مقالات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: من دم عثمان إلى صدمة الفتنة (2-3)

حتى لو افترضنا كامل صدق معاوية في المطالبة بدم عثمان، واستبعدنا تمامًا البحث في النيات، تبقى المشكلة قائمة

مشاركة:
حجم الخط:

كيف تغير سؤال الشرعية إلى سؤال وقف الدم؟

لم يكن الخلاف حول دم خليفة المسلمين مجرد خلاف على ضرورة القصاص؛ فالقصاص حق مشروع من حيث الأصل، لكن المشكلة كانت: من يطالب به؟

ومن يحكم فيه؟ ومن ينفذه؟

وهل يملك المطالب به أن يحوله إلى شرط للاعتراف بالخليفة الجديد؟

ينقل القرطبي أن معاوية لم يكن ولي دم عثمان، وأن أولياء الدم كانوا أولاد عثمان.

ولا يلزم من ذلك حسم كل التفصيلات الفقهية المتعلقة بتوارث حق القصاص، لكنه يكشف مسألة مهمة:

مجرد كون معاوية من بني أمية لا يمنحه تلقائيًا سلطة قضائية مستقلة فوق أولياء المقتول والقضاء والخليفة.

فإذا تحولت القرابة القبلية من رابطة تضامن إلى أساس يخول صاحبها المطالبة بالدم خارج مساره القضائي، وتعليق الطاعة السياسية على الاستجابة لهذه المطالبة.

فنحن أمام استعادة لمنطق العصبية الجاهلية في الدم بعد أن نقل الإسلام القصاص من دائرة الثأر القبلي إلى دائرة الحق المنظم بالقضاء والسلطة.

أحمد علام يكتب: من الاجتهاد بالنص إلى الانقلاب على مقتضى الشورى (1-3)

ومن هنا يصبح السؤال:

بأي أساس تتحول المطالبة المشروعة بالقصاص إلى حق لوالي إقليم في تعليق بيعته للخليفة على استجابة الخليفة لشروطه؟

حتى لو افترضنا كامل صدق معاوية في المطالبة بدم عثمان، واستبعدنا تمامًا البحث في النيات، تبقى المشكلة قائمة:

صحة المطالبة بالعدالة لا تنتج بذاتها حقًا في إنشاء سلطة موازية ومنازعة الخليفة المبايع.
وهنا تبدأ المسافة بين الاجتهاد الراشدي وبين ما حدث لاحقًا.

هل كل خلاف سياسي بين الصحابة اجتهادان متكافئان؟

يمكن للمجتهد أن يخطئ في تقدير المصلحة أو في تحقيق المناط، ويبقى داخل مجال الاجتهاد.

لكن هل رفض الدخول في البيعة، ثم بناء مركز سياسي مستقل، ثم الدخول في حرب مع الخليفة القائم، مجرد اجتهاد من جنس اجتهاد أبي بكر في قتال مانعي الزكاة أو عمر في أرض السواد ؟

هنا لا تكفي كلمة «اجتهاد»

قبل وصف الفعل بأنه اجتهاد شرعي ينبغي أن نسأل:

هل المسألة أصلًا مفتوحة للاجتهاد؟

ثم:
هل تحرك الاجتهاد داخل النص، أم أعاد ترتيب النص وفق متطلبات القوة والسياسة؟

وهنا يصبح حديث عمار بن ياسر ذا دلالة كبيرة؛ فقد صح عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية، وقد قتل عمار في صف سيدنا علي في صفين.

هذا الحديث لا يخرج الطرف الآخر من الإسلام، ولا يغلق باب التأويل والخطأ البشري، لكنه يجعل وصف الطرفين بأنهما اجتهادان سياسيان متكافئان تمامًا وصفًا غير دقيق.

فالمطالبة بالقصاص كانت مطلبًا مشروعًا، أما تحويلها إلى أساس لرفض السلطة القائمة ومنازعتها فلم يكن نتيجة لازمة للنص، بل اختيارًا سياسيًا.

صدمة الفتنة

لكن هذا التحول لم يقع في الكتب، بل وقع في مجتمع ينزف.

من مقتل الخليفة عثمان إلى مقتل الخليفة علي عاش المسلمون سلسلة هائلة من الصدمات:
مقتل خليفة.

ثم معركة الجمل.

ثم معركة صفين.

ثم آلاف القتلى من المسلمين.

ثم التحكيم.

ثم الخوارج ومعركة النهروان.

ثم الغارات والاضطرابات.

ثم اغتيال خليفة .

ثم احتمال حرب جديدة بين الحسن ومعاوية.

وهنا يمكن أن نستعير، بوصفها أداة تحليلية معاصرة لا وصفًا تاريخيًا حرفيًا، فكرة «عقيدة الصدمة» عند ناعومي كلاين.

لا نزعم أن معاوية وضع خطة واعية لإحداث صدمة ثم استثمارها، ولا نسقط نظرية معاصرة حرفيًا على القرن الأول الهجري.

لكننا نستفيد من فكرتها الأساسية:

المجتمع الذي يتعرض لصدمة جماعية ممتدة قد يعيد ترتيب أولوياته، ويصبح مستعدًا لقبول ترتيبات كان سيقاومها في ظروف الاستقرار مقابل استعادة الأمن ووقف الفوضى.

ويمكن أن نسمي ما حدث هنا:

“صدمة الفتنة”

في البداية كان السؤال:

من صاحب الحق؟

لكن بعد تراكم الدم أصبح سؤال آخر أكثر إلحاحًا:

كيف نوقف هذا كله؟

والمجتمع الذي يرى أبناءه يقتلون بعضهم بعضًا عامًا بعد عام يصبح وقف الدم عنده مصلحة وجودية.

وهنا يجب قراءة موقف الحسن بن علي.

الحسن: التسوية لا التصديق على الطريق

بويع الحسن بن علي بعد مقتل أبيه، ولم يكن تنازله إعلانًا بأن معاوية كان منذ البداية صاحب الحق في منازعة علي بن أبي طالب.

لقد اتخذ قراره داخل بيئة لم يعد فيها الاختيار بين شكلين هادئين للحكم، بل بين استمرار المطالبة بالسلطة وبين احتمال فتح جولة أخرى من الحرب.

ولم تكن «صدمة الفتنة» العامل الوحيد، فقد كان هناك ضعف في تماسك المعسكر العراقي، وانقسامات داخلية، واختلال متزايد في ميزان القوة لمصلحة معاوية.

لكن الصدمة غيرت البيئة التي اتخذ القرار داخلها.

وهنا ينبغي التمييز بين:
شرعية الطريق
و
شرعية التسوية.
قد يقع النزاع بطريق خاطئ، ثم تصل الأطراف إلى تسوية مشروعة تمنع دماء أكثر.

ومن هنا يمكن صياغة قاعدة مهمة:

تنازل الحسن شرعن التسوية، ولم يشرعن بأثر رجعي الطريق الذي أوصل إليها.

فالحسن لم يتنازل لأن قاعدة جديدة أصبحت تقول إن من ينازع الخليفة بقوة إقليمية يصبح أحق بالحكم إذا استطاع الصمود طويلًا، وإنما قدم جمع كلمة الأمة ووقف اقتتال المسلمين على استمرار مطالبته بحقه السياسي.

وفي هذا المعنى يلتقي موقفه، من حيث منطق الموازنة لا من حيث تطابق الواقعتين، مع موقف سيدنا هارون عليه السلام حين خشي أن يؤدي تصعيد المواجهة داخل بني إسرائيل إلى تفريقهم، فقال لموسى:

﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾

لم يكن حفظ الجماعة عند هارون تصديقًا على عبادة العجل، كما لم يكن تنازل الحسن تصديقًا بأثر رجعي على مشروعية الطريق الذي أوصل معاوية إلى منازعة علي.

كان في الحالتين إدراكًا أن مقاومة الانحراف قد تبلغ، في ظرف بعينه، حدًا تصبح معه المحافظة على وحدة الجماعة ومنع توسع الفتنة مقدمة على استيفاء حق أو حسم نزاع في اللحظة نفسها.

وتزداد المفارقة وضوحًا بعد استقرار الحكم لمعاوية

إذ لا نرى في المصادر مشروعًا قضائيًا عامًا لمحاكمة قتلة عثمان بالصورة التي كان التمكن منهم قد جُعل من قبل شرطًا للدخول في بيعة علي.

صحيح أن عددًا من أبرز المتهمين كان قد قُتل خلال سنوات الفتنة، وأن بعض الروايات تربط قتل عمرو بن الحمق في عهد معاوية بما نُسب إليه من المشاركة في قتل عثمان.

لكننا لا نجد بعد استقرار الدولة تحويل القضية إلى مسار قضائي جامع يحدد الجناة ويقيم عليهم القصاص وفق شروطه.

وهذا لا يكفي وحده للحكم على نيات معاوية، لكنه يجعل من المشروع تاريخيًا التساؤل:

إلى أي مدى ظل دم عثمان قضية قصاص بعد أن انتهت وظيفته في منازعة الشرعية؟

وهكذا استقر الحكم لمعاوية باعتباره تسوية لواقع استثنائي.

وكان يمكن أن ينتهي الاستثناء بانتهاء صاحبه.

لكن ما حدث بعد ذلك هو ما نقل المسألة من التسوية إلى تغيير نظام إنتاج السلطة نفسه.

لم يكن تنازل الحسن بن علي اعترافًا بأن الطريق الذي أوصل معاوية إلى منازعة علي بن أبي طالب أصبح طريقًا مشروعًا للحكم، بل كان اجتهادًا في جمع كلمة الأمة ووقف نزيف الدم في مجتمع أنهكته سنوات الفتنة.

ومن هنا ينبغي التمييز بين شرعية الطريق وشرعية التسوية:

فقد تكون التسوية ضرورية ومشروعة لمنع مفسدة أكبر، من غير أن تصبح الأحداث التي سبقتها مشروعة بأثر رجعي.

وكان يمكن لهذه التسوية أن تبقى استثناءً تاريخيًا ينتهي بانتهاء ظروفه، ثم يعود الأمر بعد معاوية إلى أصله: شورى بين المسلمين.

لكن ما حدث بعد ذلك نقل المسألة إلى مستوى مختلف تمامًا

إذ لم تعد القضية خلافًا على دم عثمان، ولا حربًا بين طرفين اضطر أحدهما إلى التسوية، بل أصبحت سؤالًا مباشرًا:

هل يملك الحاكم الذي استقرت له السلطة بتسوية استثنائية أن يحول هذه السلطة إلى نظام دائم، وأن يحدد ابنه خليفة بعده ثم يطلب من الأمة أن تبايعه؟

شارك المقال: