آراء و تحليلات
د. أيمن منصور ندا
د. أيمن منصور ندا

أستاذ الإعلام المصري

أيمن منصور ندا يكتب: لماذا تفشل ثورات المصريين؟ (2-2)

يصبح الخلل كامناً في طريقة صنع الثورة، وفي المجتمع الذي يحملها، وفي الدولة التي تستقبلها، ثم تهضمها، وتعيد تشكيلها على صورتها.

مشاركة:
حجم الخط:

عشرة أسباب مشتركة (2- 2)

في المقال السابق، مررنا على خمس ثورات مصرية، اختلفت أسبابها وشعاراتها وقياداتها، لكنها وصلت، بدرجات متفاوتة، إلى المصير نفسه.

تبدلت الأزمنة، وتغيرت الوجوه، وانتقلت البلاد من الخديوي إلى الملك، ومن الملك إلى الرئيس، ومن الحزب الواحد إلى تعددية شكلية.

ثم عادت في كل مرة إلى الدولة المركزية السلطوية نفسها، كأن الثورة تستطيع تغيير الجالس فوق الكرسي، لكنها تعجز عن تغيير الكرسي ذاته.

لم يفشل عرابي بالطريقة نفسها التي فشل بها الوفد

لم تتعثر ثورة يوليو بالأسباب نفسها التي أجهضت ثورة يناير أو عطلت مسار يونيو.

ومع ذلك، أعادت كل ثورة إنتاج جانب كبير من النظام الذي قامت عليه!

وحين تتغير الوقائع وتثبت النتيجة، يصبح الخلل أعمق من خطأ زعيم، أو خيانة فصيل، أو مؤامرة دولة أجنبية.

يصبح الخلل كامناً في طريقة صنع الثورة، وفي المجتمع الذي يحملها، وفي الدولة التي تستقبلها، ثم تهضمها، وتعيد تشكيلها على صورتها.

في ذكرى ثورة يوليو: لماذا تفشل ثوراتنا المصرية؟ (1-2)

ويمكن الإشارة إلى الأسباب العشرة المشتركة لفشل ثوراتنا المصرية على النحو التالي: 

أولاً: غياب ثقافة الديمقراطية، والمؤسسات الداعمة لها، والبنية التحتية المؤهِّلة لها:

لم تمتلك أيُّ ثورة منها بنية تحتية ديمقراطية قوية (أحزاب، نقابات، جماعات مصالح، مجتمع مدني…) تحمي مكتسباتها، وتترجم شعاراتها إلى سياسات مستقرة.

استطاعت هذه الثورات تغيير نظم حكم (ظالمة ومستبدة)، واستبدلتها بأخرى أشدَّ ظلماً واستبداداً، واستبدلت أشخاصاً دون تغيير أو تبديل في السياسات.

ترجع الثورات في كلِّ مرة بخُفيّ حنين، وترضى من الغنيمة بمجرد الإياب.

قواعد اللعبة السابقة على كلِّ ثورة هي نفسها التي تعقبها.

حتى الطبقات التي يتم الثورة عليها، تختفي مؤقَّتاً، ثم تظهر، وتخرج لسانها للجميع، بعد فشل الثورة.

يمكننا ملاحظة ذلك مؤخراً في “فلول الحزب الوطني” ورجال الأعمال بعد عودتهم بنفس أسمائهم، وصورهم، في شكل أحزاب جديدة بنفس السياسات، ونفس التوجهات.

فكرة الاختفاء التام والنهائي بعد الهزيمة، والاعتزال بعد الثورة غير قائمة في مصر..

ثانياً: ضعف الوعي السياسي والتنظيم الشعبي:

إنَّ فكرة الثورة، رغم تكرارها في مصر، هي فكرة غريبة، ولقيطة، ومن السهل إنكار نسبها، والتخلص منها.

وفي كلِّ هذه الأفعال الثورية، أصيب المصريون سريعاً بالإرهاق الثوري، ما جعلهم يتخلَّون سريعاً عن تحقيق أهدافهم من الثورة.

إضافة إلى ذلك، فإنَّ الانتقال من طور “الثورة” إلى طور “الدولة المدنية” يتطلَّب وعياً مدنياً وتنظيمياً، وهو وعي ضعيف وهش ومتأرجح عبر تاريخ مصر الحديث لدى المصريين.

