مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: من يحمي المنطقة؟

ومن هنا يصبح السؤال الأول أكثر عمقاً: من يحمي المنطقة؟ لكن السؤال الذي يليه هو الأخطر: من يملك قرار حمايتها؟

مشاركة:
حجم الخط:

السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نبدأ منه عند قراءة «تحالف مكة» ليس: هل نحن أمام تحالف سني في مواجهة إيران؟ فهذه القراءة، على بساطتها، قد تكون أكثر ما يحجب المعنى الحقيقي لما يجري. فأن تختصر اتفاقاً دفاعياً يضم السعودية وتركيا وباكستان في عنوان طائفي، يعني أن تضع النتيجة قبل أن تبحث في الأسباب، وأن ترى المنطقة من الزاوية التي اعتادت واشنطن وإسرائيل أن تُرى منها: إيران هي المشكلة، وكل ما عداها تفاصيل.

لكن السؤال الأهم ليس من سيواجه إيران، بل من سيحمي المنطقة عندما تصبح القوى التي كانت تتولى حمايتها أقل قدرة أو أقل رغبة في تحمل كلفتها؟ هنا يبدأ المعنى الحقيقي لتحالف مكة. فالمسألة ليست مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بل احتمال انتقال تدريجي من نموذج كانت فيه المنطقة مستهلكاً للأمن الذي تنتجه قوة خارجية، إلى نموذج تبدأ فيه دول المنطقة نفسها بإعادة بناء قدرتها على إنتاج الأمن.

وهذا تحديداً ما يجعل الاتفاق أكثر تعقيداً من أن يُقرأ باعتباره مشروعاً أمريكياً خالصاً. صحيح أن واشنطن تملك نفوذاً هائلاً في السعودية، وتملك علاقة استراتيجية مع تركيا، ولها تاريخ طويل من العلاقات الأمنية مع باكستان، لكن النفوذ شيء والقدرة على التحكم في القرار شيء آخر. السعودية ليست مجرد قاعدة أمريكية متقدمة، وتركيا لم تعد دولة أطلسية تتحرك وفق إيقاع واشنطن وحده، وباكستان، بما تمثله من ثقل عسكري وعلاقة استراتيجية مع الصين، ليست طرفاً يمكن فصله عن المعادلة الآسيوية الكبرى.

بل إن المفارقة أن الدول الثلاث نفسها تحمل داخل التحالف عوامل تحد من قدرة أي قوة خارجية على احتكار اتجاهه. تركيا مرتبطة بالناتو، لكنها بنت في الوقت نفسه علاقات استراتيجية مع روسيا، وباكستان ترتبط بالصين بعلاقة تتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والبنية الاستراتيجية، والسعودية نفسها أعادت خلال السنوات الأخيرة تعريف هامش حركتها الدولية، وفتحت قنوات مع بكين وموسكو وطهران، ولم تعد تتعامل مع العلاقة الأمريكية باعتبارها الطريق الوحيد إلى أمنها.

لذلك فإن السؤال: «هل صنعت واشنطن تحالف مكة؟» أقل أهمية من السؤال: «هل تستطيع واشنطن التحكم في ما قد يصير إليه تحالف مكة؟». فالولايات المتحدة قد تشجع، وقد تضغط، وقد تقدم السلاح والمعلومات والغطاء السياسي، لكنها لا تستطيع ضمان أن تبقى كل ترتيبات الأمن التي تساعد على نشأتها تحت سقف مصالحها إلى الأبد.

وهنا يصبح اختزال التحالف في مواجهة إيران أكثر إشكالاً. نعم، إيران حاضرة في الحسابات الأمنية لكل من السعودية وتركيا وباكستان بدرجات مختلفة، لكن الدول الثلاث ليست متفقة على تعريف إيران بالطريقة نفسها، ولا على مستوى المواجهة معها. والأهم أن السعودية نفسها كانت قد فتحت مساراً لتطبيع العلاقة مع طهران بوساطة صينية، وهو ما يكشف أن الرياض لا تريد بالضرورة العودة إلى منطق الحرب المفتوحة بين المحاور. ومن ثم فإن وضع «إيران» باعتبارها الغاية الوحيدة للتحالف يفسر جزءاً من الصورة، لكنه يعجز عن تفسير الصورة كلها.

وهنا تحديداً تظهر مصر، لا باعتبارها عضواً في الاتفاق، وإنما باعتبارها الغائب الذي يكشف حجم المسألة. فإذا كان الأمر مجرد تحالف دفاعي سعودي تركي باكستاني، يمكن فهم غياب القاهرة باعتباره تفصيلاً سياسياً. أما إذا كان المشروع يتجه إلى بناء صيغة أوسع للأمن الإقليمي، فإن مصر تصبح حاضرة بالضرورة، لأن الأمن في الخليج لا يمكن فصله عن البحر الأحمر، والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن قناة السويس، وقناة السويس لا يمكن فصلها عن شرق المتوسط والمشرق العربي.

ولهذا فإن السؤال عن مصر ليس: لماذا لم تنضم؟ بل: هل يمكن بناء أمن إقليمي مستدام من دونها؟

هذه النقطة تفتح احتمالين متعارضين تماماً. الأول أن واشنطن تحاول إعادة توزيع أعباء النظام الذي أنشأته، بحيث تدفع القوى الإقليمية إلى تحمل كلفة أكبر من أمن المنطقة، بينما تبقى الولايات المتحدة هي صاحبة المظلة والقرار النهائي. وبهذا المعنى يصبح التحالف نسخة أكثر كفاءة من النظام القديم، لا خروجاً عليه.

لكن الاحتمال الثاني أكثر أهمية، وربما أكثر إزعاجاً لواشنطن وإسرائيل، وهو أن إعادة توزيع الأعباء قد تتحول تدريجياً إلى إعادة توزيع للقرار نفسه. فحين تمتلك دول المنطقة أدوات عسكرية وصناعية واقتصادية أكبر، وحين تتعاون فيما بينها بعيداً عن مركز واحد، فإنها لا تحصل فقط على قدرة أكبر على الدفاع عن نفسها، بل تحصل أيضاً على هامش أوسع في تحديد من هو العدو، وما هو التهديد، ومتى تبدأ الحرب ومتى تنتهي، ومن يقرر شكل النظام الأمني الذي تعيش داخله.

وهنا تكمن النقطة التي لا ينبغي إغفالها: النظام الإقليمي الذي خدم إسرائيل طوال عقود لم يكن قائماً فقط على التفوق العسكري الإسرائيلي، بل على منظومة أمنية تجعل الولايات المتحدة هي المرجعية النهائية في تعريف المخاطر وإدارة توازنات المنطقة. وحين تبدأ دول المنطقة في بناء ترتيبات أمنية لا تمر بالضرورة من البوابة الإسرائيلية، فإن المسألة لا تعود مجرد تغيير في توزيع القوة، بل تصبح تغييراً في موقع إسرائيل داخل النظام نفسه.

ولذلك لا أرى أن السؤال الأكثر دقة هو: هل «تحالف مكة» ضد إيران أم لا؟ السؤال الأدق هو: هل نحن أمام محاولة أمريكية لإعادة تدوير النظام القديم، أم أمام بداية لتكوين نظام أمني تستطيع المنطقة أن تفاوض من خلاله على مصالحها من موقع أكثر استقلالاً؟

الفرق بين الاحتمالين ليس تفصيلاً. ففي الحالة الأولى، ستظل واشنطن هي صاحبة المظلة، وستصبح الدول الإقليمية مجرد أدوات أكثر كفاءة لحماية مصالح النظام الأمريكي. أما في الحالة الثانية، فإن المنطقة تبدأ، ولو ببطء، في استعادة جزء من القرار الذي ظل لعقود خارجها.

ومن هنا تأتي أهمية تركيا وباكستان تحديداً. فوجودهما يجعل الصيغة أوسع من مجرد ترتيبات خليجية، ويمنحها امتداداً آسيوياً وعسكرياً وصناعياً لا يمكن تجاهله. كما أن علاقات الدولتين مع الصين وروسيا تجعل تحويل التحالف إلى مجرد «ناتو إسلامي» تابع للولايات المتحدة أمراً أكثر تعقيداً مما توحي به العناوين الإعلامية.

وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي ينبغي مراقبته:

ليس ما إذا كان التحالف سيقاتل إيران، وإنما ما إذا كان سيُنتج قدرة إقليمية على منع الحرب، أو فرض كلفتها، أو إعادة تعريف شروطها. فالقوة لا تظهر فقط عندما تستخدم السلاح، وإنما عندما تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم قبل استخدامه.

لهذا فإن «تحالف مكة» قد يكون، في نهايته، مجرد إعادة توزيع أمريكية لأعباء الأمن، وقد يكون بداية لمسار أكبر لا تستطيع واشنطن وحدها تحديد نهايته. لكن حتى الاحتمال الأول يحمل بذرة الاحتمال الثاني، لأن الدول التي تتعلم كيف تحمي أمنها لا تبقى بالضرورة راغبة إلى الأبد في أن يقرر الآخرون معنى هذا الأمن نيابة عنها.

ومن هنا يصبح السؤال الأول أكثر عمقاً: من يحمي المنطقة؟ لكن السؤال الذي يليه هو الأخطر: من يملك قرار حمايتها؟

فإذا ظل القرار في واشنطن، فنحن أمام نظام قديم يعيد ترتيب أدواته. أما إذا بدأ القرار ينتقل إلى عواصم المنطقة، فنحن أمام شيء مختلف تماماً، بداية تراجع احتكار الخارج للأمن الإقليمي، وبداية صراع جديد ليس على من يواجه إيران فقط، وإنما على من يملك حق تعريف مستقبل المنطقة نفسها.

شارك المقال: