سالم أبو رخا يكتب: من يحمي العامل الذي لا يملك ترندًا؟
العامل الذي يستطيع الوصول إلى الجمهور قد يحصل على استجابة أسرع من العامل الذي لا يستطيع الوصول إليه.

صورة تعبيرية للمقال
أحيانًا لا يحتاج العامل إلى محامٍ كي يحصل على حقه، ولا إلى شكوى في مكتب العمل، ولا حتى إلى حكم قضائي. يكفي أن تنتشر قصته على مواقع التواصل الاجتماعي، وأن يتحول ما جرى معه إلى حديث الناس.
لكن ماذا يحدث للعامل الذي لا يعرف كيف يصنع ترندًا؟
السؤال يبدو بسيطًا، لكنه يصبح أكثر إلحاحًا إذا وضعنا واقعتين حدثتا خلال أيام قليلة في مكان واحد تقريبًا، وداخل القطاع نفسه، أمام بعضهما البعض.
في الواقعة الأولى، انتشرت شكوى عميلة من أحد فروع مطعم «سيزلر» في مول العرب، تتعلق بطريقة تعامل مدير الفرع معها ومع مرافقاتها أثناء أداء الصلاة.
لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا حتى تحركت إدارة المطعم، وأصدرت اعتذارًا، وأعلنت تخصيص مكان للصلاة داخل الفرع، قبل أن تتراجع لاحقًا عن القرار الخاص بالمكان، بينما انتهت الواقعة بإنهاء خدمة مدير الفرع.
وفي الواقعة الثانية، كان هناك عمال في مطعم «عيش وملح» بوسط البلد
تقول شكاوى تلقتها المفوضية المصرية للحقوق والحريات عبر خطها الساخن إنهم عملوا لفترات مختلفة من دون تحرير عقود، ثم جرى فصلهم من العمل دون إخطار، وامتنعت الإدارة، بحسب الشكاوى، عن صرف مستحقاتهم وتسليمهم مسوغات التعيين والأوراق الرسمية.
الفرق بين القصتين ليس أن واحدة فيها ظلم والأخرى لا.
الفرق أن واحدة وجدت طريقها إلى الجمهور.
أما الأخرى فسلك أصحابها الطريق الرسمي.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
بحسب ما أوردته المفوضية المصرية للحقوق والحريات، تقدم العمال في واقعة «عيش وملح» بطلب تسوية ودية أمام مكتب العمل المختص، لكن المحاولة لم تسفر عن نتيجة، في ظل امتناع صاحبة العمل عن الاستجابة.
أي أن العمال فعلوا ما يفترض أن يفعله أي شخص يريد الحصول على حقه.
اشتغلوا.
ثم فقدوا عملهم.
ثم ذهبوا إلى الجهة المختصة.
ثم انتظروا.
لكن المشكلة لم تنته.
وبالنسبة لعامل فقد مصدر دخله، فإن الوقت ليس مجرد وقت.
كل يوم يمر من دون أجر يعني إيجارًا متأخرًا، وفاتورة لا تُدفع، وأسرة تنتظر، وفرصة عمل جديدة قد تضيع.
بل إن عدم تسلم الأوراق الرسمية، وفق الشكاوى التي تلقتها المفوضية، أعاق العمال عن الالتحاق بعمل آخر لأكثر من عشرين يومًا.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
إذا لم يستطع العامل أن يحصل على حقه بالطريق الرسمي، فإلى أين يذهب؟
في واقعة «سيزلر»، كان المشهد مختلفًا تمامًا.
الشكوى خرجت إلى المجال العام.
الجمهور دخل على الخط.
والشركة وجدت نفسها أمام أزمة سمعة لا يمكن تأجيلها إلى موعد جلسة أو انتهاء إجراءات.
فتحركت بسرعة.
وهذه السرعة ليست عيبًا في حد ذاتها، بالعكس، من الطبيعي أن تهتم أي مؤسسة بشكوى عميل وأن تحقق فيها وأن تعالج الخطأ إذا ثبت.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الضغط الجماهيري هو الطريق الأسرع لاتخاذ القرار، بينما يظل العامل الذي اختار الطريق القانوني ينتظر.
لأن القانون يفترض أن يكون هو الطريق الأسرع والأكثر أمانًا للجميع.
حتى في حالة «سيزلر»، هناك سؤال آخر لا يتعلق بصحة الشكوى من عدمها، وإنما بالطريقة التي عولجت بها الواقعة.
إذا كان مدير الفرع قد ارتكب مخالفة فعلًا، فالقواعد القانونية لا تكتفي بمجرد الغضب من الواقعة.
هناك تحقيق.
وسماع لأقوال العامل.
وتحديد للمخالفة.
ثم عقوبة تتناسب معها إذا ثبتت المسؤولية.
أما أن يصبح إنهاء الخدمة هو أول استجابة لضغط الجمهور، فهذا يفتح بابًا خطيرًا.
لأن الجمهور لا يملك ملف العامل.
ولا يعرف بالضرورة ما حدث قبل الواقعة أو بعدها.