ضعف الوعي السياسي الشعبي، وتغليب الشعارات العاطفية على البرامج الواقعية، وضعف الثقافة السياسية، كلُّ ذلك أدَّى إلى فشل الثورات المصرية.

صرَّح السيد عمر سليمان أثناء ثورة يناير 2011، بأنَّ مصر “غير مهيئة للديمقراطية”، وهي مقولة صحيحة إلى حدٍّ كبير!

ثالثاً: شخصنة القيادة، واعتمادها على الزعيم الفرد، والتخلُّص من أي منافس له:

على الرغم من أنَّ الثورة عمل جماعي، فإنَّها عادة ما تُنسَب إلى شخص (الزعيم، المُنقِذ، المُخَلِّص…)

ويختص بمميزاتها فرد، و”تقتل الثورة أولادها”، ويتم القضاء على أي منافس لهذا الشخص ولذلك الفرد.

بعد ثورة 1919، رُفِعَ شعار “الاحتلال على يد سعد أفضل من الاستقلال على يد عدلي” في إشارة إلى المنافسة المحتدمة بين رفيقي الكفاح وزملاء الثورة: سعد زغلول وعدلي يكن.

الصورة الثورية لا تحتمل وجود شخصين داخل إطار واحد.

كذلك كان الصراع بين الصديقين قبل أن يتحولا إلى عدوين: مصطفى النحاس ومكرم عبيد.

الأمر نفسه في ثورة 1952، حيث تم التخلص من كلِّ المشاركين في الثورة لصالح الرئيس جمال عبد الناصر، الذي احتكر الثورة لصالحه، وقصرها على نفسه، فهو البطل الذي لا شريك له، وهو ما أدَّى إلى نكساته الخالدة.

هذه الشخصنة للثورة ولقيادتها، أدَّى إلى تحوّل المشروعات التي تقوم عليها الثورة إلى “مشروعات شخصية” بدلاً من أن تكون “مشروعات قومية” وعادة ما تنهار هذه المشروعات برحيل الزعيم أو باختفائه.

رابعاً: غياب المشروع الاقتصادي والاجتماعي المتكامل:

لم تضع أي ثورة من الثورات الخمسة خطة واضحة ومستدامة لإصلاح الاقتصاد، أو لإعادة توزيع الثروة بعد انتهاء الحماس الثوري، واستقرار الشعب.

لم يكن لأي ثورة “برنامج عمل تطبيقي” يترجم الشعارات التي رفعتها، أو الأهداف التي قامت من أجلها.

إدارة الثورة “باليومية” هو النمط الغالب في اليوم الأول التالي لنجاح الثورة.

لا يتوقع الثائرون نجاح ثورتهم، فلا يضعون خططاً مسبقة لما سيتم تغييره.

يأخذهم الحماس والعواطف الملتهبة بعيداً عن الخطط التنفيذية العقلانية.

ولأنَّه لا توجد أحزاب حقيقية، أو نقابات لها توجهات سياسية، أو جماعات مصالح لها أجندتها السياسية الواقعية، فإنَّ الثورة لا تحقق شيئاً، ولا تعكس مشروعاً متكاملاً يمكن تنفيذه.

في أعقاب ثورة 2011، فوجئ الإخوان بأنَّ السلطة أصبحت في يدهم، دون أن يكونوا جاهزين لهذا اليوم، رغم ادعائهم ثمانية عقود بأنَّهم يعملون لهذه اللحظة، وكانت النتيجة ارتباكاً واضحاً، ومشروعاً تم تسويقه باسم “النهضة” وكان أقرب إلى “الوهم”، أو إلى “الفنكوش” الكبير.

خامساً: تدخل القوى الأجنبية، وممارسة الضغط على أطراف العملية السياسية وعلى الثوار:

كانت مصر، ولا تزال، جزءاً من صراع دولي على النفوذ في الشرق الأوسط، ولهذا، تعرضت الثورات للضغط أو الإجهاض الخارجي، وفي بعض الأحيان تتلقى المساعدة، ليس تأييداً لها، ولكن معارضة ومكيدة للطرف الآخر.

