د. أيمن خالد يكتب: تركيا والعامل الذي صنع الفارق
تركيا دولة جمهورية عمرها أكثر من قرن، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة إمبراطورية امتدت قروناً، وموقعاً جغرافياً جعلها في قلب التنافس بين أوروبا وآسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط والمتوسط.

خريطة تركيا
ربع قرن: ماذا كان؟ وما الذي تغير؟
في الرابع عشر من أغسطس/آب 2001، لم تكن تركيا التي أسست فيها مجموعة من السياسيين حزب العدالة والتنمية هي تركيا التي نراها اليوم.
كانت البلاد خارجة من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة، ومن عقد طويل شهد ائتلافات حكومية متعثرة، وتدخلات عسكرية في الحياة السياسية، وتضخماً مرتفعاً، وأزمة مصرفية قاسية عام 2001. وفي تلك اللحظة ظهر حزب جديد بقيادة رجب طيب أردوغان ورفاقه، قبل أن يصل إلى السلطة بعد عام واحد فقط في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2002.
اليوم، بعد ربع قرن، يصبح السؤال أكبر من الاحتفال بذكرى تأسيس حزب سياسي.
ما الذي حدث لتركيا؟
هل كان العامل الحاسم هو القيادة؟ أم القائد؟ أم الشعب؟ أم الاقتصاد؟ أم الموقع الجغرافي؟ أم التحولات الدولية؟ أم أن المسألة في الحقيقة كانت تفاعلاً بين هذه العناصر جميعاً، بحيث لم يعد بالإمكان فصل السياسي عن الاقتصادي، ولا الجغرافيا عن الدبلوماسية، ولا قوة الدولة عن طاقة المجتمع؟
ربما تكون الإجابة الأكثر إنصافاً أن تركيا لم يصنعها عامل واحد، وإنما صنعتها قدرة سياسية على جمع عوامل القوة المتفرقة وتحويلها إلى قدرة على الفعل.
وهنا تكمن أهمية التجربة.
من دولة تتلقى الصدمات إلى دولة تحاول صناعة الاستجابة
لم تبدأ القصة في 2001 من فراغ.
تركيا دولة جمهورية عمرها أكثر من قرن، لكنها تحمل في داخلها ذاكرة إمبراطورية امتدت قروناً، وموقعاً جغرافياً جعلها في قلب التنافس بين أوروبا وآسيا والبحر الأسود والشرق الأوسط والمتوسط.
ومنذ تأسيس الجمهورية، كان السؤال التركي الكبير: كيف تكون تركيا أوروبية دون أن تفقد عمقها الآسيوي والشرقي؟ وكيف تكون جزءاً من الغرب دون أن تتحول إلى مجرد تابع له؟
هذه المعضلة لم تختف في عهد العدالة والتنمية، لكنها اتخذت شكلاً أكثر براعة.
فتركيا تقدمت في مسار أوروبا، وأصبحت دولة مرشحة للاتحاد الأوروبي عام 1999، وبدأت مفاوضات الانضمام رسمياً عام 2005، بعد سلسلة إصلاحات سياسية وقانونية واسعة في السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية.
وفي تلك المرحلة كان الانضمام الأوروبي أكثر من هدف دبلوماسي؛ كان أيضاً أداة لإعادة بناء المؤسسات والاقتصاد وتوسيع مساحة الدولة المدنية.
لكن المفارقة أن المسار الأوروبي نفسه أصبح لاحقاً أحد العوامل التي دفعت تركيا إلى إعادة تعريف علاقتها بالغرب.
فالمفاوضات متوقفة عملياً منذ 2018، بينما بقيت تركيا عضواً في الناتو، وعضواً في الاتحاد الجمركي الأوروبي، وشريكاً اقتصادياً وأمنياً أساسياً لأوروبا.
وهنا بدأت تظهر فكرة تركية أكثر نضجاً:
لا تترك أوروبا، ولكن لا تجعل أوروبا هي المساحة الوحيدة لحركتك.
هل صنع أردوغان تركيا الجديدة؟
يصعب كتابة تاريخ ربع قرن من دون الاعتراف بالدور الاستثنائي لرجب طيب أردوغان.
لكن اختزال التجربة في شخص أردوغان وحده يظلم تركيا نفسها.
القائد يستطيع أن يوجه الدولة، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني مصانع، أو يطور جيلاً من المهندسين، أو يرفع الصادرات، أو يحول الموقع الجغرافي إلى ممرات تجارية، أو يصنع قاعدة صناعية عسكرية واسعة.
لذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل صنعت القيادة تركيا؟
بل:
ماذا فعلت القيادة بالطاقات التي كانت موجودة في الدولة والمجتمع؟
وهنا يظهر الفرق.
أردوغان لم يخلق الشعب التركي، ولم يخلق الدولة التركية، ولم يخلق الموقع الجغرافي، لكنه قاد خلال سنوات طويلة عملية إعادة ترتيب لهذه العناصر داخل مشروع سياسي متماسك.
لقد انتقل الخطاب من تركيا التي تريد أن تكون مقبولة لدى الآخرين إلى تركيا التي تريد أن تكون قادرة على التفاوض مع الآخرين من موقع القوة.
وهذا فارق استراتيجي كبير.
الاقتصاد.. عندما تصبح التنمية جزءاً من القوة السياسية
ربما يكون الاقتصاد هو أكثر عناصر التحول قابلية للقياس.
فوفق بيانات البنك الدولي، بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الحقيقي في تركيا نحو 5.4% سنوياً بين 2002 و2022، وتضاعف دخل الفرد الحقيقي خلال الفترة نفسها، بينما انخفض معدل الفقر بصورة كبيرة. وفي 2025 بلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 1.6 تريليون دولار، لتصبح تركيا من بين أكبر اقتصادات العالم.
لكن الاقتصاد التركي ليس قصة نجاح بلا كلفة أو مشكلات.
فتركيا ما زالت تواجه التضخم، والحاجة إلى رفع الإنتاجية، وتحديات الاستقرار النقدي، وتفاوتات اجتماعية وإقليمية. والبنك الدولي نفسه يشير إلى أن نمو الإنتاجية تباطأ منذ منتصف العقد الماضي، وأن استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي أصبحت من التحديات الأساسية.
وهذا مهم جداً في تقييم التجربة.
القوة لا تعني غياب المشكلات.
الدولة القوية هي التي تمتلك من الأدوات ما يسمح لها بإدارة مشكلاتها دون أن تتحول كل مشكلة داخلية إلى انهيار في قدرتها الخارجية.
وهنا نجد تفسيراً مهماً للسياسة التركية الحديثة.
فكلما توسعت الصناعة، زادت القدرة على التصدير.
وكلما زادت الصادرات، اتسعت شبكة المصالح الخارجية.
وكلما اتسعت المصالح، أصبحت الدبلوماسية أكثر قدرة على التفاوض.
وهكذا يتحول الاقتصاد من مجرد أرقام إلى أداة جيوسياسية.
العامل الذي لا يمكن استيراده: الإنسان التركي
لكن خلف هذه الأرقام كلها يوجد عامل لا يظهر بسهولة في الجداول الاقتصادية:
الإنسان.
العامل التركي، والمهندس، والحرفي، والتاجر، والمزارع، وصاحب المصنع، والطالب، والباحث، والشركة العائلية الصغيرة التي تحولت إلى شركة تصدر إلى عشرات الدول.
هذه الطاقة الاجتماعية هي أحد مفاتيح فهم التجربة.
ولذلك فإن الاحتفال بربع قرن من العدالة والتنمية لا ينبغي أن يتحول إلى احتفال بحزب وحده؛ لأن ما تحقق في تركيا شارك في صنعه مجتمع كامل.
حكومات تتغير، وأحزاب تتنافس، وسياسات تصيب وتخطئ، لكن العامل الذي يبقى هو المجتمع الذي يذهب إلى المصنع والجامعة والسوق والميناء والمطار كل صباح.
إن قوة تركيا الحديثة ليست فقط في القصر الرئاسي أو البرلمان أو الجيش.
إنها أيضاً في المجتمع الذي يريد أن يبني ويعمل ويعيش وينافس.
وهذا ربما يكون من أكثر عناصر التجربة استحقاقاً للإنصاف.
من “صفر مشكلات” إلى إدارة المشكلات
في السنوات الأولى للعدالة والتنمية، ظهرت سياسة خارجية ركزت على الاقتصاد، والانفتاح الإقليمي، والوساطة، والعلاقات التجارية، والاقتراب من الاتحاد الأوروبي.
وقد كانت تركيا آنذاك تحاول استخدام القوة الناعمة أكثر من القوة الصلبة.
لكن المنطقة لم تبقَ كما كانت.
جاء الربيع العربي، ثم الحرب السورية، وصعود التنظيمات المسلحة، وتغير الموقف الأمريكي، والتدخل الروسي في سوريا، وأزمة شرق المتوسط، وليبيا، والقوقاز، ثم الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي هذه البيئة انتقلت تركيا تدريجياً من سياسة تقوم على تعميق الاعتماد المتبادل إلى سياسة تبحث عن هامش استقلال استراتيجي أوسع. وتصف دراسات أكاديمية حديثة هذا التحول بأنه انتقال من القوة الناعمة والوساطة إلى البحث عن الاستقلالية الاستراتيجية، مع بقاء تركيا مرتبطة مؤسسياً بالغرب.
وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص السياسة التركية إثارة للاهتمام:
أنقرة لا تريد أن تختار دائماً بين الشرق والغرب؛ بل تريد أن تزيد قيمة موقعها لدى الطرفين.
هي عضو في الناتو، لكنها تتعامل مع روسيا.
وهي مرشحة للاتحاد الأوروبي، لكنها تبني علاقات واسعة مع آسيا وإفريقيا والخليج.
وهي شريك للولايات المتحدة، لكنها تختلف معها في ملفات استراتيجية.
وهي تتعامل مع الصين اقتصادياً، وروسيا في الطاقة والأمن، ودول الخليج في الاستثمار والدفاع، ودول إفريقيا في التجارة والبنية التحتية.
هذه ليست دائماً سياسة سهلة، وليست بلا أخطاء أو تكاليف.
لكنها تعكس محاولة واضحة لزيادة حرية الحركة التركية.
الجغرافيا التي تحولت إلى استراتيجية
تركيا لم تختر موقعها.
لكنها تعلمت كيف تستخدمه.
مضائق البوسفور والدردنيل.
البحر الأسود.
بحر إيجة.
شرق المتوسط.
القوقاز.
العراق.
سوريا.
الخليج ليس بعيداً.
وأوروبا ليست بعيدة.
وآسيا الوسطى متصلة بالهوية والتجارة.
هذه الجغرافيا تجعل تركيا دولة لا تستطيع القوى الكبرى تجاهلها.
لكن الموقع وحده لا يصنع النفوذ.
الموقع يعطي الفرصة، والقدرة السياسية تحول الفرصة إلى نفوذ.
وهذا هو أحد أهم ما تغير خلال ربع القرن.
لم تعد تركيا تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها حدوداً فقط، بل باعتبارها شبكة مسارات: طاقة، تجارة، موانئ، سكك حديد، طرق برية، ممرات جوية، كابلات، أنابيب، ومضائق.
ومن هنا نفهم اهتمامها بالممر الأوسط، ومشاريع النقل بين آسيا وأوروبا، والطاقة، والموانئ، والطرق التي تربط تركيا بالعراق وسوريا والخليج والقوقاز وآسيا الوسطى.
لقد تحولت الجغرافيا من خريطة إلى أداة تفاوض.
الجرأة.. من أين جاءت؟
ربما هذا هو السؤال الأكثر إثارة.
من أين حصلت تركيا على الجرأة لاتخاذ قرارات صعبة؟
الجرأة السياسية لا تولد من الخطاب وحده.
إنها تنشأ عندما يشعر صانع القرار بأن لديه بدائل.
إذا كنت تعتمد على مصدر واحد للسلاح، فأنت مقيد.
إذا كنت تعتمد على سوق واحدة، فأنت مقيد.
إذا كنت تعتمد على ممر واحد للطاقة، فأنت مقيد.
إذا كان اقتصادك مرتبطاً بمركز واحد، فأنت مقيد.
أما عندما تبني شبكة واسعة من البدائل، فإن مساحة القرار تتسع.
وهذا ما حاولت تركيا فعله تدريجياً.
الاستثمار في الصناعات الدفاعية مثال واضح.
ففي 2025 تجاوزت صادرات الصناعات الدفاعية والطيران التركية 10 مليارات دولار للمرة الأولى، مع منظومة صناعية تضم أكثر من 3500 شركة وأكثر من 1400 مشروع ونحو 100 ألف وظيفة مباشرة.
وهنا تصبح المسألة أبعد من بيع السلاح.
إنها تتعلق بـاستقلال القرار.
فالطائرة التي تصنعها في بلدك تمنحك حرية أكبر.
والسفينة التي تطورها في بلدك تمنحك هامشاً أكبر.
والصاروخ الذي تنتجه محلياً يغير حسابات الخصوم.
والشركة التي تصدر منتجاتها إلى الخارج تحول الصناعة إلى أداة نفوذ.
تركيا وأوروبا.. علاقة لم تنتهِ
وهنا يجب أن نكون منصفين.
رغم كل الخلافات، لم تتخل تركيا عن هدفها الأوروبي.
بل إن العلاقة مع أوروبا أصبحت أكثر تعقيداً من فكرة “عضوية أو لا عضوية”.
تركيا اليوم مرتبطة بالاتحاد الأوروبي اقتصادياً وصناعياً وتجارياً، والاتحاد الجمركي منذ 1995 خلق درجة عالية من الاندماج في سلاسل الإنتاج الأوروبية. كما أن تركيا تظل دولة مرشحة رسمياً للعضوية، رغم جمود مفاوضات الانضمام.
لكن تركيا التي تطرق باب أوروبا اليوم ليست تركيا التي طرقت الباب في العقود السابقة.
هي دولة عضو في الناتو.
قوة إقليمية.
اقتصاد كبير.
صناعة دفاعية تصدر إلى العالم.
دولة تتحكم في المضائق.
وشريك أساسي في أمن الطاقة والهجرة والتجارة الأوروبية.
ولهذا فإن الطموح الأوروبي التركي يمكن أن يقرأ من زاوية مختلفة:
أنقرة لا تريد أوروبا لأنها تحتاج إلى أوروبا فقط؛ بل تريد أن تدخل أوروبا وهي تعرف قيمة ما تحمله معها إلى الطاولة.
وهذا هو معنى الاقتدار.
التاريخ لم ينتهِ.. لكنه تغير
ربع قرن من العدالة والتنمية لا يعني ربع قرن من النجاحات المتواصلة.
هناك إخفاقات، وأزمات اقتصادية، واستقطاب سياسي، وأسئلة حول المؤسسات والحريات والقضاء، وتحديات في السياسة الخارجية.
والقراءة العلمية لا تسمح بتحويل التاريخ إلى مديح.
لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بتحويل التجربة إلى اختزال أيديولوجي.
فالذين يريدون تفسير تركيا من خلال أردوغان وحده لا يرون تركيا كلها.
والذين يريدون تفسيرها من خلال الإسلام السياسي وحده لا يرون الاقتصاد.
والذين يفسرونها من خلال الموقع الجغرافي وحده لا يرون القرار السياسي.
والذين يفسرونها من خلال الاقتصاد وحده لا يرون التاريخ.
تركيا الحديثة هي حاصل تفاعل هذه العناصر.
القيادة حركت.
والدولة راكمت.
والاقتصاد موّل.
والصناعة نفذت.
والجغرافيا منحت الفرصة.
والتاريخ أعطى العمق.
والشعب حمل المشروع على كتفيه.
العامل الذي صنع الفارق
إذا أردنا أن نختصر ربع قرن في إجابة واحدة، فلن يكون من الدقة أن نقول إن “أردوغان صنع تركيا”.
ولن يكون من الإنصاف أيضاً أن نقول إن كل ما حدث كان نتيجة تلقائية لقوة الدولة التركية.
الأقرب إلى الحقيقة هو أن العامل الذي صنع الفارق كان القدرة على تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى سياسة دولة.
وهذه عملية لا يقوم بها قائد وحده.
لقد احتاجت إلى قيادة تعرف متى تتحرك، ومؤسسات، وجيش، وصناعة، وقطاع أعمال، وجامعات، ومهندسين، وعمال، ومزارعين، وتجار، ومجتمع يملك قابلية عالية للعمل والبناء.
لهذا فإن ذكرى تأسيس العدالة والتنمية ليست مناسبة لقراءة الحزب وحده.
إنها مناسبة لقراءة تركيا نفسها.
تركيا التي دخلت القرن الحادي والعشرين وهي تبحث عن الخروج من أزمات متراكمة، ثم بدأت خلال ربع قرن تتحول إلى قوة إقليمية ذات تأثير عالمي متزايد.
تركيا التي لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وسياسية حقيقية، لكنها تمتلك اليوم من الأدوات ما لم يكن متاحاً لها قبل خمسة وعشرين عاماً.
تركيا التي تريد أوروبا، ولكن من موقع مختلف.
وتتعامل مع روسيا، ولكنها لا تغادر الناتو.
وتتعاون مع الصين، دون أن تنقطع عن الغرب.
وتبني علاقاتها مع الخليج وإفريقيا وآسيا الوسطى، دون أن تتخلى عن عمقها الأوروبي.
وتتعامل مع أزمات المنطقة ليس دائماً باعتبارها أزمات يجب النجاة منها، بل باعتبارها أحياناً مساحات لإعادة تعريف موقعها.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما في القصة أن وراء كل هذا التحول شعباً.
شعباً له تاريخ طويل، وذاكرة دولة، وحرفة، وصناعة، وتجارة، ويد عاملة تعرف قيمة البناء.
شعباً يريد أن يرى بلده أقوى وأكثر استقراراً وازدهاراً، وأن تتحول التنمية من شعار إلى حياة يومية.
وهنا، بعيداً عن السياسة الحزبية والاستقطاب، يبقى الشعب التركي هو صاحب الرصيد الأكبر في هذه التجربة.
فالدول لا تنهض بالخطابات وحدها.
والقادة لا يصنعون المعجزات وحدهم.
الدولة تنهض عندما تلتقي إرادة القيادة مع قدرة المجتمع، وتتحول الجغرافيا إلى استراتيجية، والاقتصاد إلى قوة، والتاريخ إلى وعي، والقوة إلى قرار.
وهذا، في تقديري، هو العامل التركي الذي صنع الفارق خلال ربع قرن.
ليس القائد وحده.
وليس الحزب وحده.
بل تركيا حين قررت أن تتعامل مع إمكاناتها باعتبارها أدوات قوة، لا مجرد خصائص جغرافية وتاريخية.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس العدالة والتنمية، يبقى السؤال الحقيقي للمستقبل لا للماضي:
هل تستطيع تركيا أن تنتقل من مرحلة بناء القوة إلى مرحلة إدارة القوة، ومن إثبات القدرة إلى تحويلها إلى تنمية أكثر استدامة، ومؤسسات أكثر رسوخاً، ومجتمع أكثر رفاهية، ودور دولي أكثر توازناً؟
ذلك هو الاختبار الأصعب للربع قرن المقبل.