ولا يسمع الطرفين دائمًا.
وقد تكون الصورة التي وصلت إلى مواقع التواصل صحيحة، وقد تكون ناقصة.
القانون وُجد تحديدًا لكي لا تتوقف حقوق الناس على اكتمال الصورة في منشور.
المفارقة أن الواقعتين تكشفان المشكلة نفسها من اتجاهين مختلفين.
في «سيزلر»، ظهر الجمهور كقوة تستطيع أن تدفع صاحب العمل إلى قرار سريع.
وفي «عيش وملح»، لم يكن الجمهور موجودًا، فبقي العمال أمام الطريق الرسمي وحده.
وهذا يضعنا أمام واقع غير مريح:
العامل الذي يستطيع الوصول إلى الجمهور قد يحصل على استجابة أسرع من العامل الذي لا يستطيع الوصول إليه.
وهنا لا يعود الترند مجرد وسيلة للتعبير.
يصبح، ولو بصورة غير مباشرة، إحدى أدوات الحصول على الحق.
لكن الترند ليس عدالة.
هو سريع، نعم.
لكنه ليس محكمة.
ولا يضمن أن يسمع الطرف الآخر.
ولا يضمن أن يعرف الناس كل التفاصيل.
وقد يضغط على شركة بريئة كما قد يكشف شركة مخطئة.
وقد ينقذ عاملًا من ظلم، لكنه قد يظلم عاملًا آخر إذا تحولت موجة الغضب إلى حكم نهائي قبل التحقيق.
والأهم أنه لا يصل إلى الجميع.
هناك آلاف العمال الذين لا يملكون حسابات مؤثرة، ولا يعرفون صحفيًا، ولا يستطيعون تصوير شكواهم بطريقة تجعلها قابلة للانتشار.
هؤلاء لا يملكون إلا القانون.
ولهذا يجب أن يكون القانون كافيًا.
المشكلة إذن ليست في أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مؤثرة.
هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.
المشكلة أن المؤسسات الرسمية إذا لم تكن قادرة على توفير حماية سريعة وفعالة للعامل، فإن مساحة الإنفاذ تبدأ في الانتقال إلى مكان آخر.
مرة إلى الإعلام.
ومرة إلى النقابات.
ومرة إلى المنظمات الحقوقية.
ومرة إلى منصات التواصل الاجتماعي.
وهكذا يجد العامل نفسه مضطرًا إلى البحث عن قوة خارج مكان العمل حتى يحصل على حق يفترض أن يكون القانون قادرًا على حمايته.
وهناك جانب آخر أكثر قسوة يتعلق بحسابات صاحب العمل نفسه.
إذا كانت مخالفة قانون العمل ستؤدي، في أسوأ الأحوال، إلى نزاع طويل قد يستغرق سنوات، فإن المخاطرة قد تبدو محدودة.
أما إذا تحولت الواقعة إلى أزمة على مواقع التواصل الاجتماعي، فإن الثمن قد يصبح فوريًا: زبائن غاضبون، حملة مقاطعة، ضرر للسمعة، وربما خسائر مالية مباشرة.
عندها يصبح السؤال بالنسبة إلى صاحب العمل ليس: «ماذا يقول القانون؟»
بل: «هل الموضوع سيصل إلى الناس؟»
وهذه ليست الطريقة التي يفترض أن يعمل بها قانون العمل.
لذلك فإن حماية العامل لا تبدأ من مطالبة الناس بأن يصبحوا أكثر نشاطًا على مواقع التواصل.
ولا من مطالبة كل عامل بأن يحول مشكلته إلى قضية رأي عام.
تبدأ من جعل الطريق الرسمي قادرًا على الوصول إلى نتيجة.
من تفتيش عمالي يستطيع اكتشاف المخالفات قبل أن تتحول إلى أزمات.
ومن تسوية ودية لا تتوقف ببساطة لأن أحد أطرافها قرر عدم الحضور.
ومن قضاء عمالي سريع يستطيع العامل الوصول إليه من دون أن يتحول التقاضي نفسه إلى عبء جديد.
ومن عقوبات تجعل مخالفة القانون مكلفة فعلًا، لا مجرد مخاطرة مؤجلة.
في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل الترند أقوى من القانون؟
السؤال الأصعب هو:
لماذا أصبح العامل في حاجة إلى الترند أصلًا؟
فإذا كان العامل الذي يملك جمهورًا يحصل على استجابة، بينما العامل الذي لا يملك إلا شكواه ينتظر، فنحن لا نتحدث فقط عن أزمة في تطبيق قانون العمل.
نحن أمام مشكلة أكبر في فكرة العدالة نفسها.
لأن الحق الذي يحتاج إلى جمهور كي يصل إلى صاحبه…
ليس حقًا محميًا بما يكفي.
والعامل الذي لا يملك ترندًا لا ينبغي أن يكون أقل حظًا في الحصول على حقه.
فالقانون، في النهاية، يفترض أن يكون جمهوره الوحيد هو صاحب الحق.