كانت مصر دائماً تحت ضغط خارجي يؤثر في مسار ثوراتها.

في ثورات 1881، و1919، و1952، كانت بريطانيا مؤثرة سلباً، وعرقلت مسار هذه الثورات.

في ثورة 1952 كان للتأييد الأمريكي دوره في نجاح الثورة في سنواتها الأولى.

في ثورتي 25 يناير، و30 يونيو، كانت للقوى الخليجية، ولرأس المال الخليجي أثره المباشر في هذه الثورات.

سادساً: التحالف المؤقَّت بين قوى متناقضة، والفشل في بناء تحالفات مستقرة:

جمعت الثورات المصرية غالباً بين فئات ذات مصالح متضاربة ومتعارضة، من منطق “عدو عدوي صديقي”

عند الثورة قد يجمع الله الشتيتين، بعدما يظنان كلَّ الظن ألا تلاقيا.

في الثورات المصرية، اتحد المدنيون مع العسكريين، والليبراليون (العلمانيون) مع الإسلاميين، والفلاحون مع البرجوازية الصاعدة.

اجتمع النقيضان في لحظة الثورة، وكان لزاماً انفراط العقد سريعاً بعد الفعل الثوري.

وقد يكون ذلك بسبب التنافس على “غنائم” الثورة، أو اقتسام المناصب.. فشل النخب الثورية في إدارة الخلافات الداخلية أو بناء تحالفات مستقرة، أدَّى إلى الفشل المتكرِّر للثورات المصرية.

سابعاً: توظيف الإعلام، والدين، والفن، والقوة الناعمة في تبرير الاستبداد بعد كلِّ ثورة:

في مصر، يتم توظيف وسائل الإعلام، وأدوات القوة الناعمة في غير ما خُلِقت له.

تقوم هذه الأدوات بالترويج المباشر للاستبداد، وتساند الرئيس المُتغلِّب والمُتمكِّن، بغض النظر عن شرعية حكمه، وعن مشروعية قراراته.

هذه الوسائل سبب أساسي من أسباب فشل الثورات، ومعوّل من معاول هدم قوتها الثورية، من خلال تشويه فعل الثورة، وتشويه الثوار، وتمجيد سيرة الحكام المستبدين.

ثامناً: هيمنة المؤسسة العسكرية، والأجهزة الأمنية على المجال السياسي، والاستمرار في نمط الدولة المركزية السلطوية:

رغم الثورات، ورغم التقلبات العديدة، فقد بقيت الدولة على نموذجها القديم:

بيروقراطية مركزية، وأمنية، تحتكر السلطة والموارد، إلى الحدِّ الذي بالغ فيه البعض بالقول:

إنَّ الثورات لا تحدث إلَّا بأمر هذه الأجهزة، والمؤسسات، وتحت إشرافها، وتحكمها الكامل!

تاسعاً: ظاهرة “لصوص الثورات في مصر”:

وهم أشبه بحفاري القبور، و”أثرياء الحرب”

أناس يقفزون على الثورة في محاولة للتكسب من خلالها.

فعلها الإخوان في ثورة 25 يناير.

وفعلها بعض المنتسبين إلى ثورة 30 يونيو.

وعلى حدِّ تعبير “تشي جيفارا”: “الثورة يصنعها الشرفاء، ويقودها الشجعان، ثم يسرقها الجبناء”

عاشراً وآخيراً: أمر الله! لم يقيِّض الله لنا النجاح حتى الآن.. وقد يكون فرجه قريباً.

لا تحتاج مصر إلى ثورة سادسة بقدر ما تحتاج إلى وعي جديد يمنع أسباب الثورة، وإلى دولة تسمح بإصلاح نفسها قبل أن يضطر الناس إلى محاولة هدمها.

فالثورات ليست غايةً، ولا بطولةً في ذاتها، إنها إنذار أخير بأن أبواب الإصلاح قد أُغلقت.

وإذا ظللنا نفتح باب الثورة، ثم نعيد بناء الجدار نفسه، فلن يكون السؤال:

متى تقوم الثورة القادمة؟ بل: كم مرةً أخرى سندفع الثمن نفسه، لكي نصل إلى المكان نفسه؟

شارك المقال: