستعماري.
ثم انتزعت مصر السيطرة عليها في 1956 وحولتها إلى رمز عالمي للسيادة وإنهاء الاستعمار.
لذلك لا يمثل تاريخ السويس قصة ممر ملاحي فقط، وإنما قصة تغير ميزان القوة بين مصر وأوروبا، وصعود الإمبراطوريات ثم تراجعها، وانتقال القناة من «بوابة الغرب إلى الشرق» إلى أصل استراتيجي مصري يخدم التجارة العالمية.
المصدر: صفحة الكاتب على فيس بوك






