مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

حكاية وراء أثر: كشك الموسيقي حديقة الحيوان (3)

ظهر كشك الموسيقى كعنصر وظيفي وجمالي في قلب الحديقة؛ فالكشك في تصميم الحدائق الملكية لم يكن مبنى للجلوس فقط، بل كان منصة موسيقية مفتوحة تسمح بانتشار الصوت بين الأشجار والممرات.

مشاركة:
حجم الخط:

عندما كان الحجر والخشب يعزفان ذاكرة الملوك

داخل المساحة الخضراء الواسعة لحديقة الحيوان بالجيزة، لا تقف المنشآت التاريخية كعناصر منفصلة، بل كأنها نقاط في قصة واحدة كتبها عصر الخديوي إسماعيل

ثم استمرت في ذاكرة الأسرة الملكية المصرية. فبين الأشجار النادرة والممرات والجبلايات والجسور، ظهرت عناصر صغيرة في الحجم لكنها كبيرة في القيمة التاريخية، ومن أهمها كشك الموسيقى و الكشك الياباني.

أولًا: كشك الموسيقى… صوت الملوك بين الأشجار.

– عندما أنشأ الخديوي إسماعيل حدائقه في الجيزة، لم تكن الفكرة مجرد زراعة أشجار أو إنشاء متنزه، بل كان يريد إقامة نموذج للحدائق الملكية الأوروبية التي تجمع بين الطبيعة والفنون والاستعراضات.

فقد استعان بخبرات في تنسيق الحدائق، وأنشئت الجبلايات والأكشاك والبرك والجسور لتكوين مشهد متكامل.

 ومن هنا ظهر كشك الموسيقى كعنصر وظيفي وجمالي في قلب الحديقة؛ فالكشك في تصميم الحدائق الملكية لم يكن مبنى للجلوس فقط، بل كان منصة موسيقية مفتوحة تسمح بانتشار الصوت بين الأشجار والممرات.

حكاية وراء أثر: حديقة الحيوان (2) الكوبري الحديدي

د. فاروق شرف يكتب: في زيارة حديقة الحيوان (1)

كان التصميم يعتمد على فكرة مهمة:

أن الموسيقى جزء من تجربة الحديقة، مثل الضوء والرائحة والمنظر.
فبدل أن يسمع الزائر الموسيقى داخل قاعة مغلقة، كان يستمع إليها وسط الطبيعة؛ بين الأشجار والزهور، وهو أسلوب كان منتشرًا في حدائق أوروبا في القرن التاسع عشر.

هل استخدمه الخديوي إسماعيل والملوك؟

يرتبط تاريخ الحديقة بالعصر الملكي، خاصة أن بداياتها جاءت من حدائق وقصور الخديوي إسماعيل، الذي كان صاحب مشروع تحديثي واسع فيالقاهرة ، وكانت الحدائق جزءًا من هذا

أما كشك الموسيقى، فكان من الطبيعي أن يستخدم في المناسبات والاحتفالات الملكية أو الزيارات الرسمية والنزهات الخاصة، حيث كانت الفرق الموسيقية العسكرية أو فرق العزف تقدم مقطوعات أثناء وجود الزوار أو المناسبات الكبرى.

وفي عهد الملك الملك فؤاد الأول وابنه الملك فاروق الأول استمرت ثقافة استخدام الحدائق الملكية كأماكن للنزهة والاستقبال والمناسبات الاجتماعية، وكان وجود الموسيقى الحية جزءًا من الطابع الاحتفالي لتلك الأماكن.

كشك الموسيقى والكشك الياباني بحديقة الحيوان
كشك الموسيقى والكشك الياباني بحديقة الحيوان

معلومة لا يعرفها كثيرون:

كشك الموسيقى لم يكن مجرد “مكان للعزف” بل كان جزءًا من هندسة الصوت داخل الحديقة؛ فاختيار موقعه وسط الأشجار والمساحات المفتوحة كان يساعد على توزيع الصوت طبيعيًا، كما أن ارتفاعه النسبي عن سطح الأرض يجعل الفرقة الموسيقية مرئية للمتجمعين حولها.

أي أن المصمم لم يفكر في الشكل فقط، بل فكر في:

– زاوية الرؤية. – حركة الجمهور.
– انتشار الصوت. – ارتباط الموسيقى بالمشهد الطبيعي.
وهذا يكشف أن تصميم الحديقة كان أقرب إلى “مسرح طبيعي مفتوح”.

ثانيًا: الكشك الياباني… قطعة من الشرق الأقصى في قلب الجيزة.

الكشك الياباني يمثل جانبًا آخر من فلسفة الحديقة؛ فهو يعكس إعجاب عصر الخديوي والملوك بالفنون العالمية وإدخال عناصر معمارية من ثقافات مختلفة داخل الحدائق.

ظهر هذا النوع من الأكشاك في الحدائق العالمية خلال القرن التاسع عشر، خصوصًا بعد زيادة الاهتمام بالفن الياباني في أوروبا، حيث أصبحت العمارة اليابانية رمزًا للهدوء والانسجام مع الطبيعة.

أما في حديقة الحيوان بالجيزة، فقد أصبح الكشك الياباني واحدًا من العناصر المميزة التي تعكس التنوع الفني للحديقة، إلى جانب عناصر أخرى مثل الجبلايات والكوبري والاستراحات التاريخية.

* فلسفة تصميم الكشك الياباني.

العمارة اليابانية التقليدية تقوم على فكرة أساسية:
أن المبنى لا يسيطر على الطبيعة، بل يعيش معها.
ولهذا نجد عادة:
– خفة في البناء.
– أسقفًا ذات امتدادات واضحة.
– ارتباطًا بالفراغ الأخضر حوله.
– إحساسًا بالهدوء والتأمل.
لم يكن الهدف منه إقامة مبنى ضخم، بل خلق “نقطة توقف” في رحلة الزائر داخل الحديقة.

الفرق بين الكشكين:

كشك الموسيقى كان يمثل الحياة الاجتماعية والاحتفال:
– تجمع. – عزف. -مناسبة.
– حركة.
أما الكشك الياباني فكان يمثل التأمل والجمال والهدوء:
– علاقة الإنسان بالطبيعة.
جمال التفاصيل.
– رؤية مختلفة للحديقة.

الخلاصة الأثرية:

تكشف هذه الأكشاك أن حديقة الحيوان بالجيزة ليست مجرد مكان لعرض الحيوانات، بل هي أثر حي من تاريخ الحدائق الملكية المصرية، فكل عنصر فيها له وظيفة وفكر تصميمي.

فالكوبري يحكي قصة الهندسة، والجبلايات تحكي قصة محاكاة الطبيعة، والممرات تحكي قصة الحركة.

أما كشك الموسيقى والكشك الياباني فيحكيان قصة عصر كان يرى أن الحديقة ليست أرضًا مزروعة فقط… بل عملًا فنيًا متكاملًا يجمع العمارة والطبيعة والثقافة.

شارك المقال: